كانت تشاخنوزا نزاروفا تتوقع أن يكون تسجيل مولودتها في السجل المدني مجرد إجراء روتيني، إلا أن السلطات في طاجيكستان رفضت الاسم الذي اختارته لطفلتها لأنه لا يحمل طابعاً طاجيكياً كافياً، في بلد تمتد فيه سياسات الهوية الوطنية لتصل إلى تنظيم اختيار أسماء المواليد الجدد.
وتقول نزاروفا، المقيمة في العاصمة دوشانبي، لوكالة «فرانس برس»: «اخترنا اسم دونيو، وأردنا الحصول على شهادة ميلاد، لكن هذا الاسم لم يكن مدرجاً في قائمة الأسماء الصادرة عن لجنة اللغة والمصطلحات».
وتضم هذه القائمة، التي جرى تحديثها في فبراير الماضي بعد عشر سنوات من بدء اعتمادها، 3.461 اسماً وافقت عليها السلطات، التي ترفض بشكل قاطع الأسماء التي تُعتبر غريبة عن الثقافة الطاجيكية الفارسية، وذلك في إطار مساعيها الرسمية لمواجهة انتشار الفكر المتشدد من جهة، والحدّ من النفوذ التاريخي للإرث الروسي من جهة أخرى، وفقا لوكالة «فرانس برس».
وبعد شهر كامل من ولادة ابنتها، لا تزال نزاروفا تنتظر حلاً لمشكلتها، حيث توضح قائلة: «يُطلب منّا التواصل مع وزارة العدل التي تحيلنا بدورها إلى اللجنة، لكن لا توجد أي إرشادات واضحة بشأن ما يجب فعله عندما لا يكون الاسم مدرجاً في القائمة، ولا أحد يستجيب لطلبنا».
- إجراءات جديدة للزواج في الصين ومساعٍ لتحفيز معدل المواليد
- في البلد ذي العدد الأكبر من السكان.. الهندوس يصلّون ليرزقوا أطفالا
- تراجع عدد المواليد في اليابان إلى ما دون 700 ألف في 2024
وتواجه غوردوفاريد مامادجونوفا، الحامل بابنتها الثانية، المعضلة نفسها؛ إذ ترغب في تسميتها «ياسمينا»، وهو اسم لا تتضمنه القائمة الجديدة التي تقترح بدلاً منه النسخة الطاجيكية المحورة مثل «يوسومان» أو «يوسامين».
سياسة إعادة صياغة الهوية
وفي هذا البلد العَلماني ذي الغالبية المسلمة والذي يقطنه نحو عشرة ملايين نسمة، يندرج هذا القانون الصارم ضمن سياسة إعادة صياغة الهوية الوطنية الطاجيكية التي ينتهجها الرئيس إمام علي رحمون، الذي يتولى السلطة منذ العام 1992؛ حيث يفرض قيوداً على المظاهر الدينية وينأى بالبلاد عن الإرث السوفيتي السابق.
ويقدم رحمون، الملقب رسمياً بـ«مؤسس السلام والوحدة الوطنية»، نفسه كمدافع أول عن الهوية الطاجيكية في بلد ما زالت آثار حربه الأهلية (1992-1997) حاضرة في أذهان سكانه.
وعلى الرغم من أن قلة من دول العالم تعتمد قوائم لأسماء المواليد تتضمن توصيات أو قيوداً، فإن طاجيكستان تذهب إلى مدى أبعد، ففي العام 2019، اعتبر الرئيس أنه «من غير المقبول بتاتاً تمجيد الأجانب في اختيار الأسماء، وهو ما يُبعد الأجيال المقبلة عن أصولها التاريخية».
وعلى الرغم من ذلك، لا يزال تعريف الاسم الطاجيكي البحت غامضاً في التطبيق؛ إذ تُستثنى بعض الأسماء الإسلامية الشائعة من القائمة الرسمية، وهو ما يمس تقاليد متجذرة في آسيا الوسطى، حيث يكتسب اختيار الاسم بعداً رمزياً أعمق بكثير مما هو عليه في المجتمعات الغربية؛ إذ اعتادت العائلات ابتكار أسماء فريدة دمجاً لكلمات تصف ظروف الولادة، أو مكاناً، أو صفة مرغوبة، مثل التسمية بأسماء مناطق جغرافية كـ «بدخشون»، أو كلمات وطنية مثل «فاتان» والتي تعني وطن.
وتأتي هذه القيود بالتزامن مع إجراءات حكومية أخرى تشمل حظر ارتداء الحجاب للنساء ومنع إطلاق اللحى الطويلة للرجال، رغبة من النظام في الحد من نفوذ التيارات المتشددة وقلقاً من الأوضاع في أفغانستان المجاورة.
وفي الوقت نفسه، ينأى رحمون بنفسه عن الماضي السوفيتي؛ حيث كان قد تخلى منذ العام 2007 عن اللاحقة الروسية «ـوف» (ov-) من اسم عائلته، قبل أن يوسع هذا الإجراء قانونياً ليشمل جميع الأطفال المولودين بعد العام 2016 ليكونوا بلا لواحق روسية في ألقابهم.
وعلى الرغم من ذلك، فإن لهذه النزعة نحو التحرر من الهيمنة الروسية حدوداً اقتصادية واجتماعية واضحة، نظراً للاعتماد الكبير للاقتصاد الطاجيكي على التحويلات المالية لمئات الآلاف من العمال المهاجرين في روسيا؛ والذين يفضل الكثير منهم الاحتفاظ بالأسماء واللواحق الروسية لتسهيل إجراءات الإقامة المعقدة هناك وتفادي التكاليف الباهظة لتغيير الوثائق الرسمية.
تعليقات