تزامنًا مع الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان، تبرز في ليبيا صورة معقدة لواقع الحريات والحقوق الأساسية، تتجاوز مجرد الشعارات إلى تحديات حقيقية تواجه المواطنين والمدافعين عن حقوقهم، على حدّ سواء، خاصة في ظل الانقسامات السياسية والأمنية المتواصلة منذ عام 2011، حيث تتشابك المعاناة اليومية لليبيين مع ضعف مؤسسات الدولة، وانتشار الاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، وتقييد حرية التعبير والعمل المدني، ما يضع حقوق الإنسان في قلب أزمة عميقة، تتطلب تحركاً فورياً على الصعيدين الوطني والدولي.
وفي مداخلات مع برنامج «وسط الخبر»، المُذاع على «قناة الوسط» (Wtv)، اتفق خبراء، من حقوقيين وباحثين، على أن الانتهاكات المستمرة وانعدام المحاسبة يسهمان في تفاقم الوضع، وأن غياب حماية قانونية فعّالة للمواطنين والصحفيين والمجتمع المدني يؤكد أن ليبيا لم تزل بعيدة عن تحقيق المعايير الحقوقية التي تضمن الكرامة والعدالة للجميع.
الدولة عاجزة عن حماية حقوق الإنسان.. ولا بد من محكمة مختلطة
تحدث أستاذ العلوم السياسية رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، الدكتور عبد المنعم الحر، عن قضايا الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والقتل خارج إطار القانون في ليبيا، مشيرًا إلى أن الدولة الليبية لا تزال عاجزة عن بناء نظام فعال لحماية حقوق الإنسان في ظل الانقسام وتعدد السلطات، ما يؤدي إلى تزايد الانتهاكات.
وأضاف الحر: «لقد تكررت انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا بشكل مستمر، ولم يجر اتخاذ إجراءات حقيقية من قِبل السلطات لمعالجة هذه القضايا، والسلطات الليبية لم تولِ حقوق الإنسان أي اهتمام حقيقي. نحن نشهد تزايدًا في الانتهاكات مثل الاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، بالإضافة إلى تزايد الهجرة غير النظامية والاتجار في البشر».
وتابع أن ليبيا انضمت إلى العديد من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، لكن «الفجوة بين النظرية والتطبيق لا تزال كبيرة»، لافتًا إلى أن «العديد من الاتفاقيات الدولية لم تُترجم إلى قوانين داخلية فعّالة، والسلطات، للأسف، لم تتخذ خطوات حقيقية لتحقيق تلك المعايير».
ووصف الدكتور عبد المنعم الحر الدولة الليبية بأنها «دولة فاشلة: الميليشيات تسيطر على جميع المؤسسات الأمنية والعسكرية، ولا يوجد هيكل موحد للسلطة، وهذا الوضع يعقد أي محاولة لتحقيق العدالة أو محاسبة مرتكبي الانتهاكات».
وعن الحلول المقترحة، شدد الحر على ضرورة «إنشاء محكمة مختلطة بين القضاء الليبي والدولي، لمحاكمة مجرمي الحرب، لكن هذا يتطلب توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية أولًا».
- في يوم حقوق الإنسان.. «الصحة العالمية» تدعو دول شرق المتوسط لمساعدة الفقراء
- اللافي يشارك في الاحتفال بالذكرى 77 لإعلان حقوق الإنسان
تحديات المجتمع المدني في بيئة قمعية
من جهته، تحدث الحقوقي والباحث في مجال حقوق الإنسان رمضان معيتيج عن التحديات التي يواجهها المجتمع المدني في ليبيا، موضحًا أنه «في ظل التضييق الأمني والقيود المفروضة على العمل المدني، مثل إغلاق المنظمات وفرض قيود على التمويل، تجرى عرقلة دور المجتمع المدني في مراقبة الانتهاكات وتوثيقها».
وقال معيتيج: «القوانين التي أُقرّت خلال النظام السابق لا تزال سارية حتى اليوم، وتُعيق تشكيل منظمات المجتمع المدني بحرية، وهذه القيود تُضعف قدرة المجتمع المدني على القيام بدوره في مراقبة حقوق الإنسان. كما أن خطاب التخوين ضد النشطاء الحقوقيين أصبح منتشرا بشكل كبير، مما يزيد من حالة الخوف والتوجس».
وأضاف: «المجتمع المدني في ليبيا لم يعد قادرًا على لعب دور فاعل بسبب التضييق المستمر من قِبل السلطات. حتى المنظمات التي كانت تعمل في إطار مفوضية المجتمع المدني توقفت تمامًا عن أداء دورها الرقابي».
الصحفيون والمرأة تحت تهديدات مستمرة.. وغياب التشريعات السبب
اتفقت الحقوقية والباحثة ممثلة الشبكة العالمية للحقوق في ليبيا زاهية المنفي مع الرأي السابق، مشيرة إلى وضع المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين بليبيا في ظل «التهديدات المستمرة، والاختطاف، والاعتقال بسبب الرأي، وأن هذه الظروف تعكس غياب الحماية للعمل الحقوقي في البلاد».
وقالت المنفي: «نعيش اليوم في بيئة من العنف والقمع، حيث يتعرض الصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان للاعتقال والتهديدات بشكل مستمر، وهناك تقارير عديدة تتحدث عن استهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، مثل حادثة الصحفي حسام القماطي، الذي تعرضت عائلته للاعتداء بسبب عمله في توثيق الانتهاكات».
وأضافت: «المجتمع المدني في ليبيا أصبح في حالة شلل، ولا يستطيع حتى حضور اللقاءات الدولية أو تقديم تقارير عن حالة حقوق الإنسان في البلاد، والحقوق الأساسية، مثل حرية التعبير وحق المواطنين في المشاركة السياسية، لا تزال مهددة في ظل الواقع الحالي».
وتطرقت المنفي إلى غياب التشريعات الرادعة لحماية المرأة والفئات الهشة في ليبيا، مثل كبار السن والنازحين، قائلة: «هناك نقص كبير في الحماية القانونية للمواطنين، خاصة النساء والأطفال، في ظل تصاعد العنف الأسري، فلم نشهد أي جهود جدية من الدولة لتوفير حماية للنازحين والمهجرين داخليًا، أو لمكافحة الاتجار في البشر».
تعليقات