من نتائج الاغتراب الانسحاب أو الرضوخ أو التمرد أو الثورة. التمرد شبه منعدم، والثورة أمست فشلا ومرارات. فاغترابنا يبقى رضوخات أكثر من أي انسحاب.
المفردة المعاصرة «الأغلبية الصامتة» سليلة الربيعيات بالمنطقة، توازي مصطلح الإجماع بالفقه الإسلامي، الذي لا يعدو أن يكون فرضية نظرية فقهية ما تحققت أبدا.
الفارق في الحالتين، أن الإجماع الفقهي تشير الحالة فيه إلى وجود قول واحد بالقبول أو الرفض، أما حالة الأغلبية الصامتة في ليبيا، فقد اتُفق فيها على ألَّا يقولوا شيئا بالمطلق، والاكتفاء بالفرجة ومغازلة الصبر أمام كل الرذائل المرتكبة على مدى تفاصيل الهول الذي نعايش.
الوهم قد لعب دورا مهما في تاريخ القوميات وقيامها، ولعل أقرب الأمثلة يكمن في التاريخ الأوروبي. فالأسطورة، كوهم، كانت حافزا تمازجت في وجدانيات الناس مع نزعة النخبة المتنورة هناك في الرغبة بالبناء والاستمرار في المسيرة العنيدة والشرسة لأجل انتزاع أنفسهم من براثن التخلف والفقر والنزاعات الدموية المفلسة عموما. فرنسا مثلا في كفاحها ضد الغزو الإنجليزي، خلقت من سيدة عادية تسمى جان دارك نبراسا أسطوريا للكفاح، فقط لأجل أن تدخل فرنسا التاريخ بمفهومها اللاتيني المفرنس، لا الأنجلوسكسوني الغازي، بل ثقله المتنوع في الرؤية للعالم وللتاريخ.
ليست الأفكار مجرد انعكاس للحقيقة نكتسب بها هويات خالصة وماهيات صافية، ولكنها أدوات للتغيير ووسائل للتحول، وعالمنا اليوم يشهد انقلابا كونيا هائلا، ومن المؤكد أنه انقلاب شامل، بسبب الطبيعة النوعية للحضارة الإنسانية الراهنة، بما فيها من تقنيات وسرعة وتغيرات جذرية حول النظرة للعالم والكون وللإنسان كمحور أساسي لكونه يحيا وحده حتى اللحظة على نحو تتغير فيه جغرافية المعنى وميزان القوى المادية أو الرمزية بين الفاعلين الاجتماعيين، حسب أفكار بيير بورديو ومنتقديه، فعالم كهذا لا تجدي قراءته بعقلية عهد الأنوار والثورة الفرنسية وكل ما جرى من أدلجة للفكر ولمدارس الدين بعيدا عن المُحكمات فيه، إلا أن عقلية الوصاية على العقل والضمير باتت مفضوحة وخالية الوفاض النقدي في خلق بديل حيوي ونوعي يتحرك بعنفوان زمانه والإكراهات فيه، لا بتراتبية العنعنة والاجترار العاجز والصمت المُذهب.
أفكار الأيديولوجيا اليسارية خسرت رهانها لغرقها في الطوباوية وخطئها في تفسير وتأويل كارل ماركس الذي لم يتعامل مع الرأسمالية على سبيل الرجم واللعن، بل امتدح قدرتها وإنجازاتها التقدمية بقدر ما كشف تناقضاتها واحتقر الجشع اللا أخلاقي فيها «فكان أن خرج عليها منها بالذات» كما يشرح علي حرب «أصنام النظرية وأطياف الحرية» عن المركز الثقافي العربي ط1. 2010.
وهمنا، أو أسطورتنا لم تحظ بالجدية ولا اقترنت بخطوات حقيقة لتجسيدها كدافع عقلاني نحو خلق مسارب للعطاء والإنجاز وإيجاد الحوافز في المقابل، ولم يمثل وهمنا للحظة، أو أسطورتنا، ليكون باعثا للانطلاق، ذاك الوهم أو الأسطورة ماتت في حضن الإله والرمز، لتنصهر كل البلاد ودولتها في ماهية الراعي وميوله ومزاجه وأنفاسه، وسط تهليلات كذابة وخائنة لنفسها ولأحلامها.
نهاية التاريخ عند فوكوياما تختص بالليبرالية، وكل الإنجازات التي حققتها بحيث يصعب على العقل -عنده- تصور تاريخا بعد ذلك ليتحقق أكاديميا طبعا، إلا أن فوكوياما تراجع بعد ذلك عن أفكاره لأسباب عديدة، منها شيوخ التطرف الرسمي بالمنطقة، ولسياسة عدم النفخ في كومة قش الفتنة السنية، إذ ظهر مقاله في العام 2012 بمجلة الفرن بوليتك، متسائلا عن مستقبل التاريخ.
نحن في ليبيا لا شك أنه من الضروري الاعتراف بأن فرضية نهاية التاريخ ليبيا، أضحت فرضية واردة جدا لهشاشة الوحدة ولضراوة فكرة التلاشي الحقيقي لرقعة جغرافية عاشت في خيال أجيالها الحالية بأنها كانت تقاطع طرق، ولم تعش موحدة في وجدان أهلها. الفرضية قد تكون وهما، لكنه وهم يغازل الهاجس الانقسامي عند شريحة عريضة بسبب المركزية، وعقدة التبعية التاريخية وسطوة الشعور بالغبن وحتي أوهام الاغتناء بالنفط والغاز. ما زلنا كليبيين بكل سلبيتنا ودمويتنا لم نحقق في سبيل صنع واقع أفضل رسوخا بنا، وأعمق استقرارا لنا، بما يخلق اختراقا حضاريا يمد السبيل لإرساء مدنية واعية بذاتها ونهضة مجتمعية متحررة من أغلالها الصدئة، بل ما زلنا نصر على الغوغائية في صخب الحقد المقدس.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات