Atwasat

الفلسفة في بنغازي (3)

سالم الكبتي الأربعاء 01 نوفمبر 2023, 05:30 مساء
سالم الكبتي

ظلت بنغازي كما هو حالها عطشى للفلسفة على الدوام. وظلت أصوات الفلسفة تتردد خلالها. ومع هذا العطش بدأ واستمر نشاط بدوي بلا انقطاع. الفلسفة مع إيقاعات شادي الجبل وأصداء سميرة توفيق وسهرات أم كلثوم في الليالي وعبر الراديو والاسطوانات وأجهزة التسجيل ثم جهاز التلفاز الذي انطلق بثه في زوايا المدينة بعد عام من وصول ذلك الفيلسوف المتوحد.

ومن عجب أن الكثيرين من غير الليبيين تلك الأيام رأوا في شادي الجبل أو السيد بومدين كما يعرفه أهل بنغازي فنانا يطرب الأسماع وإن اختلفت الأذواق الجديدة والمتطورة مع قاموسه.. لقد تفاعل هنا هؤلاء القادمون مع صوته وإيقاعاته وكلماته. ويكادون أجمعوا في الاتفاق دون أن يدروا على أغنية شهيرة هي: أنريد نرسلك يا روح للي غالي.. تشيلي سلامي وأشرحيله حالي. كلمات ومقاطع هي من صميم التراث الشعبي الليبي نظمها ذلك الشادي ونحتها بقلبه من تجربته دون فلسفة أو سفسطة.

كلمات ومعان أقرب إلى أن تفهم من الليبيين على اختلاف مستوياتهم والتي تحرك شغاف قلوبهم. فكيف بأولئك الفلاسفة والأساتذة والمثقفون القادمون من بلاد أخرى. يسمعون الأغنية عبر الإذاعة ويحكون عنها ويسألون عن معانيها ويعيشون لحظات انسجام معها وكأنهم ليبيون بالضبط. اتفق هنا في الإعجاب بهذه الأغنية دون أن يعلم بذلك ناظمها ومطربها. لم يناقشه أحد بشأنها. لم يسأله منهم أحد عن أسبابها وحكاياتها التي تنمو وراء أطيافها. الفيلسوف بدوي رأى فيها أثناء الحديث عنها بأن ثمة رؤية وجودية وفلسفية فيها. الروح تمتزج بالخطاب والفلسفة وتتداعى مع جوها وحنينها الإنساني. الفن يكمل الفلسفة. والفلسفة رؤية تخدم الفن وتعشقه.

رأى بدوي بمنظار الفيلسوف الأغنية وكأنها مادة تتفاعل كيمياؤها مع الفن والإيقاع. يقول ويردد.. دي فيها فلسفة وجمال. إرسال للروح ومعها سلام وسكينة وشرح للحال. كما لو أن الأغنية قضية في الفلسفة أو المنطق وما سواهما. وأيضا.. دي فيها شيء يأسر القلب عندما يتغير الإيقاع ويضحى سريعا. نحن نقول عنه البرول. باب آخر يفتحه المغني الفيلسوف دون أن يشعر بأنه فيلسوف أو يستهويه أساتذة الفلسفة والجامعات.. يا روح امشي قوليلا.. فايت جيله.. مشتاق الخاطر لزويله. الفيلسوف يفلسف الأغنية ويفهمها وفق هواه ويرتاح إليها..

وذلك شيء عجيب أن يلتقط الأستاذ المهيب والفيلسوف المفكر هذه الأغنية فقط من آلاف الأغاني الليبية وينصرف إليها بكل حواسه معها عندما يعود إلى شقته القريبة من الجامعة وحيدا سوى من رائحة الفلسفة التي تعبق زواياها وأركانها. ونفس الشيء يغمره الحماس الإنساني والانجذاب إلى أغاني سمراء البادية وأغانيها وإيقاعاتها.. بالله تصبوا ها القهوة. حبي رحل يوم الأحد وأنا راح يوم التنين. ويش ها الغزال اللي رايحين تصيدونه.

ويا عبد الفتاح طاح العنب طاح. وغيرها. يسمع الفيلسوف وينسجم في جانبه الإنساني البعيد عن طلبته ومدرجات الكلية والمناقشات الجافة والأسئلة ومحاضر الكلية. الفيلسوف إنسان قد يضعف أمام أبسط المشاعر. تنهار الفلسفة. وتتضح معاني علم الجمال بارزة من خلال هذه الإيقاعات. ثم في الليالي أو في لحظات الأصيل.. الأطلال وأنت عمري وعلى بلدي المحبوب وهذه ليلتي. كان الفيلسوف الأستاذ يناقش هذه الأمور وهو يتأبط صحف القاهرة التي يشتريها أسبوعيا دفعة واحدة من كشك مسعود أمام مبنى الإدارة العامة الذي كان سابقا برلمان البلاد.

كان النقاش ليس مع الطلبة فثمة حدود ولكن مع موظفين يأنس إليهم ويباسطهم الحديث وأحيانا يفضفض بإسراره العميقة. ويروي لهم ما في جعبته من نكات (تحت السره). ثم يتحلق بعضهم حول زميل تزوج منذ أيام ليعطيه من اللعنات.. إيه ياواد أنت وحش خالص. عملت في نفسك أيه. ليه تجوزت!.
ذلك الوجه الآخر للفيلسوف المتوحد في جانبه وأطيافه وراء الأسوار والقيود الجامعية. سخرية وحدة والتزام في ذات الوقت بالصرامة والمنهجية. والأغنية أيضا التي أرسلها شادي الجبل إلى من يهوى ظلت محل إعجاب من الشاعر والأستاذ باقر سماكه القادم من الحلة بالعراق ليدرس الأدب الأندلسي في بنغازي وتحدث عنها كثيرا وأعجب بها. ثم ذلك المحامي العريق في المدينة جورج الخوري الذي ترجم بعض وقائع محكمة عمر المختار أثناء انعقادها بين رئيسها والأسير. عندما تلتقيه الإذاعة وأسرته في برامج خاصة تستهدف حوارات مع المستمعين كان وزوجته يطلبون هذه الأغنية.. انريد نرسلك. الشعر والفلسفة والقانون التقت في الروح والأغنية وشادي الجبل دون أن يدري شادي الجبل بما يحدث حول إبداعه وفنه.
حين وصل بدوي إلى بنغازي وأنهى الإجراءات الإدارية للشروع في مهامه العلمية مضى نحو ذلك الضريح الذي يحوي المختار الشهيد. قام بزيارته ودون كلمة في سجل الزيارات. وتزامن الوصول أيضا مع أصداء معركة فكرية دارت عبر صحيفة الحقيقة وصحف أخرى في طرابلس وبنغازي ومنابر مساجدهما حول الرمز في القرآن الدراسة التي أعدها الصادق النيهوم وجاسر بنشرها ثم توقفت عند الحلقة السابعة. لم يكفره أحد لم يطالب بشنقه أحد. لم يمنع من الكتابة. لم يصادر جواز سفره. النقاش بالنقاش والحوار بالحوار.

تلك أجواء بنغازي الفكرية والفنية والثقافية والإنسانية كما في ليبيا جميعا حين وصل الفيلسوف إليها ليصير قطعة من جامعتها وتفخر به وبوجوده فيها. ذلك المتهم بالانعزالية والإلحاد والوجودية وغيرها من كلمات. لكن لم يحذفه أحد بالحجارة ولم يطالب الدولة بترحيله تلك الأيام أو إنهاء عقده. الجامعة كانت ملاذا للمطاريد في أوطانهم الأصلية.

وفي سبتمبر مع وصول بدوي أيضا حل ببنغازي الصحفي والكاتب سميرعطالله. قدم من بيروت إليها مباشرة. الكلمة والفلسفة في بنغازي مدينة السباخ والملح. اتجه بدوره إلى البركة حيث صحيفة الحقيقة في شارع الصحافة. أسهم في إصدار ذي ليبيان تايمز بالإنجليزية وكان مساعدا في تحريرها مع رشاد الهوني. صحيفتان في بنغازي واحدة عربية وأخرى انجليزية. الرأي والحوار.

بنغازي تستقبل الرواد وتحتفي بهم. تبتهج بالكلمة والشعر والفلسفة والعلم. يملأونها إلى حافتها معرفة وتنويرا ويغدقون عليها محبة وألفة. الفلسفة في الجامعة والكلمة في الحقيقة مع كل الأماكن في المدينة. أندية ومراكز ثقافية ومقاهٍ وجلسات عامرة باللقاءات الدافئة. لم تكن بنغازي وليبيا كلها بيئة طاردة أو متوحشة. كانت حاضنة للجميع وعنوانا للقبول والعقول والمعرفة.

ظل سمير حوالي ستة أشهر من سبتمبر 1967 إلى مارس 1968. حرر بابا أسبوعيا عنوانه (كلمات على الماء) وبعد مغادرته بنغازي باشر الكتابة عبره بهذا الاسم بفترة معينة رئيس الوزراء عبد الحميد البكوش المحامي والشاعر في الأصل والمتنور والذي حاور طلبة الجامعة وأساتذتها بلا انقطاع.. كان البكوش يكتب باسم مستعار هو أبوالوليد الذي تعود أن يكتب به أشعاره وأغانيه في فترة سابقة!

الفلسفة في بنغازي قبل أن تداهمها السفسطة.. وعلم التفسير.. والنظريات الجديدة التي أرسلت بدوي إلى السجن ثم أخرجته إلى القاهرة من جديد. صارت الفلسفة شيئا خاليا من الحياة وإيقاعها.. وإيقاع الألحان والأغاني. المشانق في الجامعة أضحت فلسفة أخرى في عز النهار.