Atwasat

الفلسفة في بنغازي (8 - 8)

سالم الكبتي الأربعاء 06 ديسمبر 2023, 01:11 مساء
سالم الكبتي

ومع مضي الأيام تبدلت وتغيرت الأمور. لم يعد الأمر في الفلسفة كما كان. تفرق الطلبة بين هنا وهناك. وجدوا أنفسهم في براحات أخرى. وبو دبوس التلميذ الأثير مضى من مدرج رفيق إلى المدرج الأخضر. تنظيرات ووجهات في التفسير غير الفلسفة المعتادة. اختير وزيرا للإعلام الثوري ذات مرة. لم تلتق الفلسفة أيضا مع ذلك الإعلام. سخر من برنامج يقدم عن التراث الشعبي فمضى مرة أخرى بعيدا عن الوزارة. وفي المدرج الأخضر وجد نفسه عن رضى كامل مع مفسرين للنظرية الخضراء والشروح والمجتمع السعيد المنتظر الذي لم يتحقق. متاهة ضيع فيها بو دبوس نفسه وفلسفته. الوجودية والمنفى والتمرد صارت كلها خضراء. وكان ذلك اللون يصر على أن يعم العالم كله. فماذا تجدي الفلسفة أمام هذه السيول الهادرة والمتدفقة؟

وأستاذه بدوي ظل تحت المنظار والترصد. كان له حوار صحفي وحيد في جريدة الحقيقة عام 1969 أجراه معه الصحفي بكر عويضة هاجم فيه سارتر والوجودية وأشياء كثيرة. وفي أبريل 1970 وصل إلى كلية الآداب المستشرق الفرنسي جاك بيرك المولود في الجزائر وصديق بدوي والمتابع لشؤون العرب والمسلمين.

وضع عنهم كتبا ليس آخرها العرب من الأمس إلى الغد. ظلت الجزائر ونيران الاستيطان ولهب الاستعمار في أعماقه. ألقى محاضرة عن هذه الموضوعات ومعايشته لها وللتراث الإسلامي في مدرج رفيق. قدمه بدوي وأثنى عليه وعلق مع المعلقين عن شجون المحاضرة. وذات مرة بعيدة انبهر طلابه كما انبهر الكثيرون ببرنامج نجوم على الأرض والحوار مع قدوته الأثيرة طه حسين. كان يقدم في التلفزيون من قبل ليلى رستم المذيعة المصرية التي استقرت في بيروت بعد 1967. ابنة عم الممثل الشهير زكي رستم. الحوار دام أكثر من ساعتين وكان بدوي يصول ثم يجول ويناقش مع العميد.

وكان معه أيضا تلميذه أنيس منصور ويوسف السباعي ونجيب محفوظ.... وغيرهم. كان بدوي أيضا منذ البداية قد سلب عقله البصير الكفيف. واستقر في جوف هواه منذ مستقبل الثقافة في مصر وما قبلها وبعدها. في عام 1962 أشرف بدوي على إعداد مجموعة من الدراسات المهداة إلى طه حسين في عيد ميلاده السبعين نشرتها في كتاب دار المعارف بمصر واحتوت على تقديم وتعريف وإشادة بالعميد من بدوي الذي ابتهج بزمانه الوجودي وقال بأنه الآن أصبح لدينا في مصر فيلسوفٌ. شملت الدراسات مشاركات لحسن حسني عبد الوهاب ومحمد عزيز الحبابي وشارل بلا وهنري ماسيه ومحمد عبد الهادي شعيرة وشوقي ضيف وعبد القادر القط وعبد الرحمن بدوي نفسه وغيرهم من مشاركات غير عربية.

لم تتجه الدراسات المذكورة نحو فكر طه حسين لكنها عالجت قضايا ومفاهيم أخرى مثل.. رواة اللغة والأدب في العصر العربي الأول وابن قتيبة والثقافة العربية والمثل العليا في شعر الفروسية الجاهلية والحملة الفرنسية في رواية أحد المعاصرين والمرابطون في الثغور البرية العربية الرومية وحازم القرطاجني ونظريات أرسطو في البلاغة والشعر وغيرها العديد. كان بدوي مفعما بالانبهار بالعميد القادم منذ زمن من عزبة الكيلو في مغاغه في الصعيد الجواني. وفي تقديمه وصفه بأنه: (العلم الشامخ في الأدب المعاصر ورائد النزعة الإنسانية في الفكر العربي الحديث والأديب الذي فتح للأدب العربي آفاقا عالمية والمفكر الحر الذي ناضل بقلمه وعلمه وعمله.. إلخ) ثم خلص إلى أنه أصبح الموقظ للعقل العربي.

ولعل بدوي كان يترسم خطى العميد ويقتفي آثار قدميه في حياته الفلسفية والعلمية. ومن خلال صفحات سيرته الذاتية التي يبدو فيها بدوي متبرما وضائق الحال من صورته المثبتة على الغلاف لم يثن على الكثيرين ممن عرفهم. لعن وشتم أطيافا سياسية وعلمية وأدبية واجتماعية في مصر وخارجها بينما كانت الإشادة والثناء واضحين للعميد وللشيخ مصطفى عبد الرازق وعندنا في ليبيا أشاد بثلاثة كانوا يستحقون ذلك تماما.. عبد المولى دغمان رئيس الجامعة الليبية والشيخ علي يحي معمر من أبرز شيوخ الإباضية والمهتمين بتحقيق تاريخها وأعلامها وتراثها الكبير في المنطقة وعمرو النامي الأستاذ تلك الأيام بكلية الآداب، الذي حقق العديد من الأعمال المتصلة بالفكر الإباضي.

لاحظت شخصيا ذلك التقدير من بدوي للنامي الذي كنت أزوره في بعض العشايا في شقته وكان بدوي جارا له. كان يأتي إلى الشقة ويجلس في الصالون وكنت أستمع إلى نقاشهما وحوارهما العلمي الرائع رغم الاختلاف في الرؤيا والمنهج عندهما. كان النامي محل اهتمام من بدوي. وقد جمعتني لجنة جمع التراث مع د. النامي وكان قسم الفلسفة الذي يرأسه بدوي مجاورا للجنة وكان كما ذكرت يأتي للجنة ويبدي اهتمامه بتراثنا الشعبي وأغانينا وحبه للشاي الأخضر.

تألم بدوي كثيرا من الضيم غير المبرر الذي أحاط به عندما اعتقل في سجن الكويفية لعدة أيام قاربت العشرين يوما بحجة إعلان الثورة الثقافية وتطهير ليبيا من المرضى. اعتبر بدوي الضيف والأستاذ والفيلسوف مريضا مثل الليبيين الذين نالهم عسف التطهير والرمي في السجون. الثقافة كانت مشكلة عويصة للسلطة التي فرحت بتقرير الوشاية من طالب في حق أستاذه د. بدوي كان ذلك عملا مشينا وسيئا يشوه العلم وعلاقة الأستاذ بالطالب. لكنها الفلسفة الجديدة التي جعلت الطالب يكتب التقارير ويضرب أستاذه بالفلقة ويعلق زملاءه على أعواد المشنقة في رحاب الجامعة. الزعماء ورواد الفكر يدخلون الجامعات وهم يحنون رؤوسهم للعلم وحرية البحث.

واحترام العلماء وصون كرامتهم. أذكر أنه في حفل وضع حجر الأساس للمدينة الجامعية في بنغازي يوم السادس من أكتوبر 1968 الذي قام به الملك إدريس مؤسس الجامعة الليبية في الأصل عام 1955.. وكان بدوي وأساتذة الجامعة والعاملون بها والضيوف في مقدمة من حضروا. أذكر أنه كان في الغالب يصافح مسؤولي الدولة وهو جالس وعندما أقبل رئيس الجامعة الأستاذ دغمان لتحيته والسلام عليه نهض الملك احتراما وتبجيلا للجامعة ودورها وأساتذتها ممثلة في رئيسها الذي يصغر الملك بعقود طويلة من الأعوام!

كان بدوي في السجن وحيدا ينتظر أن يقال عنه شيء في الإذاعات الأجنبية. الصديق بلقاسم بن دادو كبير المذيعين في الإذاعة الليبية والذي طاله جدار السجن مع غيره من المثقفين وأحد أصدقاء بدوي الأثيرين في بنغازي ذكر لي بأن بدوي كان يستفسر ويسأله.. هل ثمة إذاعة خاصة لندن تحدثت عما وقع لي وهل ذكرت بأنني في السجن ببنغازي. وحين أجبته بالنفي زاد حزنه وتألمه. العالم مشغول بمصالحه وارتباطاته الخاصة ولا يهتم بالمفكرين والفلاسفة. خرج بدوي من السجن بعد وساطات من السادات نفسه. كان الضباط الأحرار في مصر يتابعون مؤلفاته ويعجبون بها.

أطلق سراحه وجال في جامعات الكويت وطهران وباريس إلى وفاته في 23 يوليو 2002. كانت قد حلت خمسينية الثورة في مصر التي تشابك معها وصادرت فدادين العائلة.

في آخر لقاء له عبر التلفزيون حاورته سناء منصور وكان يرتدي بجامة النوم ويجلس على كرسي متحرك وبان عليه الضعف والتعب. كان قد أنجز كتبا مهمة عن الإسلام والنبي محمد عليه السلام. لكن الرحيل الأكبر بعد رحيله الأصغر في العواصم والبلدان أصبح أمرا مفروغا منه مثل كل البشر. الموت حار فيه الفلاسفة لكنهم ظلوا يموتون بلا توقف مثل كل البشر والناس. لعل الفلسفة تموت في العالم الآن. العالم البريطاني ستيفن هوكينغ أعلن وفقا للمصادر عام 2010. موت الفلسفة دون عودة.
فهل ذلك سيكون حقا. رغم سبينوزا وماركس وهيجل وشوبنهاور وسارتر.. وعبد الرحمن بدوي.. وسواهم. هل أهيل التراب على أضرحة الفلسفة والفلاسفة إلى الابد!؟.