أثارت فاتورة استيراد القمح في ليبيا، التي بلغت نحو 910 ملايين دولار، تساؤلات بشأن دقة بيانات الاستهلاك وحجم الإنفاق الفعلي، في ظل وجود فجوة واسعة بين الاحتياجات المقدرة للبلاد والقيمة المالية المخصّصة للواردات.
وكشف الباحث الاقتصادي الدكتور أوس رقص لـ«بوابة الوسط» أن حجم الإنفاق على واردات القمح لا يتناسب مع عدد سكان ليبيا ولا مع معدلات الاستهلاك المعتمدة دوليًا، ما يعكس خللًا هيكليًا في البيانات الإحصائية وإدارة الموارد.
فجوة بين فاتورة القمح والاستهلاك الفعلي
وأوضح رقص أن استهلاك القمح المسجل في ليبيا «على الورق» يتجاوز المتوسط العالمي بأكثر من 470%، واصفًا هذا المستوى بأنه غير منطقي من الناحيتين الاقتصادية والتغذوية.
وبحسب البيانات المرجعية الدولية، يبلغ متوسط استهلاك القمح عالميًا نحو 67 كيلوغرامًا للفرد سنويًا. واستنادًا إلى هذا المعدل، فإن عدد سكان ليبيا، المقدر بنحو 8 ملايين نسمة، يحتاج إلى قرابة 536 ألف طن من القمح سنويًا.
وأضاف أن «احتساب سعر الطن وفقًا لسعر دولي مرتفع نسبيًا عند حدود 300 دولار، يعني أن إجمالي فاتورة الاستيراد اللازمة لتغطية هذا الطلب لا ينبغي أن تتجاوز 160 مليون دولار سنويًا، بينما تشير الأرقام الفعلية إلى إنفاق يتجاوز 910 ملايين دولار»، لافتًا إلى وجود تفاوت يزيد على 750 مليون دولار.
- القمح أكثر تضررًا.. دراسة لـ«فاو» تكشف سبب تدهور الأراضي الزراعية في ليبيا
- ليبيا تستورد 1.6 مليون طن من القمح الروسي خلال 11 شهرا
- «فاو» ترصد عوامل تراجع إنتاج الحبوب في المناطق الليبية
- توقعات بانخفاض الإنتاج.. مزارعو القمح والشعير حائرون بين حكومتي الدبيبة وحماد
متوسط استهلاك الفرد الليبي خمسة أضعاف المتوسط العالمي
وأشار إلى أن السجلات الرسمية تظهر أن متوسط استهلاك الفرد الليبي من القمح يبلغ نحو 380 كيلوغرامًا سنويًا، أي أكثر من خمسة أضعاف المتوسط العالمي، مؤكدًا أن هذه المؤشرات تعكس فجوة كبيرة بين الاستهلاك الحقيقي والبيانات المعلنة.
فرضية العمالة الأجنبية
وفيما يخص الطروحات التي تُرجع هذه الأرقام المرتفعة إلى وجود عمالة أجنبية كبيرة داخل البلاد، أوضح الباحث في حديثه لـ«بوابة الوسط» أن هذه الفرضية جرى اختبارها حسابيا ضمن سيناريو متشدد للغاية.
وبيّن أنه حتى في حال افتراض تضاعف عدد السكان من 8 ملايين إلى 16 مليون نسمة، وهو تقدير يفوق بكثير الأرقام المتداولة، فإن إجمالي الاستهلاك السنوي وفق المعدل العالمي البالغ 67 كيلوغراما للفرد سيصل إلى نحو 1.07 مليون طن من القمح سنويا.
وأضاف أن «حتى في هذا السيناريو، ومع احتساب سعر دولي مرتفع عند حدود 300 دولار للطن، فإن الفاتورة المنطقية لتغطية هذا الحجم من الاستهلاك لا تتجاوز 320 مليون دولار أميركي".
وأكد أن مقارنة هذا الرقم بالإنفاق الفعلي الذي تجاوز 910 ملايين دولار تُظهر أن الفجوة ما زالت قائمة وبقيمة تفوق 590 مليون دولار أمريكي، وهي فجوة لا يمكن تفسيرها بزيادة عدد السكان أو بوجود عمالة أجنبية فقط.
ودعا الباحث الجهات المسؤولة عن المشتريات العامة والدعم والإحصاءات التجارية إلى تقديم توضيحات دقيقة حول هذه الأرقام، ومراجعة آليات الاستيراد والرقابة.
وتعتمد ليبيا بشكل شبه كامل على القمح المستورد، في ظل محدودية الإنتاج المحلي نتيجة الجفاف وندرة المياه وضعف الاستثمارات الزراعية. وتشير بيانات منظمات دولية، بينها منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، إلى أن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى جزء محدود من الطلب.
تساؤلات حول احتمالية الهدر والاختلالات وتهريب السلع
وتقدَّر واردات ليبيا السنوية من القمح عادةً بما بين 1.3 و1.6 مليون طن، تُستخدم في الغالب لإنتاج الخبز المدعوم، في إطار واحدة من أكبر منظومات دعم الخبز في شمال أفريقيا.
وفي وقت صُمّمت فيه الإعانات لحماية المستهلكين، حذّر اقتصاديون مرارًا من أن ضعف الرقابة قد يفتح الباب أمام الهدر والاختلالات وتهريب السلع عبر الحدود.
وأعاد تحليل رقص تسليط الضوء على هذه الإشكاليات، في وقت تواجه فيه ليبيا ضغوطًا مالية متزايدة، وتقلبات في سعر الصرف، وتحديات متشابكة تتعلق بإدارة المال العام، وفق التقرير.
تعليقات