Atwasat

مرحلة العمل الدبلوماسي: مذكرات عبد الرحمن شلقم

إبراهيم حميدان الخميس 03 أغسطس 2023, 12:02 مساء
إبراهيم حميدان

الثمانينات وما بعدها هي مرحلة العمل الدبلوماسي بالنسبة لعبدالرحمن شلقم الذي نواصل قراءة مذكراته بعنوان «سنواتي» (1)
بدأت هذه المرحلة مع تكليفه من قبل معمر القذافي سفيراً لليبيا في إيطاليا في 1984، والذي طلب منه خلال لقائه به عقب ذلك التكليف نقاطاً محددة يريد منه العمل على تحقيقها أثناء عمله في روما التي وصلها في سبتمبر من ذلك العام، وهي التعويض المُرضي للشعب الليبي عن سنوات الاستعمار، جميع الحقائق عن المنفيين الليبيين في الجزر الإيطالية، استرجاع الأرشيف الخاص بالاستعمار، وكذلك القطع الأثرية، تكوين تيار سياسي إيطالي- لوبي - يدعم هذه المطالب، تقديم صورة جديدة ناصعة عن ليبيا الجديدة في وسائل الإعلام الإيطالية.

يسرد الكاتب العديد من الأحداث والمواقف التي واجهته خلال عمله في روما، أبرزها إطلاق ليبيا صواريخ على قاعدة لامبيدوزا في الجنوب الإيطالي التي بها محطة لوران لخفر السواحل الأميركية رداً على الغارة الأميركية على ليبيا في1986، الأمر الذي أثار غضبا إيطاليّاَ رسمياً وشعبياً كبيراً ضد نظام القذافي رغم أن الصواريخ سقطت في البحر.

يتحدث أيضاً عن العلاقات الاقتصادية المميزة مع إيطاليا التي تعتبر الشريك الاقتصادي الأول لليبيا، كما يتحدث عن دور الرائد عبدالسلام جلود المحوري والمتواصل في العلاقات الليبية الإيطالية.
في الفصل الذي حمل عنوان «الحج إلى القدس» يتطرق إلى العملية التي قام بها القذافي في عام 93 حين أرسل قرابة مئتي ليبي إلى إسرائيل للحج في القدس بحجة منعهم من الحج في السعودية بسبب الحظر الجوي المفروض على ليبيا في إطار العقوبات الدولية المفروضة عليها عقب اتهامها بالتورط في قضية لوكيربي، وما أثارته هذه العملية من ردود سلبية من قبل الشارع العربي والفلسطيني بشكل خاص.

كما يتطرق إلى الشركة الليبية الإيطالية والأكاديمية الليبية الإيطالية التي جرى إنشاؤها عقب مرور أربع سنوات من عودته إلى ليبيا وانتهاء عمله سفيرا بإيطاليا وتوليه رئاستهما.
يعود إلى ليبيا بعد انتهاء عمله سفيراً بروما ويبقى في بيته خمس سنوات ليُكلف في عام 1999 بالشؤون الخارجية في أمانة مؤتمر الشعب العام.

سنة 2000 يُكلف وزيراً للخارجية، ويسرد المؤلف كيف وضع برنامجاً للقضايا ذات الأولوية التي يجب الشروع في معالجتها بعد أيام من هذا التكليف ويعرضه على القذافي فينال موافقته وهي: تحسين العلاقات مع أميركا وعدد من الدول الأوروبية عبر إيجاد حل لقضية لوكيربي، وأسلحة الدمار الشامل، وملهى لايبل ببرلين، والطائرة الفرنسية التي سقطت بصحراء النيجر، وكذلك إعادة تنظيم وزارة الخارجية.

أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 في نيويورك وما ترتب عليها من هجوم على أفغانستان، والغزو الأميركي للعراق وإسقاط النظام، والملاسنة التي جرت بين القذافي والأمير عبدالله ولي عهد المملكة السعودية في القمة المنعقدة بشرم الشيخ وما لحق ذلك من توجيه التهمة لليبيا بمحاولة اغتيال الأمير عبدالله، كل هذه الأحداث جعلت القذافي يعيد حساباته في سياسته الخارجية.

يقدم المؤلف قراءة تحليلية في تاريخ العلاقات العراقية الليبية والعلاقة الشخصية بين القذافي وصدام المتصارعين على زعامة الأمة.

القذافي لم يكن آسفاً على سقوط صدام لكن السؤال الذي شغله: هل ما حدث ضربة أميركية استثنائية أم أنها ستفتح باباً لسياسة تغيير الأنظمة بقوة السلاح؟ ويقول القذافي لشلقم معلقاً على الإطاحة بالنظام البعثي في العراق، إن صدام حسين لم يعمل من أجل العراق بل سخّر إمكانات بلاده لمجده الشخصي وخاض معارك عبثية مع الأكراد ومع إيران، وغزو الكويت أضاع فيها أرواح المئات من العراقيين وأهدر فيها مقدرات العراق الهائلة. ص170

قفل ملفات متفجرة
يسرد شلقم، مستنداً إلى الوقائع والمعلومات والتواريخ، قصة جهوده رفقة زملائه من المسؤولين الليبيين في ما أسماه «قفل الملفات السياسية المتفجرة» التي ساهمت في تأزيم علاقة ليبيا بأميركا وعدد من الدول الغربية، وتسببت، ولسنوات طويلة، في أضرار كبيرة للبلاد، قضية لوكيربي وطائرة الـ«يو تي أي الفرنسية» التي سقطت في صحراء النيجر وملف التعويضات وملف أسلحة الدمار الشامل، وملهى لابيل، وقضية الممرضات البلغاريات المتهمات بحقن مئات الأطفال الليبيين بفيروس الإيدز، كما يتطرق إلى زيارته إلى لندن عقب عودة العلاقات مع بريطانيا ولقائه بتوني بلير وزيارة هذا الأخير إلى ليبيا، إضافة إلى الجهود المتعلقة بملف تعويضات الاستعمار الإيطالي التي تكللت بعد عشرين عاماً بمعاهدة الصداقة والشراكة الليبية الإيطالية في 2009.

يقدم المؤلف قراءة تحليلية للعلاقات الليبية الأميركية متوقفاً عند شخصية القذافي الذي تشكل وعيه السياسي خلال الخمسينات والستينات على معاداة الدول الغربية وأميركا نتيجة سياساتها الاستعمارية وفي ظل صوت عبدالناصر المثل الأعلى في النضال القومي.

كما يروي، عبر فصول عديدة، مواقف للقذافي في تعامله مع السياسة الخارجية، وهي مواقف يقدمها بلغة محايدة في كثير من الأحيان، لكننا نلاحظ أنها تعكس شخصية لا تقيم وزناً لأبسط قواعد الإتيكيت والبروتكول المتعارف عليها في العمل الدبلوماسي، كما أنها تتخذ قراراتها بصورة ارتجالية دون أية دراسة لتبعاتها السلبية على مصالح ليبيا والشعب الليبي مثل إعلانه الجهاد ضد سويسرا ودعوته إلى تقسيمها، ودعوة العالم الإسلامي إلى مقاطعة منتجاتها، كل ذلك بسبب اعتقال ابنه المعتصم لعدة أيام في سويسرا، علاوة على مواقف تعكس هوسه المرضي بالزعامة مثل قيامه عبر أعوام متتالية بإمامة المصلين في المولد النبوي الشريف في بعض الدول الأفريقية، أو دعوته لدولة إسراطين يتقاسمها الفلسطينيون والإسرائيليون، وكذلك تنصيبه ملكاً على ملوك أفريقيا، أو كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي مزّق خلالها جانباً من ميثاق الأمم المتحدة ورماه على طاولة الرئاسة وتحدث لأكثر من ساعة ونصف، أو مواعيده مع بعض الشخصيات السياسية التي يتعمد فيها إذلالهم وجعلهم ينتظرون مقابلته لساعات ورفعه لحذائه في وجه بلير رئيس وزراء بريطانيا خلال لقائه به في الخيمة، وامتناعه عن مصافحة كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية... إلخ.

يسرد لنا المؤلف هذه الوقائع وغيرها من المواقف التي كان شاهداً عليها، مرفقاً إياها حيناً بتعليق نقدي كما في تعليقه على خطاب نيويورك، وأحياناً أخرى يترك للمتلقي التعليق والاستنتاج والتأمل.

جلود وسيف وغانم وجبريل
في فصل بعنوان «زعماء عرفتهم»، يتحدث شلقم عن بعض الرؤساء عرباً وأجانب الذين عرفهم خلال عمله الدبلوماسي، ويقدم تحليلات لشخصياتهم وعلاقتهم بالقذافي، من بينهم صباح الأحمد الصباح أمير الكويت والرئيس زين العابدين بن علي ورئيس جمهورية جنوب أفريقيا تابو إمبيكي والرئيس عبدالعزيز بوتفليقة والرئيس اليمني علي عبدالله صالح ورئيس فنزويلا هوغو تشافيز... إلخ .

ويخصص فصلاً للعلاقة الشخصية الحميمة التي ربطت جلود بالقذافي منذ أن التقيا في مركز شرطة سبها عقب إلقاء القبض عليهما لمشاركتهما في مظاهرات سياسية عندما كانا طالبين في مرحلة الإعدادية، حيث ارتبطا بعلاقة وثيقة منذ ذلك الحين. يتابع المؤلف تفاصيل هذه العلاقة وصولاً إلى مرحلة الطلاق مع بداية التسعينات حين راح جلود يدعو إلى الاهتمام بالوضع الداخلي وتطوير التعليم وإعطاء مساحة من الحرية لوسائل الإعلام منتقداً التوجهات السياسية الليبية التي تعطي كل اهتمامها للأمور الخارجية، منادياً بضرورة تأهيل البنية التحتية للبلاد. يعلق المؤلف أن جلود أدرك متأخراً حجم ما وصلت إليه البلاد من تخلف.

يتكلم أيضاً في فصل آخر عن سيف الإسلام القذافي وعلاقته به منذ التقى به شاباً يافعاً جاء يزور روما عندما كان شلقم سفيراً هناك، ثم دخوله إلى حلبة السياسة الليبية عبر مشروع محوره التنمية في مجال البنية التحتية تحت عنوان ليبيا الغد، ومن هنا بدأت الجولة الملتهبة مع والده.

تناول أيضاً في أحد الفصول شخصية شكري غانم الذي كُلف وزيراً للاقتصاد ثم رئيساً للوزراء وقد أتى به سيف الإسلام ليقوم بإصلاحات في الاقتصاد والإدارة، لكن معمر القذافي كان يتدخل باستمرار ويلغي قرارات اتخذها أو يتخذ قرارات لم يكن غانم مقتنعاً بها. ما جعل غانم يشعر باليأس من التغيير.

وفي فصل بعنوان «الدكتور محمود جبريل رؤية رحلت»، يتحدث عن جبريل منذ تعرفه عليه حين كان زميلاً له في جامعة القاهرة أوائل السبعينات، ثم عودته بعد تخرجه إلى ليبيا وعمله في وزارة الخارجية وسفره بعد ذلك لاستكمال دراسته الماجستير والدكتوراه في أميركا ثم عمله في عدد من الدول الخليجية.

استعان سيف الإسلام بمحمود جبريل الذي كُلف بمجلس التخطيط الوطني ومجلس التخطيط الاقتصادي وتواصل مع عشرات الباحثين والأكاديميين والقانونيين والمثقفين والمختصين في كافة المجالات ليُقدم بعدها (مشروع رؤية ليبيا 2025) وهو مشروع إصلاحي كبير عبر رؤية علمية وفكرية لواقع ليبيا ومستقبلها.

عندما قرأ معمر القذافي ملخصاً لهذه الرؤية قال: عندكم الكتاب الأخضر يجيب على كل الأسئلة ويحدد كيان ليبيا وهويتها، وألقى بمجلد الرؤية في صندوق القمامة.

الطغاة لا يتعلمون الدروس
في الفصل الذي حمل عنوان «معمر القذافي الدارس والمؤلف»، يذكر المؤلف أن معمر القذافي قارئ من الطراز الأول وأنه كان يقضي وقتاً طويلاً في المكتبة في القيادة يقرأ ملخصات الكتب في كافة المجالات وأنه تحدث معه عن عديد المفكرين مثل المغربي عبد الله العروي والتونسي عبدالمجيد الشرفي والعراقي علي الوردي إلخ. السؤال الذي تبادر إلى ذهني وأنا أقرأ هذا الكلام مافائدة تلك الكتب والقراءات إذا لم تنعكس إيجاباً على سلوك وتصرفات وعقلية وأفعال القذافي؟ فمن خلال العديد من الوقائع والأحداث التي سردها المؤلف خلال فصول كتابه كنا نرى القذافي الديكتاتور المهووس بالسلطة والمسكون بأوهام الزعامة التي ترسخت في عقله منذ أن كان طالباً خلال الخمسينات يستمع إلى إذاعة صوت العرب في سبها، وقد ظل، كما يقول المؤلف في مكان آخر من الكتاب، حبيس الثقافة السياسية التي كانت سائدة في تلك المرحلة، علاوة على تشربه في بيئته الاجتماعية لثقافة تقليدية موروثة ومنغلقة عن كل ماهو جديد، ولذلك كان القذافي يرفض أية مقترحات بإصلاحات داخلية في البلاد، فلم يستمع إلى الآراء الإصلاحية التي جاءته من جلود ولا لمقترحات شكري غانم ولا لرؤية محمود جبريل ولا لمشروع ليبيا الغد، ربما لو استمع إلى هؤلاء وغيرهم لجنب البلاد الانفجار الكبير الذي جرى في فبراير ،2011 وما زلنا نعاني من تداعياته السلبية وسنظل نعاني لسنوات قادمة لا يعلمها إلا الله ، لعله كان يعتقد أن الإصلاحات الداخلية سوف تؤدي في نهاية المطاف إلى الإطاحة به من على كرسيه الذي التحم به على نحو مرضي.

لم يستمع القذافي أيضاً إلى آراء شلقم في ما يخص الشأن الداخلي منذ نهاية السبعينات في واقعة اتهام صحفيي الأسبوع الثقافي بالشيوعية أو منع بث الأعمال الفنية المصرية في وسائل الإعلام الليبي أوائل الثمانينات، كما لم يستمع إلى نصائحه في إصلاح الشأن الداخلي في آخر لقاء معه قبل ذهابه إلى نيويورك، لكنه استمع إلى مقترحاته في تغيير السياسة الخارجية وشجعه على قفل الملفات الملغومة مع أميركا وبعض الدول الغربية، ليس لأن تطوراً جرى في تفكيره السياسي بل لأنه كان يخشى أن تطيح به أميركا ويجري إعدامه مثلما جرى مع صدام حسين الذي قال عنه القذافي لشلقم إنه أهدر مقدرات العراق في معارك خارجية عبثية وأضاع أرواح ودماء المئات من شباب العراق بحثاً عن الأمجاد الشخصية ولم يكن وراداً في ذهنه تحقيق المجد لبلده، ولم يكن القذافي يدري أنه صورة طبق الأصل لطاغية العراق، ولذلك لقي نفس المصير، لأن الطغاة لا يتعلمون الدروس من بعضهم البعض.

تحية كبيرة للكاتب على هذه المذكرات القيّمة الثرية بالمعلومات والغنية بالوقائع والتحليلات السياسية التي أضاءت جوانب مهمة من تاريخ ليبيا المعاصر، ونأمل أن نرى نقاشاً مثمراً حولها خاصة من قبل شهود هذه المرحلة الذين كان المؤلف يحرص على ذكر أسمائهم خلال سرده للأحداث، كما نأمل أن نقرأ المزيد من المذكرات السياسية من قبل سياسيينا الليبيين الذين تولوا مناصب قيادية في العقود الماضية.
إن مساهمتهم في كتابة المذكرات السياسية يفرضه الواجب الوطني تجاه شعبهم.

------------
1-«سنواتي» مذكرات عبدالرحمن شلقم، دار الفرجاني، الطبعة الأولى 2023



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»