على مدى الأسابيع الأخيرة لم تهدأ مظاهر تحشيد القوات والأسلحة الثقيلة في محيط طرابلس؛ حيث جرى رصد آليات عسكرية قدمت من مدينة مصراتة، ما جعل كثيراً من الليبيين، وفي مقدمتهم سكان العاصمة، يخشون اندلاع حرب تستهدف «جهاز قوة الردع» المتمركز في قاعدة معيتيقة العسكرية شرق طرابلس؛ حيث يتمركز مقره الرئيس وله نفوذ على الأرض في مناطق عدة من العاصمة، بينما تواصل قوة فض النزاع التابعة لرئاسة الأركان العامة لحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» انتشارها في تقاطعات الطرقات الرئيسية وسط العاصمة.
وعبر أهالي تاجوراء الملاصقة لقاعدة معيتيقة عن رفضهم أن تكون منطقتهم ممراً للقوات المسلحة القادمة من ناحية الشرق، في إشارة إلى القوات الوافدة من مصراتة، وحذروا من أن تمركز أي قوة بينهم يعد اعتداء على السكان. أما أهالي سوق الجمعة المجاورة فأعلنوا في بيان مماثل تضامنهم مع جارتهم تاجوراء، ورفضوا إشعال فتيل الحرب في العاصمة، مطالبين البعثة الأممية بالتدخل وإيجاد حلول عاجلة تحول دون انزلاق المدينة نحو مواجهة مسلحة جديدة
مفاوضات مكثفة بين حكومة الدبيبة و«الردع»
وتناقلت مصادر محلية متطابقة معلومات عن مفاوضات مكثفة تجرى عبر وسطاء من الطرفين «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» وجهاز «الردع» الذي يقوده عبدالرؤوف كارة، دون الإعلان عن اختراق واضح لاحتواء حدة التوتر ومنع اندلاع مواجهات محتملة.
ولفتت بعثة الأمم المتحدة إلى هذه المفاوضات بإشراف المجلس الرئاسي، ودعت الأطراف المعنية إلى مواصلة «الانخراط في تلك المفاوضات ومناقشة القضايا المتبقية بحُسن نية»، وفق بيان لها حذرت فيه أيضاً من أن أي صراع جديد لا يهدد أمن طرابلس فحسب؛ بل قد يمتد إلى مناطق أخرى في البلاد، مؤكدة مواصلة دعمها لجهود الوساطة، وعرض مساعيها الحميدة للانخراط بشكل مباشر في هذه المفاوضات.
تيتيه قلقة بشأن الوضع في طرابلس
رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه عبرت عن قلقها «العميق» إزاء الأوضاع الأمنية المتوترة في طرابلس، وقالت إن الاجتماع الذي عقدته، مساء الثلاثاء، بحضور نائبتها للشؤون السياسية ستيفاني خوري مع لجان تواصل وأعيان من مدن ومناطق في الغرب الليبي عكس مخاوف واضحة من استمرار التوتر داخل طرابلس.
يدفع مجلس الأمن والبعثة الأممية بخريطة طريق العملية السياسية وسط أجواء توتر أمني تعيشه العاصمة بشكل خاص، ومحاولة منع تطور الأمر لتفادي الصدام المسلح الذي ينسف اتفاق وقف إطلاق النار الصامدة نسبياً منذ أكتوبر 2020.
وفي السياق، أكّد المتحدث باسم البعثة الأممية محمد الأسعدي وجود نقاط عالقة لم يُحددها تحول دون التوصل إلى اتفاق، مشيراً في تصريحات متلفزة إلى تلقي البعثة ما وصفه برسائل مطمئنة، في ظل استمرار الوساطات المحلية لتجنب الحرب.
الرئاسي يرفض تحويل ليبا إلى «ساحة لتسوية الحسابات»
واستبق رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي لقاءه تيتيه بتشديد اللهجة بشأن التحشيدات والتوتر في العاصمة؛ إذ أكدت لجنة الترتيبات الأمنية والعسكرية بالمجلس الرئاسي بصفة المجلس القائد الأعلى للجيش أهمية الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار باعتباره أساساً للحفاظ على الأرواح والممتلكات، وضمان استمرار العملية السياسية والأمنية، وأن أي نشاط خارج الأطر الرسمية يعد مخالفة جسيمة للقوانين والاتفاقات النافذة.
وفي تلميح واضح لرفضه حرب الدبيبة على قوة الردع، قال بيان الرئاسي «نرفض أن تكون ليبيا ساحة لتصفية الحسابات أو فرض الإرادات بالقوة، وأن الحل يكمن في الالتزام بالمسارات المتفق عليها، وبالتعاون الصادق بين المؤسسات الوطنية كافة».
- «تيتيه»: بدأنا تنفيذ خريطة الطريق وندعم «الرئاسي» لجهود التهدئة
- الرؤية الأميركية و«خريطة تيتيه».. جدل حول لقاء صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة
- «مجموعة العمل الأمنية» تدعو لتسوية عاجلة واتفاق ملزم بين «حكومة الدبيبة» و«الردع»
- «مجلس الأمن» يرحب بخريطة تيتيه ويدعو الأطراف الليبية للانخراط فيها
- للاطلاع على العدد «511» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ويوم الأربعاء بحث المنفي مع الممثلة الخاصة للأمين العام رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ونائبة رئيسة البعثة للشؤون السياسية ستيفاني خوري التحديات التي تواجه جهود التهدئة في طرابلس، وسبل التسوية السياسية في ليبيا.
في هذا المناخ الذي يطغى عليه التشويش والغموض أكدت هانا تيتيه، مساء الأربعاء، أن البعثة الأممية شرعت فعلياً في تنفيذ بنود الخريطة الأممية الخاصة بالانتخابات. وكشفت أن نائبتها ستيفاني خوري عقدت اجتماعاً مع رئيس المجلس الأعلى للدولة لمناقشة مسألة تعيين أعضاء إضافيين في المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، باعتبارها خطوة أساسية تقع ضمن صلاحيات المجلس، في وقت أجرت البعثة اتصالات مع مجلس النواب بشأن الإصلاحات التشريعية المقترحة، فضلاً عن تواصلها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة لدفع لجنة «6+6» إلى استئناف عملها.
مجلس الأمن يدعم «خريطة تيتيه»
وعلى المستوى الدولي وفي أول موقف مشترك منذ إحاطة تيتيه الأخيرة قبل أسبوعين، دعا أعضاء مجلس الأمن الدولي الأطراف الليبية إلى المشاركة الكاملة ودون شروط مسبقة في عملية سياسية بقيادة وملكية ليبية بتيسير من بعثة الأمم المتحدة في البلاد، ورحب الأعضاء في بيان صحفي أصدروه مساء الأربعاء بخريطة طريق تيتيه للمضي قدماً في عملية سياسية بقيادة وملكية ليبية ومن بين أهدافها إنهاء الفترة الانتقالية، وتحقيق تقدم في اتفاق المؤسسات الموحدة، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ونزيهة وشفافة وشاملة، في غضون إطار زمني إجمالي قدره 18 شهراً، وبالتوازي مع ذلك، عقد حوار منظم مع الجهات الفاعلة المؤسسية الليبية والشعب الليبي.
وفيما لم يذكر المجلس الإجراءات المقررة في حال تعرض العملية السياسية لعرقلة، استعرضت بعثة الأمم المتحدة للدعم ثلاث ضمانات توفرها لضمان التزام الأطراف الليبية بمخرجات خريطة الطريق بما في ذلك فرض عقوبات، لافتة إلى أن فرض العقوبات من اختصاص مجلس الأمن الدولي والدول الأعضاء حصراً، لذلك تعمل البعثة بشكل وثيق مع «الشركاء الدوليين» لضمان محاسبة الأطراف المعرقلة.
«لقاء روما» بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة
وليس بعيداً عن كل هذا كانت روما مقر لقاء غير معلن، الثلاثاء، جمع صدام نجل المشير خليفة حفتر ونائبه في «القيادة العامة» ومستشار الأمن القومي الخاص لرئيس «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» إبراهيم الدبيبة بحضور مستشار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي مسعد بولس.
ونقلت تقارير إعلامية إيطالية أن اللقاء تناول ملفات سياسية وعسكرية وأمنية إلى جانب قضايا الطاقة التي تشكل محوراً أساسياً في العلاقات بين الشرق والغرب في ليبيا، كما جاء اللقاء في سياق القلق من تجدد التوترات المسلحة في طرابلس، ومساعي الأمم المتحدة للدفع نحو تشكيل حكومة موحدة قادرة على تجاوز الانقسام السياسي. وكانت مدينة ريميني الإيطالية قبلها بيومين استضافت أربعة أعضاء من مجلسي النواب والدولة في اجتماعات غير رسمية مع أعضاء من مجلس الشيوخ والبرلمان الإيطالي بهدف تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية.
استمرار التوترات في العاصمة
لكن قلق سكان العاصمة طرابلس لم يتوقف مع تخوفهم من أن يفلت زمام الأمور من أيدي طرفي النزاع «حكومة الدبيبة» و«جهاز الردع»، سيما أن مظاهر الاستنفار المسلح ما زالت كما هي في عديد أحياء العاصمة متمثلاً في انتشار آليات وسيارات عسكرية ونقاط استيقاف، وسماع بعض إطلاقات النار تبدو كأنها استعراضية أو تحذيرية بين حين وآخر، في وقت لم يتبلور أي شكل من أشكال التوصل إلى اتفاق واضح ومحدد لنزع أسباب التوتر القائم.
ولم تتسرب معلومات مؤكدة عن أي تنازل من الطرفين المعنيبن يتعلق بشروط التهدئة، فما زالت حكومة الدبيبة، عبر تصريحات الأخير، متمسكة بمطالب أبرزها تسليم مطار معيتيقة للجهات المختصة في الحكومة، وتسليم المطلوبين من قبل النائب العام، والتخلي عن سجون معيتيقة وتسليمها إلى وزارة العدل، وكان الدبيبة نفسه أصدر قراراً بحل جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، لكن هذه المطالب قوبلت بالرفض من قبل جهاز الردع؛ حيث اعتبرها تستهدفه خصيصاً، وتغض الطرف عن أجسام مسلحة أخرى موالية للحكومة، كما رد على قرار حله بأن الجهاز يتبع المجلس الرئاسي، ومثل هذا القرار لا يدخل ضمن اختصاصاته.
تعليقات