وصف تقرير فرنسي ليبيا ببلد «يرزح تحت سطوة الميليشيات والقبائل والقوى الأجنبية»، في وضع اعتبره «يخنق أي تطلعات ديمقراطية»، ويحول دون أي أمل في «إعادة توحيد المؤسسات».
ورأت جريدة «لوكوريي انترناسيونال» الفرنسية أن الصراع في ليبيا «لم يعد الصراع على السلطة فحسب»، بل «على شكل الدولة نفسها»، إذ «لم تعد السلطة تُكتسب بالمال أو القوة العسكرية، بل بالسيطرة على المصرف المركزي وحقول النفط». تقرير الجريدة اعتبر أن البلاد تُحكم بنوع من «الفوضى المنظمة»، كما يتضح من الاشتباكات بين الميليشيات في طرابلس، حيث «يسعى كل طرف إلى ترسيخ شرعيته».
في هذا السياق، تذهب الجريدة إلى أن قائد «القيادة العامة»، المشير خليفة حفتر، يرى نفسه «مؤسسًا لنظام جديد» يهدف إلى إنهاء احتكار السلطة التاريخي في طرابلس. أما في الغرب، فيرى رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، عبد الحميد الدبيبة، نفسه «حاميًا لثروة الأمة»، التي يديرها كـ«رجل أعمال لا كرئيس لحكومة انتقالية»، حسب التقرير.
واستعرض التقرير مراحل الانقسام السياسي في ليبيا وصولا إلى تشكيل حكومة الدبيبة في مارس 2021. لكن منذ مارس 2022، دخلت حكومتان في منافسات على السلطة، الأولى في طرابلس، والثانية مدعومة من البرلمان والمشير حفتر.
تقرير: النفط الليبي أصبح «رهينة»
استعرض التقرير الضغوط على القطاع الاقتصادي، إذ بمرور الوقت «لم يعد النفط نعمة»، بل أصبح «رهينة». ففي يوليو 2024، أدى إغلاق حقل الشرارة - الذي كان ينتج 300 ألف برميل يوميًا - إلى خسائر بلغت 1.5 مليار دولار. وترى الجريدة أن هذه العملية صُممت كـ«رسالة لتذكير الخصم بمن يسيطر فعليًا على محرك الاقتصاد الليبي». وأضافت: «عندما يصبح فتح وإغلاق الصمامات ورقة مساومة، تصبح الجغرافيا أداة ضغط، وتتحول المصافي إلى وزارات ظل، وأقوى من الحكومة الفعلية».
- مجلة تابعة لـ«أفريكوم» تثير قضية صراع «الميليشيات» الليبية على السلطة
- باحثة أوروبية تحذر من تحول الأزمة السياسية في ليبيا إلى «وضع مستدام»
في الجهة المقابلة، بالجنوب، رسّخ التبو والطوارق مكانتهما كـ«شريكين سياسيين لا غنى عنهما» بفضل سيطرتهما على الحدود. أما في الغرب، فتبدو طرابلس العاصمة أشبه بـ«فسيفساء» من الأراضي التي تسيطر عليها ميليشيات متنافسة. وعلى حد تعبير التقرير «لا شيء في ليبيا يوحي بوجود دولة، فالحكومة أشبه بميليشيا، والجيش أشبه بفصيل، والحدود مجرد خطوط مرسومة على الرمال، مهددة بالزوال مع أدنى عاصفة».
أما القوى الأجنبية، من جهتها، فتدرك دورها تماما، حيث تراقب القاهرة الحدود بحثاً عن أي خطر، وتراقب أنقرة طرابلس لـ«تعزيز سيطرتها على البحر الأبيض المتوسط»، بينما يخيم ظل موسكو على المناطق الشرقية من خلال مجموعة «فاغنر»، حيث يسعى الكرملين إلى بسط نفوذه على هذه المنطقة بمواردها التي لا تقدر بثمن.
تقرير: «الأمم المتحدة فقدت دورها كوسيط»
من جهة أخرى، يرى التقرير أن «الأمم المتحدة فقدت دورها كوسيط»، وأصبحت «مجرد عنصر ثانوي» في المعادلة، حيث يشهد مبعوثوها «العاجزون» على هذا الفشل المزمن ذي التداعيات الدولية. ومع تجدد مناقشاتها حول مستقبل البلاد، يبدو أن الأمم المتحدة «مصممة على تكرار السيناريو نفسه»، وإن كان في سياق مختلف تمامًا، فالوساطة – بحسب التقرير - «ليست سوى إجراء بيروقراطي شكلي»، ويبدو أن الأزمة، تحت ستار «المشاركة الشعبية»، قد عادت إلى نقطة الصفر، حسب الجريدة.
ومع تراجع العملية السياسية، وتحت تحذيرات مبعوث الأمم المتحدة، يُنظر إلى الانتخابات على أنها «وسيلة لتأجيل المواجهة»، على الرغم من أن كلا الجانبين يعلمان تماماً أن الحرب ستعقب التصويت.
الفوضى في البحر المتوسط
في غضون ذلك، تُؤجّج أوروبا الفوضى في البحر الأبيض المتوسط بعقدها اتفاقيات مع المجموعات المسلحة المحلية للحد من الهجرة - على غرار اتفاقية إيطاليا لعام 2023 - ما يمنح هذه الجماعات فعلياً نفوذاً خارج حدودها. لكن هذا لا يمنعها من التساؤل عن أسباب الانقسام في ليبيا.
أما المواطنون، فهم من يدفعون الثمن وفق التقرير. ففي سبها، بات عليهم الانتظار ساعات للحصول على لتر واحد من البنزين، وارتفع سعر الخبز 60% بسبب تقلبات العملة، وذلك في وقت الذي تتعامل فيه السلطات مع الوضع بمنطق بارد، بينما تعم الفوضى المكان.
وأوردت الجريدة الفرنسية وجود انقسام ثالث خفيّ يقسم البلاد إلى معسكرين، «معسكر يسعى إلى إدامة حكم القبائل والسلاح»، ومعسكر آخر، لم يُعلن موقفه بعد، يسعى إلى سيادة القانون بما يليق بموارد البلاد الهائلة. هذا الجدل يراه التقرير هو «ما يُبقي ليبيا على قيد الحياة كجرحٍ يرفض الالتئام، لأنه يُذكّر الجسد باستمرار بوجوده».
وفي رأي المصدر، دون إنشاء آلية إشراف دولية انتقالية لإدارة عائدات النفط بشفافية، «لن تُستخدم موارد البلاد إلا لتأجيج الانقسامات». وفي غياب مبادرة إقليمية «تضم مصر وتركيا وروسيا»، لحسم الصراع على السلطة، سيستمر الشرق والغرب في التعايش كدولتين غير معترف بهما.
وحسب التقرير، باتت ليبيا اليوم «ليست مجرد دولة تعاني أزمة»، بل هي أيضاً بمنزلة حقل تجارب لإعادة تعريف الدولة المنهارة، لذا «فإن السؤال ليس متى ستستعيد ليبيا وحدتها، ولا من سيقودها، بل هل يمكنها أن تصبح يوماً ما دولة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة أم أنها ستبقى عالقة في هذا الوضع الراهن؟».
ويكمن الخطر الحقيقي أن يجرى تقبل ليبيا على حالها اليوم، دولة تحكمها مؤسسات متداعية، وأن تصبح الانقسامات هي القاعدة لا الاستثناء، وفق التقرير.
وتُظهر الأحداث الأخيرة، كإعادة فتح مطار سرت على الرغم من الأضرار الجسيمة به، والاتفاقيات المبرمة مع الميليشيات لإدارة طرق الهجرة، أن ليبيا ليست في حالة جمود، إذ لم تعد تلك الفوضى مرحلة انتقالية، بل هي عقلية جديدة، أو كما اختتمت الجريدة بوصفه «فن البقاء على قيد الحياة».
تعليقات