Atwasat

العسكر والإسلاميون والبدو يحرقون السودان

عمر الكدي الثلاثاء 25 أبريل 2023, 12:52 صباحا
عمر الكدي

السودان هذا العملاق النائم منحه العرب اسمه العنصري، عندما وصفوا الأفارقة بالسودان تمييزاً لهم عنهم باعتبارهم من البيضان، واتسع الاسم ليشمل كل بلدان الساحل والصحراء، ثم ضاق ليشمل السودان قبل أن يضيق أكثر بعد انفصال الجنوب، ولا ندري إلى كم سودان سينقسم بعد هذه الحرب.

نشأت أول مملكة عربية في السودان في مطلع القرن السادس عشر، بعد تحالف قبائل العبدلاب بقيادة عبدالله جماع، مع قبائل الفونج في جنوب شرق النيل الأزرق، عرفت باسم السلكنة الزرقاء ومملكة سنار ومملكة الفونج، إلا أن السودان بشكله الحديث تشكل خلال وبعد الثورة المهدية التي انطلقت العام 1881 بقيادة محمد أحمد المهدي، ليدخل الخرطوم العام 1885 منهياً الحكم البريطاني المصري، ومؤسساً لأول دولة تشمل السودان بشكله الحالي، إلا أن خليفته عبدالله التعايشي فشل في الحفاظ على إرث المهدي، منذ أن عرض على الملكة فيكتوريا الدخول في الإسلام ليزوجها من أحد مساعديه يدعى يونس ولد الدكيم «إن قبل ذلك» كما ورد في رسالة التعايشي، وهو ما يؤكد أنه لم يفهم العصر الذي يعيش فيه، وعاد البريطانيون ليحتلوا السودان كاملاً.

أنشأ البريطانيون في السودان أطول سكة حديد في أفريقيا، كما أنشأوا مشروع الجزيرة على مساحة 2 مليون فدان، ومدارس ثانوية نموذجية مثل مدرسة حنتوب وخور طقت ووادي سيدنا، أمدت جامعة غوردن الخرطوم لاحقاً بالنخبة السودانية، وكان السودان عند استقلاله العام 1956 بلداً واعداً، إلا أن الاختلافات بين مكوناته العرقية والدينية والجهوية ظلت عائقاً في طريق تطوره، ولم تنجح النخب الحاكمة في تحويل هذا التعدد إلى ميزة إيجابية، على عكس النخب التقليدية مثل ناظر المسيرية بابو نمر وسلطان الدنكا دنق مجوك، اللذين ضربا مثلا رائعاً في التعايش السلمي في منطقة ابيي، فأكبر حزبين عند استقلال السودان وهما حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي لم يكونا إلا واجهتين لأكبر طائفتين دينيتين في شمال البلاد، هما الطائفة المهدية والطائفة الختمية. حزب الأمة أصر على استقلال السودان وخصمه أصر على الوحدة مع مصر، وفي المحصلة آلت السلطة والثروة لأبناء القبائل العربية في الشمال مثل الجعلية والشايقية يقيت الأقاليم البعيدة في الجنوب والغرب والشرق دون تنمية، بل وصل الأمر إلى مجاعات في بلد بإمكانه أن يطعم العرب جميعا من خيراته الوفيرة.

الجيش السوداني تأسس قبل الدولة منذ العام 1925 تحت اسم قوة الدفاع السودانية، تحت إشراف ضباط بريطانيين ومصريين، ولم يفكر هذا الجيش في الانقلاب على السلطة، إلا عندما طلب منه أكبر حزبين في البلد استلام السلطة العام 1958، وكان الانقلاب الأول بقيادة إبراهيم عبود، ثم لم يتوقف هذا الجيش عن الانقلاب، ووصل عدد الانقلابات والمحاولات الانقلابية إلى 16 محاولة، بينما خاض 6 حروب ليس بينها حروب خارجية فجميع حروب هذا الجيش كانت حروباً داخلية، بينها أطول حرب في تاريخ أفريقيا ضد حركات التمرد في الجنوب، ولكن الجيش الحالي ليس هو نفس الجيش الذي ورثه السودان عن الاستعمار، وإنما هو جيش أيديولوجي قياداته العليا تشكلت في بوتقة الحركة الإسلامية التي حكمت السودان منذ انقلاب عمر حسن البشير العام 1989، وهو نفس الجيش الذي قرر التضحية برأسه لإنقاذ نظام الإنقاذ العام 2019، بالتحالف مع أكبر مليشيا في البلاد المتمثلة في قوات الدعم السريع، والآن اختلف اللصوص على الغنائم قبل عودتهم إلى مغارتهم، وها هم يحرقون الأخضر واليابس في الخرطوم. المدينة التي كانت صغيرة عند الاستقلال والتي يسكنها اليوم قرابة عشرة مليون مواطن، معظمهم جاءوا من أقاليم مهمشة بحثا عن فرص أفضل للعيش.

الإسلاميون الذين فشلوا في الانتخابات امتطوا الجيش للوصول إلى السلطة، وكانت النتيجة انفصال جنوب السودان العام 2011، بعد سنوات طويلة من حرب طاحنة أعلن فيها الإسلاميون الجهاد على شركائهم في الوطن، وبعد أن طبقوا قوانين الشريعة ومصادرة جميع الحقوق والحريات، وكانت النتيجة المزيد من الإفقار للبلاد وهجرة العقول إلى خارج البلاد، ولم يبق إلا الرئيس الراقص أمام أي تجمع بالرغم من تحريم الفقهاء للرقص.

سنوات الجفاف في دارفور وعدم قدرة الحكومة المركزية على إيجاد الحلول، دفعت القبائل العربية في دارفور من رعاة الإبل إلى مهاجمة القبائل الأفريقية المستقرة التي تمتهن الزراعة وتربية الماشية الصغيرة، وهكذا تفجرت حرب أخرى واجهها الإسلاميون بالتحالف مع القبائل العربية ضد الأفارقة، وظهرت ميليشيات الجنجاويد، كما ظهرت الحركات المسلحة مثل حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد نور التي تمثل قبائل الفور، وحركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم التي تمثل قبائل الزغاوة، ثم تفشت حركات التمرد في جبل النوبة والنيل الأزرق وكردفان، والكثير من قادة هذه الحركات خرجوا من جلباب الإسلاميين قبل أن يرفعوا السلاح ضدهم، وبعضهم عاد إلى بيت الطاعة بعد سقوط البشير مثل مالك عقار، واركو مناوي، وبعض مقاتلي هذه الحركات تحولوا إلى مرتزقة في حروب الآخرين، مثل مقاتلي حركة العدل والمساواة الذين يقاتلون في ليبيا مع حفتر وضده أيضا.

ومن نتائج الحرب في دارفور هو ظهور «فرانكشتاين»، الذي خُلِّق في مختبارات الإسلاميين على هيئة محمد حمدان حميدتي وقوات التدخل السريع والذي التهم مخترعه قبل أن يرتد على كل السودان.

نجح تحالف الإسلاميين المثمل في الجيش، وقوات الدعم السريع في إجهاض ثورة الشعب في ديسمبر العام 2019، والآن يدعي حميدتي الدفاع عن الثورة، ويدعي البرهان الدفاع عن الدولة والثورة، بينما الشعب يكتوي بنيران حرب تجري في قلب الخرطوم، وإذا انهزم حميدتي في هذه المعركة فغالباً سيهرب إلى ليبيا وعندها ستشتعل الحرب هناك من جديد، وبدلاً من سيطرته على مناجم الذهب في السودان، سيسيطر حميدتي على منابع النفط والمياه جنوب البلاد، مستعيناً بقوات حفتر وأنصار القذافي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»