تنحو المنهجية البنيوية في كتاب فوكو «المراقبة والعقاب» إلى رصد وظيفية الأمكنة المتعسّفة في حالة السجن الجنائي والسجن عموماً. وتنهج في أبعادها القصوى، وبالصورة التي تتجلّى بها في موضوع السجن وفي كتاباته حول مؤسسة السلطة عموماً طريق الانحياز للـ«بنية» على حساب درامية الحدث الإنساني لكونها: «تتجاوب ـ حسب ما يرى جيل دولوز ـ وتلتقي مع نظرة حديثة تنظر إلى موقع الشيء، بالنسبة إلى الأشياء الأخرى، ولاتعتبره موقعًا متميزًا وكمصدر للسلطة، كما لم تعد تقبل بالتحديد الدقيق لموقعها. حسب مفهوم جديد للفضاء الاجتماعي، يماثل في جدّته مفهوم الأمكنة الفيزيائية والرياضية الحالية».
في أدبية كتاب «السجنيات» للكاتب عمر أبو القاسم الككلي نلحظ أن الوصف يتشكّل كمقاربة للسجن بمقايسة المتاح القليل المسموح به لحركة السجين، وينتحي ضربًا من ضروب تقنيات تشخيص صورة المكان وتحديدها بالمقايسة، بل نرى أن الوصف في «السجنيات» يعدو مجرّد تحييز المجال العام إلى تضييق المساحة التي يتحرك فيها السجين وهي ما يحددها بالأمتار. هذا المقتطف من قصة (العُرم): في البداية كنا لا نخرج من الزنزانة إلا لتلقي الوجبات. ثم أخذوا، بعد مدة، يسمحون لنا بالخروج بضع ساعات يوميًا إلى الممر، الذي تقع عليه زنزانتانا إضافة إلى زنزانة أخرى، والبالغ طوله حوالي خمسة عشر مترًا وعرضه أقل من مترين».
إن الاشتغال على مقاربة السجن بمقايسته في «السجنيات» يتم تأطيره في ثنائية (الحركة والسكون)، وهو إجراء منهجي لا يعني الأخذ به تبنّي التوصيف البرّاني للسجن بأنّه «بنية تعسف» يحوزها المكان فقط. مما اعتبر تجاهلاً للحدث الإنساني فيه، وهذا الحكم بعيد تمام البعد عن الواقع. فكل ما يتعلّق بالإنسان هنا يكتسي حدّة بالغة ويأخذ طابعًا دراميًا. وإذا أخذنا منهجيا بتعريف جورج مولينيه في كتابه «الأسلوبية» لمجموع الأدب كونه: «خطابا، بالمعنى اللساني للكلمة، لسلّمنا بأن قسمًا كبيرًا من هذا الخطاب، إذا أُدرك في كلّيته، ينقسم إلى خطاب سردي وخطاب وصفي. ولا يغّطي هذا التقسيم الثنائي حقل الخطاب الأدبي بكامله ولكنّه ـ على أي حال ـ تقسيم رئيس». وإذا اتفقنا على هذا التقسيم في سياقه العام واعتبرنا «السرد» مجال الحركة، أي الزمن، فإن «الوصف» هو مجال الصمت، أيّ السكون، الذي يحوزه المكان وهو هنا السجن بأمكنته ومساحاته المتاحة بتضييق تستدعيه ضرورات السلطة السجنية. وهو ما تمثل كظاهرة تم الاشتغال عليها أدبيا (بالوصف)، الذي يرد تعريفه في قاموس علم السرديات بأنه: «تقديم (تمثيل) الأشياء والكائنات والمواقف أو الأحداث في وجودها المكاني عوضًا عن وجودها الزماني، وفي أدائها وظيفتها الطوبولوجية عوضًا عن وظيفتها الكرونولوجية، وفي تزامنها وليس في تتابعها الزمني».
تأخدنا إلى هذا المعنى قصة (انقطاع الأنفاس) من مجموعة «السجنيات» فنصاحب السارد للحاق بموعد الزيارة الأولى من قبل ذويه في هذا المقتطف: «سرت معه [الحارس] عابرين الممر القصير الذي تقع عليه الزنازين الثلاث، ثم الساحة الداخلية الصغيرة، السماء والنسيم كانا ربيعيين وكذلك الدفء، وكان يمكن سماع شقشقة العصافير من الأشجار القريبة غيرالمرئية التي تتنفس روائحَها في الهواء، ثم دخلنا الساحة التي تليها، الأكبر قليلًا، كان ظل الحائط الشرقي يغطي قسمًا كبيرًا من الساحة الخالية، ثم ولجنا الممر القصير جدًا، ثم قطعنا الممر المتعامد معه، ثم اجتزنا الممر الصغير الآخر الذي ينفتح عليه مفضيًا إلى إدارة القسم المتكونة من حجرتين تفضي أولاهما إلى الأخرى».
يبدو السرد في المقطع متواترًا يتقطعه السير الحثيث من ممر إلى ساحة داخلية إلى ساحة تليها خالية إلى ممر قصير جداً إلى ممر متعامد معه إلى ممر صغير آخر مفضٍ إلى إدارة القسم المتكونة من حجرتين تفضي أولاهما إلى الأخرى. إلى توقف السرد باستحضار المقايسة ذهنيًا عند الوصول إلى موعد الزيارة الذي ينهيه تدخل الدراما في هذه المخاطبة الموجّهة من طرف السارد إلى زائريه: الأب والأم والأخت «علاش متعبين أرواحكم.. قلتها لاهثًا كما لو أنني قد جئتهم، ليس سائرًا بخطوات بطيئة مسافة لا أظن أنها تزيد عن ستين مترًا، وإنما راكضًا، دون توقف، لمسافة عدة كيلومترات».
ننتقل من «السجنيات» إلى قصص الخروج منها، فنتناول بتسليط الضوء على قصتين (مستطيل الزجاج الرقيق، الصغير)، و«الاقتناص» المكتوبة ـ كما بينا في مقالنا ثقب في الجحيم ـ في مبتدأ السجن بتاريخ 1979/2/22,21 ولكن فنية كتابتها تجاوزت الدلالة الذاتية في قصص ما قبل السجن، المجموعة متأخرًا والملحقة بمجموعة «منابث الحنظل» تحت عنوان (الشئ الذي ينأى) لتستشرف أسلوبية الدلالة الذاتية ـ الإيحائية لكتابة ما بعد السجن التي تجلت في قصص أول مجموعة نشرت للكاتب عام 2000 بعنوان «صناعة محلية». ففي قصة الاقتناص يتحايل المتلصص على الموانع السجنية «ألواح الحديد، المُشَبَّك المعدني لمنع تسلل الحشرات، والسياج المشبك الذي يسيج حديقة، يبدو قسم صغير منها مليء بالنباتات الشائكة». بينما في «الحدث المهم» تتحول مقايسة فرجات الرؤية في الاقتناص عبر موانع السجن إلى مقاربتها بالفرجات بين عريصات الكورنيش للتمكن عبرها من رؤية الأفق الممتد إلى البحر: «يمكنه، لو يخفض رأسه قليلاً، أن يشاهد، من خلال الفجوات التي بين عريصات الكورنيش وبشكل أجزاء، الأفق على مدى البحر الواسع الذي يقاسم السماء صحوها وتألقها (...) ورغم تطلعه الجياش إلى أن يشاهد الأفق الذي لم يشاهده منذ أكثر من تسع سنوات [سنوات السجن] فقد شعر أن هذا الحدث يفقد روعته وجلاله لو يشاهده برأس مخفوضة وبشكل مجزّأ (...) كانت السيارة تسير بسرعة، وكان أعلى سور الكورنيش يحجز بصره دون الأفق، ولم يكن سقف السيارة يسمح له أن يرفع رأسه فوق مستوى السور».
في قصة (مستطيل الزجاج الرقيق، الصغير) نتعدى المقايسة والمقاربة إلى مضاهاة مساحة السجن أو بالأحرى زنزانة السجن بصندوق البريد: «الآن [بعد الخروج من السجن]، أستأجر صندوقًا آخر بمبنى البريد المركزي، الواقع بطرف المدينة، وهو ما يعني أني لا بد أن أذهب إليه خصيصًا. لا يلين فظاظة بابه المعدني المصمت مستطيل زجاجي شفاف، وعليَّ، لأعرف ما إذا كانت به رسائل، أن أفتحه بالمفتاح لأواجه، غالبًا، بجهامة جدرانه واكفهرار الغبار المتناثر مفترشًا أرضيته، ويتسرب إلى أعماقي إحباط ناشف، وشائك».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات