كلمات مفتاحية:
في منتصف السبعينيات، أو بعدها بقليل، اقترح أحد رفاق تلك الفترة أن نسافر إلى اليابان؛ كان هذا الرفيق يتميز بتفكير عملي، خصوصاً في المجال الصناعي، وكانت حينها اليابان قد بدأت تسحب بساط التفوق الصناعي من أوروبا، وكانت صناعة النسيج مشروعة، فسافرنا إلى اليابان.
يوم وصولنا قضيناه بالفندق الفخم، الذي لم أر حينها مثله في حياتي، ففي بهوه جُمع هيكل سفينة كاملة! وداخل هذا الهيكل شُيِّدت مطاعم لكل أطباق العالم، مع حانات وصالونات، ومقاهٍ ومكتبات.. وباختصار شديد كل ما يريد الزائر أن يجده في مدينة ما. أما مفتاح الغرفة لا يُرجع للاستقبال، إلا وقت المغادرة، لأن رقم حجرتنا كان في خانة الألف الثاني! قضينا اليوم بطوله في مدينة باخرة الفنادق! وفي المساء عرفنا أن هناك مكاناً شبابياً صاخباً - كنا حينها شباباً- فلقد أفادنا موظف الاستقبال عندما سألناه أين نقضي مساءنا؟ فخيرنا ما بين مشاهدة مصارعة (السومو) حيث نشاهد «كتلتي» لحم وشحم، يزن كل منهما حوالي 200 كيلوغرام يلتحمان في صراع عجيب، أو نتجول في مركز (ياسو) التجاري أو نحجز مقعدين في مسرح (كابوكيزا) الفخم، فقاطعناه: «.. Dance & Girls» فصاح:
« أوووه.. (هاراجوكو)» فأجبناه: «أيوووه..» وكانت (الهرجة) هي أفضل ما يوصف به ذلك الشارع الطويل الصاخب. لا أحد فيه سوى شباب وصراخ ورقص على موسيقى بمختلف أنغامها وصخبها.
وعلى الرغم من التحرر الواضح للنساء، ما زال الرجل الياباني يقاوم الحرية التي نالتها المرأة في اليابان. التقاريرتقول: أنه لا توجد حرية للمرأة اليابانية، إلا في المدن الرئيسة. وفي هذا السياق، يورد أحد هذه التقارير قصة زوجين عاشا زمناً في أميركا، ثم عادا إلى اليابان، فضل الرجل أن ينام على الأرض مثلما تقضي العادات اليابانية، أما المرأة فقد فضلت الاستمرار في النوم على السرير. زارتها والدة الزوج، وشاهدت السرير، فسألتها: «لمن هذا السرير؟» فأجابتها أنه لها، فصرخت في وجهها: «أخرجي هذا السرير. لن تنام فتاة ما أعلى من ابني!» لا أحد، حتى كتابة هذا المقال، يعرف يقيناً هل السرير أخرج بالفعل، أم أنه ما زال في المنزل!؟
ومن الواضح أنه من غير المرجح أن نجد بسهولة أزواجاً يكافحون، اليوم، بجد لمعالجة مثل نظرة هذه الأم اليابانية المخالفة تماماً لما اتفق عليه ابنها وزوجته، على خلق نظام أسري جديد لبناء علاقات مبنية على مثل هذه المساواة. ونتيجة لذلك، نادراً ما نرى آباء ينفذون علاقات مع أنصافهم العائلية، وهم مقتنعون تماماً، بحياة بعيدة عن قناعة هذه العجوز اليابانية، التي يبدو أنها مقتنعة بالقيد الذي قرره لها والداها وهي طفلة، حتى إنه أصبحت لديها ضرورة حياتية، وصل ليكون «طبيعة ثانية»! فمن منا لا يعرف أن كثيرين يطبقون الحجاب تماماً في بلدانهم، ويتخلون عنه بمجرد أن تطأ أقدامهم أرضاً لا تعرف لا الحجاب ولا قوانينه، ولقد شاهدت أكثر من مرة شابات، في الغالب خليجيات، يقمن من مقاعدهن مباشرة نحو (تواليت) الطائرة، المتجهة للغرب، بمجرد أن يسمح لهن بفك الحزام، ويعدن إلى مقاعدهن سافرات تماماً، وبكامل زينتهن!
وليعذرني القارئ الكريم، لعدم معرفتي التامة للقيود الشرعية الحقيقية التي وضُعت على المرأة المسلمة، ولكنني لا أعتقد أنها مثل القيود المجحفة التي قرأتها في نص بالغ العنف ضد المرأة، في سفر التكوين، وبالتأكيد توالدت عنه نصوص عنيفة أخرى؛ يقول: «تكثيرا أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادا. وإلى راجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك..». ومن هذا النص تتوالد، في التوارة نصوص أخرى خاصة بالمرأة، ففي سفر (اللاويين) نص عن طبيعة الأنثى، يجعلها وكأنها لعنة، يقول: «وإذ حاضت المرأة، فسبعة أيام تكون في طمثها، وكل من يلمسها يكون نجساً إلى المساء، وكل ما تنام عليه في أثناء حيضها، أو تجلس عليه يكون نجساً وكل من يلمس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء، وكل من مس متاعاً تجلس عليه يغسل ثياب ويستحم بماء، ويكون نجساً إلى المساء، وكل من يلمس شيئاً موجودا على الفراش، أو على المتاع الذي تجلس عليه يكون نجساً إلى المساء". وفيما يخص الولادة يقول: «إذ حملت امرأة وولدت ذكراً تظل في حالة نجاسة سبعة أيام ... وتبقى ثلاثة وثلاثين يوماً أخرى إلى أن تطهر من نزيفها، ولا تلمس شيئا مقدسا، ولا تحضر إلى المقدس إلى أن تتم أيام تطهيرها. وإذا ولدت أنثى فإنها تظل في حالة نجاسة مدة أسبوعين وتبقى ستة وستين يوما أخرى حتى تتطهر.>>..
هناك الكثير من مثل هذه الأحكام، ولكنني لست بصدد مناقشتها، لأنني لست مؤهلاً لذلك، ولكن للعلم بها فقط، وهل هي وراء هذا البرزخ المتسبب فعلاً في الكثير من الأمور الحياتية؟ التي تعرقل مسيرة اللحاق بالعالم الذي، أصبح بوضوح يصنع كل شيء مادياً أو معنوياً، وأصبح جزء منه يسيطر تماماً على العالم كله. الذي أعرفه أننا، بل العالم الثالث كله، نجح باقتدار في أن يبعد نصفه تماماً عن مساعدته، في إيجاد سبل اللحاق بمسيرة البشرية؟ هل هي من أساسيات ديننا؟ وهل الكثير من هذه الخزعبلات أنزل الله بها من سلطان؟ أنا لا أعلم، وإن كنت أحاول منذ أيام (هاراجاكو) التي مضى عليها أكثر من نصف قرن!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات