سلطت جريدة «لوموند» الفرنسية الضوء على الجلسات التمهيدية التي عقدتها المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بحق الليبي خالد محمد علي الهيشري، المتهم بارتكاب 17 تهمة تتعلق بـ«جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب»، يُعتقد أنها ارتُكبت داخل سجن معيتيقة قرب طرابلس بين عامي 2014 و2020.
وذكرت الجريدة أن الهيشري، البالغ 47 عاماً، ظهر خلال جلسات الاستماع التي امتدت من 19 إلى 21 مايو الجاري «جامداً وبارد الملامح»، بينما استعرض الادعاء العام شهادات ووثائق تتحدث عن انتهاكات واسعة بحق مئات المعتقلين، بينهم ليبيون ومهاجرون من دول أفريقيا جنوب الصحراء. ومنحت المحكمة أربعةً وستين ضحية، جميعهم مجهولو الهوية، تمثيلاً قانونياً خلال هذه الإجراءات.
وبحسب الادعاء، فإن الهيشري، الذي كان أحد المسؤولين عن إدارة سجن معيتيقة، أشرف أو شارك بشكل مباشر في عمليات قتل وتعذيب واغتصاب بحق السجناء، فيما وصفته إحدى الضحايا بـ«ملاك الموت». وقالت نائبة المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية، نزهات شميم خان، إن من بين أساليب التعذيب المنسوبة إليه «إطلاق النار على السجناء، خصوصاً في الركبتين والساقين».
أسلوب تعذيب «الدجاجة المشوية»
وتطرقت «لوموند» إلى ما وصفته بأساليب التعذيب «الوحشية» داخل السجن، ومن بينها طريقة تُعرف باسم «الدجاجة المشوية»، حيث يُقيَّد المعتقلون في أوضاع مؤلمة باستخدام قضبان حديدية لتعليق أجسادهم.
- نائبة المدعي العام للجنائية الدولية أمام مجلس الأمن: محاكمة الهيشري خطوة أولى لتحقيق العدالة في ليبيا
- «الجنائية الدولية» تختتم جلسة تأكيد التهم ضد الهيشري.. وتوضح الخطوة التالية
- دفاع الهيشري: «الردع» كيان قانوني.. وموكلنا عمل كفرد أمن في سفارة ليبيا بالمغرب
- «الجنائية الدولية» تسمح بمشاركة 54 ضحية في محاكمة الهيشري
كما نقلت الجريدة عن محامية تمثل معتقلات سابقات قولها إن مجرد سماع صوت المفاتيح في ممرات السجن كان يثير الذعر بين السجينات، لأن ذلك كان يعني اقتراب الهيشري، الذي وصفته الضحايا بأنه «تجسيد للرعب».
وأوضحت «لوموند» أن الجلسات الحالية لا تمثل محاكمة نهائية، بل تندرج ضمن إجراءات «تأكيد التهم»، التي تهدف إلى تقييم قوة الأدلة ومصداقية الاتهامات، مشيرة إلى أن قضاة المحكمة أمامهم مهلة 60 يوماً لاتخاذ قرار إما بتأكيد التهم تمهيداً للمحاكمة، أو تعديلها، أو رفض القضية والإفراج عن المتهم.
اتهامات باستعباد مهاجرين
وأشارت الجريدة إلى أن النيابة العامة اتهمت عناصر قوة الردع، التي كان الهيشري أحد قياداتها البارزين، بـ«استعباد» مهاجرين داخل السجن وإجبارهم على تنفيذ أعمال يومية شاقة، مؤكدة أن آلاف الأشخاص احتُجزوا دون أوامر قضائية أو إجراءات قانونية.
وقالت المحكمة الجنائية الدولية إن قوة الردع، التابعة لوزارة الداخلية في طرابلس آنذاك، كانت تسيطر على سجن معيتيقة، وإنها «تجاهلت بشكل كامل حقوق وكرامة المعتقلين» بهدف ترسيخ «مناخ من الرعب».
في الزنازين المكتظة، أُجبر السجناء على النوم على جوانبهم في وضعية تشبه وضعية السكين، حيث تلتصق أجسادهم ببعضها بإحكام. وحتى للوصول إلى المراحيض، كانوا ينتظرون في طوابير لا تنتهي. ومع قلة الماء والطعام، انتشرت الأمراض والاضطرابات النفسية بين الزنازين.
وحسب الجريدة الفرنسية، تعرض الرجال والنساء والأطفال لمعاملة قاسية من قبل حراس السجن الذين لم يتورعوا عن ارتكاب أي فظائع لإذلال السجناء وتجريدهم من إنسانيتهم. ونقلت نزهات شميم خان عن إحدى الضحايا قولها: «أعتقد أنه لو اعتُقلت مجدداً في المستقبل، لفضلت الموت على العودة إلى هناك».
توقيف الهيشري
وكان الهيشري قد أُلقي القبض عليه في ألمانيا في يوليو 2025 بموجب مذكرة توقيف دولية، فيما يواصل فريق دفاعه نفي جميع الاتهامات، معترضاً على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالنظر في القضية، ومشككاً في مصداقية الشهادات بسبب إخفاء هويات الضحايا.
ويُعد الهيشري أول مسؤول ليبي يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية ضمن التحقيقات المتعلقة بالانتهاكات التي شهدتها ليبيا عقب أحداث عام 2011.
وطعن محامو خالد الهيشري في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالنظر في القضية، كما استنكروا إخفاء هوية الضحايا بحجة أنه يحول دون التحقق من مصداقية شهاداتهم. وأكد الدفاع أن المتهم لا صلة له بالجرائم المزعومة، معتبراً أن الاتهامات غامضة للغاية.
تعليقات