Atwasat

من عين زارة إلى هيروشيما

محمد قصيبات السبت 05 أغسطس 2023, 12:09 مساء
محمد قصيبات

غريب أمر الإنسان.

ما يهمه هو أن يسجل التاريخ اسمه مهما كان الحدث التاريخي ولنا في عين زارة وهيروشيما خير الأمثلة فهما حدثان مهمان في تاريخ البشرية. يتذكر العالم في شهر أغسطس من كل عام هيروشيما بعد أن نسي عين زارة.

(1)

في الأول من نوفمبر عام 1911 يقلع الطيار الإيطالي جيوليو جافوتي بطائرته المسماة «Etrich Taube» ومعه قنبلة يدوية؛ كان يقود الطائرة باليسري وباليمنى يمسك بالقنبلة. كان يحلق على ارتفاع 700 متر حين وصل إلى عين زارة فيرى مجموعة من الخيام ... ينزع عندها صمام الأمان بأسنانه ومن على جناح الطائرة يلقي بالقنبلة؛ كانت تلك هي المرة الأولى في تاريخ البشرية التي تستعمل فيها الطائرة كسلاح في الحروب.

لم تسفر الحادثة عن ضحايا و لم ير الطيار غير دخانٍ يصعد في السماء.
يكتب جافوتي لأبيه «كم أنا سعيد يا أبت .. لا أصدق أني أول من ألقى بقنبلة من طائرة... سيخلدون اسمي».

فرح جافوتي بفعلته.. ما أكفره!

كان ما فعل الطيار تمنعه اتفاقية لاهاي في الحروب لكن ذلك لم يمنع الشعراء من تسجيل الحدث الخطير فكتب الشاعر الإيطالي «غابرييل داننزيو» قصيدةً في مدح الطيار يقول فيها:

«أنت يا جافوتي
تنحني بطائرتك تصارع الرياح
أنت لا تحتاج إلا ليدٍ واحدة
وبالأخرى تمسك بالقنبلة
بأسنانك تفتح صمام الأمان وبيمينك
تلقي عليهم القنبلة
إنك أول من ألقى..»

(2)

في فجر السادس من أغسطس عام 1945 يستيقط الطيار الأميركي بول تيبتس باكراً على غير عادته، يقلع بطائرته التي أعطاها اسم أمه Enola Gay تعبيراً عن حبه لها، أما القنبلة التي يحملها فأعطاها اسم «الولد الصغير» وهي لم تكن صغيرة قط: كان طولها 3 أمتار ووزنها 4082 كغ.
في الواقع كان الطيار الذي سيلقي بالقنبلة هو «روبرت لويس» والذي يصل متأخراً ليجد أن «بول تيبتس» قد أصبح هو الطيار الذي سيلقي بالقنبلة بدلاً عنه وتقرر القيادة أن يكون لويس مساعداً للطيار فجن جنون لويس وراح يلعن ويسب وترك لهم بعدها الجيش؛ لقد كان يريد أن يخلده التاريخ كأول سفاح نووي في تاريخ البشرية لكن بول تيبتس هو الذي فرح بهذا اللقب
فرح تيبتس .. ما أكفره !

(3)

بعد قنبلة هيروشيما لم يفعل الكتّاب كما فعل الإيطالي داننزيو بل كتب كثيرون عن هذه المأساة وخرجت أعمال أدبية وفنية نذكر من بينها «هيروشيما حبيبتي» للفرنسية مارغريت دورا التي تبدأها بجملتها المشهورة «أنت لم تر شيئا في هيروشيما» والتي تحولت إلى فيلم أخرجه ألان رينيه، ورواية «المطر الأسود» للياباني بوزو وكذلك أغنية «ثمة مطر أسود سيسقط» لليونانية نانا موسكوري والتي هي عن أغنية لبوب ديلان (الذي حصل لاحقاً على نوبل للآداب) يقول فيها:

«آه من قابلت يا ولدي
من قابلت يا صغيري العزيز
- قابلت طفلاً صغيراً جانب فرسٍ ميت
قابلت رجلا أبيض يرافقه كلب أسود
قابلت امرأة يحترق جسدها
قابلت صبية أعطتني قوس قزح
قابلت رجلا يموت في الحب
وآخر يموت في الكراهية
وثمة مطر غزير سيسقط.. »

أما روبرت لويس (الذي لم يفز بإلقاء القنبلة) فقيل أنه زار هيروشيما في أغسطس 1952 وشارك في الصلاة على أرواح الضحايا الذي زاد عددهم على ربع مليون ماتوا في ثوانٍ. وشارك معه في الصلاة «الهيبوكوشا» وهم اليابانيون الذين نجوا من تلك المأساة. لم يسجل التاريخ اسم لويس في قائمة المجرمين لأنه لم يستيقظ باكراً في فجر السادس من أغسطس لكن كان نومه بعدها أكثر هدوءاً.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»