الصورة الفوتوغرافية في العديد من القضايا الأمنية أو الجنائية، يقول أهل القانون، دليل إثبات بالإدانة أو بالبراءة. والصورة، التي رأيتها بأم عينيَّ، منشورة في مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت وفي وسائل الإعلام خلال الأيام القليلة الماضية، هي صورة الصحفي أحمد السنوسي، بعد الإفراج عنه من الاعتقال التعسفي مع ثلاثة من إخوته أو أصدقائه، يقفون معاً مبتهجين، والابتسامات ملء وجوههم، خارج مقر مكتب النائب العام بطرابلس.
الصورة، كما بدت لي ولغيري، قد تكون دليلاً على نهاية محنة الصحفي أحمد السنوسي في الاعتقال. لكنّها، في الوقت ذاته، ليست دليلاً بانتهاء محنة حرية التعبير في ليبيا، ونهاية محنة الكتاب والصحفيين، الذين كرسوا أنفسهم لكشف الفساد ومحاربته.
الصورة الفوتوغرافية، يقول أهل القانون، قد لا تكون دليل إثبات براءة أو إدانة. ويوضحون أن عصر الإلكترون، والإنترنت، والفوتوشوب، والتقنية المتقدمة والعالية الجودة، تجعل من السهل جداً تزييف صورة. لذلك السبب، لا يعتد بهأ لأنها من الممكن أن تكون دليل براءة أو إدانة مغشوشاً.
الصورة، المذكورة أعلاه، صورة ليست مزورة للصحفي أحمد السنوسي، ودليل على خروجه من الاعتقال. الصورة صحيحة، بدليل أن الأخبار تتداول خبر خروج أحمد من الاعتقال، وعودته سالماً إلى بيته وأهله، ولم يصدر عن أهله ما ينفي ذلك. والحمد لله على نعمائه. لكنّها، وهنا مربط الفرس، ليست دليلاً على خروج المعتقل/ الحبس، من ذهن أحمد السنوسي. ذلك أن تجارب السجون والمسجونين ثتبت أن من دخل السجن، أو تعرض لاعتقال، وخرج منه بعد فترة زمنية، لا يمكنه بحال أن ينسى تلك التجربة، وقد يظل حبيسها لسنوات طويلة.
الصورة أعلاه. من ناحية أخرى، ليست دليلاً كاملاً ونهائياً على براءة أحمد السنوسي. فوجوده خارج السجن لا يعني أن ملفه لدى الأجهزة الأمنية أغلق إلى الأبد، بعد أن قرر مكتب النائب العام إطلاق سراحه.
الأجهزة الأمنية لها عقل خاص بها، وحسابات معقدة لا تنتهي. أحكام وقرارات البراءة أو الإفراج لا تعني لهم شيئاً. فهم معروف عنهم، أنهم في عقيدتهم الأمنية، يعاملون من أقاموا في ضيافتهم الكريهة، معاملة (المرأة الهجّاله) لا هي صبية محتفظة بعذريتها، ولا هي متزوجة محصنة. وبالتالي، لا بد من وضع العيون عليها ومراقبتها طوال الوقت، حتى لا يقع المحظور. ولذلك، تظل دوماً محط شكوك. وهذا يعني أن أحمد، وإن خرج من الاعتقال بأمر من النائب العام، فإنه لم يخرج من ملفات ومنظومات الأجهزة الأمنية، وسيظل تحت المراقبة الدائمة. وسيزورنه عديد المرات في بيته وفي مقر عمله. وهذا يفضي بنا إلى استنتاج مفاده أن أحمد السنوسي الذي عرفناه، سيحل محله شخص آخر بنفس الاسم والشكل ويختلف عنه. أي أن أحمد السنوسي بعد الاعتقال يحتمل أن يكون حذراً في برامجه التلفزية، ويحتمل أن يصبح متهوراً. وفي الحالتين ليس هو من كان.
الصورة أعلاه، رغم أنها أدخلت بهجة إلى قلوب آلاف الشرفاء من متابعي برامجه التلفزية، وحتى ممن لا يعرفونه ممن تعاطفوا معه، إلا أنها في الوقت ذاته كانت مصدر حزن للكثيرين أيضاً على بلد ووطن كُتب عليه أن يظل دوماً تحت أحذية العسكر والأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة.
إذ لولا التدافع من قبل الكتاب والصحفيين والمثقفين والمواطنين الشرفاء من أبناء هذا الوطن لما خرج الصحفي أحمد السنوسي من الاعتقال. وهذه حقيقة. ذلك التدافع والتلاحم الوطني أنذر مؤسسات حقوق الإنسان خارج البلاد بالحادثة، وزاد من الضغوطات على الجهات التي قامت بحجر حريته، فعجلت بتحويله لمكتب النائب العام.
الآن، وقد انتهت محنة فرد، أو مواطن، أو صحفي، تظل محنة حرية التعبير والكشف عن الفساد والمفسدين عالقة أمام أعيننا، تحدق فينا بعينين قويتين، ولا نستطيع حيالها فعل شيء عجزاً. والعجز أم كل المحن.
الصحفي أحمد السنوسي لم يكن أول من اختطف وغيّب في الغياهب، وكان محظوظاً لبقائه فترة قصيرة محجوراً على حريته، من قبل جهات، حسب علمي، لم تفصح عن نفسها، وتكاد تكون معروفة للجميع. وأحمد السنوسي لن يكون بالتأكيد الصحفي الأخير الذي يتعرض للخطف وحجر حريته.
نحن كلنا نقف في طابور طوييييل، في انتظار أن يحدث لنا مثل ما حدث للصحفي أحمد السنوسي وما حدث لغيره. وربي يحفظ الجميع. ونحن نعرف ذلك، وليس بمقدورنا فعل شيء، وعلى رأي المثل: «باش تنفخ النار يالشلم».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات