في حفل تأبينك يا صديقي أستجمع قواي وذاكرتي المليئة بتفاصيل صداقتنا العريقة.
عند الفجر وصلتني رسالة من أحد الأقارب يقيم بمدينة بروكسل في بلجيكا، في البداية لم أفهم كنهها، وبعد قليل وضحت لي، تضمنت تعزية في صديقي المقرب، وزميلي الراحل الدكتور/ مالك أبوشهيوة – رحمة الله عليه – كان خبر الوفاة صدمة لي، خاصة أنني تحدثت إليه منذ ثلاثة أشهر، فكلما اتصلت به وسألته عن صحته يجيب كالعادة (متريح على كريولتي) في المرة الأخيرة أضاف:
- قد أجريتُ فحوصات في القاهرة، والأمور مستقرة.. بهذا اطمأن قلبي عليه.
أعرف جيداً أن صاحبي شديد الخصوصية والتكتم في مسألة صحته، حتى بالنسبة لنا نحن أصدقاءه المقربين.
مالك أبوشهيوة لمن لا يعرفه ولم يرافقه، ينتمي إلى منطقة قصر بن غشير، من عشيرة الشهيوات المعروفة، التي يعمل سكانها بالزراعة والتجارة، قبل أن تدخل المدارس المنطقة.. درس مثله مثل الجيل الجديد في مدارس الاستقلال، ثم سافر إلى القاهرة حيث التقيته هناك منتصف السبعينيات، إذ سنقضي معاً ثلاث سنوات للدراسة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ثم أتم دراسة الماجستير في العلوم السياسية، كانت رسالته في موضع ذي أهمية كبرى في التاريخ السياسي الليبي بعنوان (النظام السياسي في دولة الاستقلال) أو المملكة الليبية المتحدة، التي سميت بالمملكة الليبية بعد سنة 1963م.
تعد رسالة أبوشهيوة من أفضل الدراسات عن العهد الملكي، من حيث أصوله ومؤسساته الحديثة، وأزماته التي أدت إلى تغيير النظام السياسي في ليبيا سنة 1969م.
وهذه الدراسة، دراسة رصينة غير مؤدلجة، كما هو الحال بالنسبة لعدة دراسات أخرى تطرقت إلى العهد الملكي، خاصة أثناء نظام سبتمبر، حيث كرست بعض الدراسات للخطاب الإقصائي، وعدم توضيح الصورة الحقيقية للنظام السياسي في العهد الملكي، وهنا لا بد أن يتم فهم تناول الأنظمة في هذا السياق التاريخي، وتصحيح الخطاب التعليمي والأيديولوجي للتاريخ، خاصة بعد 2011م.
كنت دائماً أحدثه وأصر عليه بنشر رسالته من جديد، لكونها تقدم معرفة أكاديمية أصيلة عن فترة تاريخية لم تنل الاهتمام والتمحيص العلمي من قبل الدارسين الليبيين، كما أنها تعد مرجعاً علمياً للبحث في النظام السياسي في العهد الملكي في ليبيا، فهي بحق إنجاز علمي، يستحق التقدير والإشادة.
دكتور مالك أبوشهيوة، تعلم مثلي وأجيال بعد الاستقلال في فترة بناء وتحديث مستمر لنا، وذلك بتنشئتنا على قدر كبير من الجودة والكفاءة، مما انعكس على دراستنا في مصر بالتميز والتفوق، حيث استطعنا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الحصول على درجات عالية من الاستيعاب والتحصيل العلمي المميز.
تلك الأجيال المميزة مثل علي محمد شمبش، وزاهي المغيربي، ومالك أبوشهيوة وعمر العفاس، وجاء بعدهم محمود جبريل، ومحمود خلف، والمرحوم محمد الفقيه صالح ومصطفى خشيم ومصباح اللافي وفدوى بويصير وإيمان السنوسي وجمال حميده ومحمد عبد العزيز وغيرهم كثيرون.
تميز دكتور مالك بالجدية العلمية، وتلبسته الروح الليبية السمحة من العفة والكرم والأسارير المنبسطة وأناقة الهندام.
زرته عديد المرات في بيت عائلته بقصر بن غشير، كما زرته في بيته الخاص بحي الأندلس، وتعرفت على عائلته الكريمة، وسنح لي الوقت أن أقمت عنده مرات عدة، تعرفت فيها على نبل أخلاقه ورقيه.
سافر أبوشهيوة إلى الولايات المتحدة الأميركية لنيل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، مما أتاح لي الفرصة للتواصل معه ثانية، حيث درس اللغة في مدينة توسان بولاية أريزونا، والتحقت أنا بالدراسة أيضا في الولايات المتحدة، وطلب مني أن أدرس اللغة معه في المدينة نفسها، لكنني أجبته بأنني جنوبي، وقلت له:
- يا مالك أنا من فزان من الجنوب الصحراوي الذي يشبه أريزونا، لذلك أريد أن أدرس في منطقة مختلفة، ذات طقس مغاير لطقس منطقتي.
ثم التحق مالك ومحمود خلف لدراسة الدكتوراه بجامعة مرموقة جنوب كاليفورنيا، في مدينة لوس أنجلوس، ذات المناخ المتوسطي الجميل، الذي يشبه عاصمتنا طرابلس، على الرغم من أنها تكبرها حجماً خمس مرات، زرته هناك من مكان دراستي في مدينة سياتل الممطرة الخضراء أكثر من مرة.
سأذيع هنا سراً للمرة الأولى وهو أن موضوع رسالة دكتور مالك كان عن (النظام السياسي بعد 1969م، وإشكالية حقوق الإنسان) وهذا ليس بغريب عن دكتور مالك صاحب الفكر المستقل والرأي الشجاع في فترة مرجعيتها الرأي الواحد والأقرب للوجهة الواحدة، وإنكار شرعية الاختلاف في الرأي، إبان فترة سبتمبر، خاصة بعد سنة 1977م، إذ اضطر مالك قبل عودته لإخفاء رسالته المتميزة بالنقد العلمي، معي ومع صديقين آخرين، ولم يقم بنشرها إلا بعد 2011م، عن طريق دار الرواد للنشر والطباعة لصاحبها السيد سالم سعدون بطيخ.
عاد صاحبي وصديقي دكتور مالك إلى أرض الوطن ليعمل بالتدريس المستقل في جامعة الفاتح سابقاً، وواجه مثل غيره من الأكاديميين الليبيين المستقلين محاولات الضغط من قبل عناصر النظام السابق واللجان الثورية، مما اضطره للمجاملة والمسايرة لأكل العيش، وإصلاح ما يمكن إصلاحه، كان مع قلة من أمثاله يصرون على المضي في العملية التعليمية، وتنوير طلبتهم، مما جعله يدفع ثمناً باهظاً من صحته النفسية والبدنية، وذلك لغياب الحريات الأكاديمية والمنطقية في البحث العلمي، الذي آل إلى انعدام الجودة العلمية، ولعدم وجود مؤسسات وقانون للجامعات والأساتذة، ناهيك عن إعطاء طلبة محسوبين على النظام مناصب رئاسية في الجامعات وتسييرها، مما دفع بالدكتور مالك وبعض أساتذة الجامعة للاستقلالية الفكرية والثقافية، واستمرارهم في القراءة والتدريس والبقاء.
بدأ دكتور مالك أبوشهيوة في التعاون العلمي مع الدكتور المتميز محمود خلف في ترجمة بعض الكتب المهمة والدراسات الأنجلوسكسونية، مثل أنتوني جدين وسام هنتجتون، فالترجمة في بلد مثل ليبيا هي أساساً لغياب المراجع باللغة العربية، لذلك واجه تحدياً لبناء وتأسيس علم جديد مثل علم السياسة في جامعات حديثة، كالجامعات الليبية التي لم يتعدَ عمرها ستين عاماً.
تواصلت بشكل مستمر ودائم مع الدكتور مالك، وكنا نعيد سيرة الماضي، ويأكلنا الندم على عديد الفرص الضائعة للإصلاح التي لم نستثمرها، كان في واجهة الأحداث سنة 2011م يحذوه الأمل وتنبض الحياة في عروقه، ونظم مع بعض الزملاء والزميلات مؤتمراً مهماً في ديسمبر بعنوان (نحو جمهورية ديمقراطية مدنية جديدة) فاتصل بي حين قرر عقد المؤتمر، مما دعاني إلى الحضور وتقديم ورقة عمل بعنوان (لماذا وكيف نفكر في المصالحة الوطنية)، ولكن بعد قيام الحرب الأهلية في ليبيا وتغول الجماعات المسلحة والتدخل الخارجي مما أدى لسرقة إرادة الشعب والجهود الرامية لترميم الوطن من الداخل والخارج، أحبطت نفسية الدكتور مالك، وصار متشائماً من جديد، لكنه قرر الاستمرار ورفض الصمت، وظل يكتب في صفحته على «فيسبوك» عن العفن المستشري، والفساد الظاهر، ويؤكد على الاستمرار لاستعادة الوطن والنهوض به، وبناء دولة المؤسسات التي تمنح الاحترام للجميع، ظل الدكتور مالك يقاوم بهدوء ويكتب بشجاعة حتى وافته المنية، رحمة الله عليه.
رحل صاحبي ورفيقي واقفاً
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات