Atwasat

من قراءات في عيادة الشمس العزيزة

محمد عقيلة العمامي الإثنين 12 فبراير 2024, 04:43 مساء
محمد عقيلة العمامي

ما كان يخطر على بالي أبداً أن أكتب مثل هذا الموضوع، بل ولأكون أكثر دقة، مواضيع هذا المقال! لأنني وبسبب رحيل طبيب أسنان ترك خلفه عيادة لأسرته لا تعرف عن الأسنان سوى (السوسة) التي رافقتنا منذ الطفولة. ولم يكن هناك مفر سوى تشغيلها. لذلك حاولت أن أعرف أكثر عن معدات وأدوية الأسنان، وباختصار كل ما له علاقة بهذا التخصص، فالعيادة يتعين أن تعمل، ولذلك معرفة احتياجاتها من أدوية ومعدات لتشغيلها أمر يحتاجه من يريد تولي إدارتها، وهكذا ظللت أقرأ وأبحث، وأنقل ما أجده لشقيق ابني الذي سيتولى إدارتها، فصادفني موضوع عن تسوس الأسنان، وبالطبع جيلي كله يعرف مغبة (السوسة) وكيف كنا أطفالا فقراء مشردين إلى حد كبير نتعامل معها بالكثير من الخزعبلات، والوصفات المتنوعة.

قسوة هذه (السوسة) اللعينة، دفعت صديق عزيز رحل عنا أخيرا، إلى خلع ضرسه بتلك التي لا أعرف اسمها باللغة العربية الفصحى؛ وهي التي نسميها (الكلاّب) أو باسمها الإيطالي (بينسا)! نعم بها خلع ضرسه، عندما هاجمته ذات ليلة، في رحلة ربيعية بعيدا عن أي مستشفى، ولعل من كان في تلك الرحلة مع المرحوم فوزي بن كاطو، قد شاهده وهو يخلع ذلك الضرس اللعين! ويعرض ما تعرض له بسببها.

المقال يعود تاريخه إلى سنة 1944، ويستهله كاتبه أن الدكتور (H. Trendly) عميد الصحة العامة في الولايات المتحدة الأميركية – سنة 1944!- يؤكد أن تسوس الأسنان مرض يعد من أكثر الأمراض انتشارا، وأن الإنسانية ما زالت تلهث وراء معرفة أسبابه، وأن أحد أباطرة الصين سنة 2700 جعل شعبه يقتنع بأن سببه الدود!، وحديثا ينسبونه إلى الجراثيم وأحماض الفم والوراثة، ولكنْ بُحاث معاصرون يرجعون أسبابه إلى الغذاء، أما هو فقد أرجعه إلى مادة (الفلورين) وهي أحد عناصر القشرة الأرضية! وأكد عالم معاصر له أن تسوس الأسنان يعد نادرا في قريته التي تشرب من ماء تكثر فيه مادة (الفلورين) وأيضا وفرة الجير والفسفور الذي تنتجه تلك الأرض المروية بذلك الماء الغني بالفلورين. والمقال بحث طويل، وبالتأكيد أطباء الأسنان يعرفون هذه المعلومة، التي لا أعرفها من قبل!

ومقال قادني إلى مقال كتب في السنة نفسها - شهر مايو 1944 - إلى قصة حقيقية حدثت في ليبيا، في مدينة طبرق تحديدا، خلال المعارك الحربية التي جرت هناك خلال الحرب العالمية الثانية، التي وصفها المقال بأنها كانت أشبه بـ (حركة المنشار) متصلة ما بين الإنجليز والألمان فالمدينة تظل تارة تحت سيطرة الإنجليز وسريعا ما يسترجعها الألمان وهكذا استمر الحال حتى نهاية الحرب. ويقول شاهد عيان إنه بعدما استولى الألمان على المدينة، وقف رومل أمام مستشفى طبرق، الذي كان حينها يعمل تحت إدارة الإنجليز، وظل يشاهد حمالي نقالات النازيين من جرحى إلى هذا المستشفى الذي كان يستقبل المصابين من الإنجليز أيضا! وأخذ يقترب من المصابين الألمان ويسألهم باقتضاب، وهكذا إلى أن وصل إلى الطبيب الإنجليزي، وقال له: «أخبرني جنودنا أن علاجهم لا يختلف عن علاج جرحاكم، وأن أدويتكم آخذة في النقصان، ومع ذلك ينالون أدويتهم بنصيب عادل. استمروا، تابعوا عملكم وسوف يصلكم مدد من الأدوية! ولم يتعرض أحد للمستشفى، ولكن لم يطل الحال كثيرا حتى استعاد الإنجليز مدينة طبرق، واستمر الحال على ما هو عليه لا أحد تعرض للمستشفى!. ولعل ذلك هو ما كان سببا في اعتراض مدمرة بريطانية لسفينة إيطالية، وأعادوها إلى ميناء بنزرت، بتونس، ولما فتشوها، لم يجدوا بها سوى جرحى، فاعتذر لهم القائد البريطاني، وأذن لهم بالرحيل في الحال. الأساس، إذن، الإنسانية والنصر في الغالب لها.