Atwasat

الهالة المرعبة هددت عينيَّ

محمد عقيلة العمامي الإثنين 16 أكتوبر 2023, 02:23 مساء
محمد عقيلة العمامي

في مطلع سبعينات القرن الماضي، عاصر جيلي اهتماما حقيقيا بالغناء الشعبي الليبي، من بعد أن كان مقتصرا على الأعراس. في الحقيقة، إن الأغنية الليبية تطورت بالفعل بعد أغنية «طيرين في عش الوفاء» التي أذيعت سنة 1964، وتغني بها محمد صدقي، ولحنها يوسف العالم، وكتب كلماتها عبد السلام قادربوه، رحم الله ثلاثتهم.

بعدها، لم تعد الأغنية الليبية الشعبية مجرد كلمات عن الحرمان والعشق، ثم تختتم بـ «برول» غالبا ما يكون بإيقاعٍ سريعٍ يتوافق مع الرقص. فقد حدث تطور لافت للنظر من حيث الكلمات، وأيضا الألحان. ولم يعد الشاب يخجل من الغناء، الذي كان قبل ذلك يكاد يقتصر على أسماء بعينها. أنا بالطبع أتحدث عما عاصرته في بنغازي خلال ستينيات القرن الماضي.

أما في مطلع السبعينيات فكان العديد من زملائي طلاب الجامعة الليبية يتغنون بالأغنية الشعبية بإتقان، سواء في حفلات الجامعة أو رحلاتها، ومنْ منا لا يذكر من جيلي الطرب البديع لزميلنا متعدد المواهب الرياضي الشهير إبراهيم البقرماوي، الذي لم يغب عن نشاطه الرياضي، ولا عن اجتهاده وتفوقه الدراسي، وفوق ذلك تفننه في الغناء الشعبي خلال رحلات الجامعة الموسمية.

ذات ليلة كانت هناك جلسة فنية تسيدها المرحوم حسن بشون، والرياضي الفنان الذي يجيد الطرب أيضا عبد الجليل الحشاني، وهو أيضا من رفاق الجامعة. تلك الليلة غنى حسن، رحمه الله، موالا بديعا، والمرحوم حسن كان من أفضل منْ يغنون الموال، فمَنْ من جيلي لا يذكر الموال الذي أول ما غناه أبكى الحاضرين، لأنهم كانوا يعرفون أنه غناه «فاهق» - في حينه - عن أخيه الشاب الذي توفاه الله في بحر الشابي، والذي يقول فيه: «غدار هالبحر غدار.. ما يفاجيك إلا بالقهاير..». أما الموال الذي أريد أن أحدثكم عنه فهو أيضا تغنى به حسن بشون، ويقول فيه: "عديت هالعمر عديت وما خفت لو يلحقوني.. أما اليوم بعد ما كبرت وحنيت، وقلّ الشبح عن عيوني.. نا ما نسيتهم، وهم نسيوني»، ويلحقه في الغالب بأغنية تتحدث عن معاناة العمر.

حسنا أنا قصصت عليكم الفقرة السابقة، لأنني عشت تجربة مرعبة طول أسبوعين!، وسببها العيون. صحيح أن العيون كانت زمان تسبب لي مشاكل، ولكن في الغالب ليست مؤلمة، وإنما مبهجة وللغاية!، ولكن هذه المرة المشكلة في عيوني أنا، وليست عيون الشاعر جرير التي قال عنها «إن العُيونَ الَّتي في طَرفِها حَوَرٌ قَتَلنَنا ثُمَّ لَم يُحيِينَ قَتلانا»، وليست العيون التي قال عنها الدكتور (باقر سماكة) ذات مرة في مدرج رفيق، بعد أن جلست فتاة، كنا نعرف نحن شباب ذلك الزمن الجميل كم كانت عيناها جميلتين، في الصف الأول أمامه مباشرة، والتقت عيناه بعينيها، فصمت. وبعد أن تأهب ليقول قصيدته، صمت، ونقر المنضدة، ثم تبسم ونظر متبسما إلى الحضور المتأهبين لسماع قصيدته، وقال بيتا عرفنا فيما بعد أنه وليد اللحظة: «إن العيون إذا تكلم صمتها .. خرست لديها ألسن الفصحاء».

مثل هذه العيون، وأيضا عيون جرير، هي التي تسبب المشاكل للرجال، ولكن في نهاية المطاف تسبب هذه العيون التي «يتكلم صمتها» عقابا لنا، لأننا نتلصص عليها، بنية حسنة أو غيرها!.

منذ نحو شهر تقريبا، ذهبت إلى طبيبة عيون فاضلة من جيل بنغازي الجديد المتميزات في تخصصهن، وكانت غايتي أن تقيس لي نظري، فلم تعد نظارتي الطبيىة تفي بالغرض، فلقد «قل الشبح عن عيوني!»، ولكنها ما إن بدأت في فحص العين، حتى أخبرتني أنه ينبغي أن ننتقل إلى غرفة الليزر!، فذهبنا إليها، وسريعا ما تركتني، وذهبت وعادت بطبيبة أخرى يبدو أنها أكثر خبرة، وعرفت أنها كريمة فاضلة لأحد رجال ليبيا الشرفاء الذين ترأسوا الجامعة الليبية، وهو الأستاذ المرحوم عبدالمولى دغمان.

وتحدثت الطبيبتان الفاضلتان معا، واتفقتا على أن الأمر يحتاج إلى مراجعة سريعة لمتخصص، فقد تكون هناك ضرورة لعملية جراحية سريعة!، فأخبرتهما أنني مسافر بعد أسبوع إلى القاهرة، وهناك طبيب صديق هو الذي يتولى عينيَّ منذ أكثر من عشر سنوات!، فقالتا لي: «الأفضل ألاّ تتأخر! اذهب سريعا، لأن الأمر مستعجل». أجبتها: «يعني قبل أسبوع!؟»، فقالت بصرامة: «اليوم لو تستطيع».

لا أخفي عليكم أنني خفت، وإن تظاهرت بغير ذلك. شكرتها والتقطت عكازي، الذي اشتريته منذ وقت قصير، وسريعا ما خطر على بالي استبدال «العكاز الأبيض»، المخصص لفاقدى نعمة البصر، به، وتساءلت: هل أشترى عكازا جديدا أبيض أم أطلي عكازي هذا باللون الأبيض؟.

وبقدر ما حاولت أن أهون الأمر بقدر ما خشيت فعلا أن يحدث هذا المكروه. وسافرت سريعا من دون أن أخبر أحدا، وسريعا ذهبت إلى طبيبي الذي أجري فحصا موسعا عبر عدد من الكراسي والأضواء، ثم جاءني في النهاية متبسما، وحمد الله كثيرا أن ما اكتشفته الطبيبة الليبية قريب جدا من «الجلوكوما» أو «المياه الزرقاء»، ولكنه ليس كذلك، وكتب بضعة أدوية، فشكرته وانطلقت إلى مكتبي، أبحث عن هذه «الجلوكوما»، وعرفت أنها ليست مرضا ينتقل بالعدوى، ولكنها اضطرابات تسد التدفق المعتاد لسوائل العين، وقد تكون حادة إن زاد الضغط الداخلي للعين، وتُظهر أعراضا كأن يشاهد المصاب أقواس قزح حول المصابيح أو يرى ضبابا ودخانا، وغالبا ما ينتبه إليها المصاب بعد خروجه من (السينما).

وكلما يزداد الضغط في العين تضغط على عصب الإبصار، فتقلل الدم الذي يصل إليه وتتلفه، وإذا تلف فلا يمكن إصلاحه عندما يزيد ضغط العين إلى حد كبير، وإذا لم تعالج بعملية جراحية سريعة فقد يفقد المصاب بصره خلال 48 ساعة!، ولذلك يتعين الفحص الدوري لمن يرى أقواس القزح حول المصابيح واللمبات، ويستنثنى من ذلك رؤيتها كهالة حول عيون القيان!، فهن الدواء. أما إن أزعجتهن، فيصبحن أسباب الداء.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»