ثمة حكاية أشبه بالخرافة يذكرها الطبري في تاريخ الملوك، وابن سعد في الطبقات الكبرى، مفادها أن عبد مناف أنجبت زوجته توأمًا ملتصقًا من ناحية الجبين، هما هاشم جد الرسول وأمية جد أبي سفيان، وأنهم استخدموا السيف للفصل بينهما، وهي مبالغة الغرض منها تبيان حجم العداوة بين الشقيقين، ويبدو أن هذه الحكاية تمت صياغتها في عصر التدوين بتأثير من الإسرائيليات، ففي العهد القديم ترد قصة التنافس بين الشقيقين عيسو ويعقوب ابني إسحاق على البكورية، فقد طلب يعقوب الأصغر من عيسو أن يبيعه البكورية، مقابل خبز وطبيخ من العدس، فوافق عيسو على الفور، وعندما ولد التوأم عيسو ويعقوب، خرج عيسو أولًا من بطن أمه، وخرج بعده يعقوب وهو يمسك بعقب شقيقه لذلك سمي يعقوبا، وكانا يتشاجران وهما في رحم أمهما، ويدركان أن من يخرج أولًا ستكون له البكورية، وعلى الرغم من كل هذه المنافسة الضارية، يتنازل عيسو على البكورية مقابل وجبة من شوربة العدس، وفي قصة هاشم وأمية يستخدم السيف للفصل بين التوأم الملتصق، للتعبير عن العداوة المستحكمة بين الشقيقين التي سيكون السيف هو الحكم فيها، فمن الناحية العملية السكين والمدية هي الأنسب للفصل بين التوأم وليس السيف.
عندما يكبر هاشم وأمية تشتد بينهما المنافسة على زعامة قريش، ويصل الخلاف ذروته عندما يتنازعان خدمة الحجيج، ويلجآن لعراف من قضاعة للحكم بينهما، فيحكم العراف بنفي أمية إلى بلاد الشام عشر سنوات، وأن يتولى هاشم خدمة الحجيج.
في الشام حيث يموت أمية بائسًا ينجح أبناؤه في استثمار وجودهم في بلاد الشام، فقد كانت لقريش تجارة مع الشام في الصيف، وتجارة مع اليمن في الشتاء، وهكذا يتحول أبناء أمية لوكلاء لهذه التجارة، كما كانوا يرسلون قوافلهم مع تجار قريش إلى أسواق مكة وأسواق اليمن، ومن الشام عادوا بعد عشر سنوات إلى مكة وهم أكثر ثراء من الهاشميين، ولكن الأمويين لم يستطيعوا رغم ذلك انتزاع المكانة الدينية من الهاشميين، ولهذا كانوا الأشد عداوة للرسول عندما أعلن عن دعوته. في ذلك الوقت كان أبوسفيان يسيطر على تجارة قريش، وفي غزوة بدر كان قائد القافلة التي استهدفها المسلمون، ولم يشارك في تلك المعركة مفضلًا النجاة بالقافلة.
أبوسفيان نفسه يلخص تلك المنافسة عندما قال «أطعموا فأطعمنا حملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه».
ماذا كان شعور أبي سفيان والأمويين يوم فتح مكة، والرسول يجلس أمامهم ويسألهم ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال اذهبوا فأنتم الطلقاء. ما فعله الرسول غير معهود بين العرب، فالمهزوم إما يقتل أو يستعبد، بينما أصبحت كلمة «الطلقاء» مسبة تتعقب الأمويين أينما حلوا، ومع ذلك استخدم الرسول معاوية بن أبي سفيان في كتابة الرسائل وليس الوحي، وتزوج أخته أم حبيبة، وفي عهد عمر استخدم معاوية عاملًا على الشام، ومرة أخرى يستثمر الأمويون وجودهم في الشام مثلما استثمروه أيام جدهم أمية، وجاء عثمان فثبت معاوية في منصبه وأضاف له فلسطين والأردن، ولا ننسى أن عثمان ينحدر من نسل أمية، فعين ابن عمه وأخاه في الرضاعة عبدالله بن أبي سرح واليًا على مصر، وعين أقاربه من الأمويين ولاة على العراق وأجزاء من خرسان، وهكذا أصبح «الطلقاء» أكثر ثروة وسلطة من بني هاشم، وهي مفارقة نادرة في تاريخ العالم. المهزوم يوم فتح مكة يصبح أكثر قوة من المنتصر، بعد 24 سنة من وفاة الرسول وهو تاريخ مقتل عثمان.
الدماء التي سالت بعد فصل التوأم الملتصق، سالت مرة أخرى على قميص عثمان، ومنذ ذلك الوقت يرفع قميص عثمان في كل معركة سياسية في بلاد العرب، وترفع المصاحف على أسنة الرماح كلما طالب طرف بالتحكيم، كما رفعت بعد معركة صفين، ولكن لم يعد أحد يقول بعد انتصاره «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، فقد قتل بنوهاشم ممثلين في العباسيين جميع الأمويين الذين لم يتمكنوا من الفرار؛ بل نبشوا قبورهم وأحرقوا رفاتهم، وعندما وجدوا جثة أحد خلفاء بني أمية سليمة لم تتحلل صلبوها ثم أحرقوها وذروا رمادها في الهواء، وفي الوقت نفسه قتل العباسيون من بني هاشم الشيعة أكثر مما قتلوا من الأمويين، وفي تاريخ العرب الحديث قتل الشيوعيون البعثيين في العراق، وقتل البعثيون الشيوعيين؛ بل إن التوأم الملتصق، أقصد حزب البعث في سورية والعراق، فعلا فصلا بينهما بالسيف البتار، وهو السيف نفسه الذي فصل بين التوأم الملتصق في جنوب اليمن، وهو السيف نفسه الذي سيفصل بين التوأم الملتصق في السودان، والتوأم الملتصق في ليبيا، فعندما ينسد أفق السياسة فلا يمكننا تفسير الواقع إلا بالخرافة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات