Atwasat

«فايننشال تايمز» تنشر تحقيقا موسعا عن الفساد النفطي في ليبيا

القاهرة - بوابة الوسط السبت 22 مارس 2025, 01:57 صباحا

ألقت جريدة «فاينانشيال تايمز» الضوء على ممارسات تهريب خام النفط من ليبيا من خلال نظام مقايضة الخام مقابل الوقود، مشيرة إلى أن العائدات التي يولدها هذا النظام ساهمت في دعم الفصائل السياسية المتنافسة، وتعطيل جهود الأمم المتحدة لإجراء الانتخابات في ليبيا، ومحاربة الفساد وتوحيد البلاد تحت قيادة حكومة موحدة، إضافة إلى أنه عزز الحكومات المتنافسة والتشكيلات المسلحة وهو ما عمق الانقسام في ليبيا.

BCD Ad BCD Ad

وفيما أشار التقرير إلى المساعي المحلية والدولية لإنهاء ممارسات الفساد في القطاع النفطي بليبيا، استبعدت الجريدة أن يسفر ذلك عن نهاية قريبة لتلك الممارسات، مشيرة إلى أن الفصائل السياسية وجدت وسيلة للتعايش مع بعضها والتربح من نظام مقايضة الخام مقابل الوقود.

أنشطة التهريب تدعم الاستقرار
في هذا الصدد، قال الباحث في معهد «تشاتام هاوس» تيم إيتون إن «عائدات أنشطة التهريب كانت داعمة للاستقرار الذي نشهده في ليبيا في الوقت الراهن، وذلك لأن الأطراف المختلفة تتربح».

من جانبه، قال مدير التحقيقات في مؤسسة «ذا سنتري» للتحقيقات، تشارلز كاتر: «في الوقت الذي تواجه فيه أجزاء واسعة من البلاد نقص متكرر في الوقود، يبدو أن الحكام في ليبيا راضون عن هذا المخطط الضخم لمقايضة الخام مقابل الوقود».

وفي حين أصدر النائب العام الصديق الكبير قرارا بفتح تحقيق في ممارسات تهريب الوقود، استبعد تقرير «فاينانشيال تايمز» أن يسفر ذلك عن إنهاء ممارسات استغلال الثروة النفطية في ليبيا.

وأشار إلى ما ورد في تقرير لجنة الخبراء الأممية بشأن ظهور شركة جديدة تحمل اسم «أركينو» لتصدير النفط، وهي الشركة النفطية الخاصة الأولى التي تنخرط في أنشطة التصدير خارج المؤسسة الوطنية للنفط. وتملك الشركة، بحسب التقرير، روابط مع المجموعات المسلحة في شرق البلاد.

وفي هذا الصدد، قالت الباحثة في مجموعة الأزمات الدولية، كلوديا غازيني، إن «تهريب الوقود غير المكرر يخلق للنخبة في البلاد أساليب جديدة للتربح بشكل مباشر. في البداية كان الأمر عبارة عن تهريب على نطاق صغير، ثم على نطاق أوسع، ثم أصبح الأمر: يمكننا زيادة كميات الوقود، والآن: يمكننا تصدير النفط الخام مباشرة».

«وسيلة للتعايش» بين الفصائل المتنافسة
ولطالما كان الوصول إلى الثروة النفطية للبلاد في قلب المنافسة بين الفصائل السياسية المختلفة منذ الإطاحة بمعمر القذافي بالعام 2011. وخلال السنوات الماضية، يبدو أن الحكومات المتنافسة وجدت طريقة لـ«التعايش من خلال مشاركة عائدات تهريب المنتجات النفطية المدعومة بشكل كبير»، حسب «فاينانشيال تايمز».

وخلص أحدث تقرير للأمم المتحدة إلى أن تهريب الوقود من ميناء بنغازي القديم أتاح للقوات التابعة للمشير حفتر «وصولا غير مباشر إلى الأموال العامة»، بينما سيطرت الجماعات المسلحة في طرابلس والزاوية «بشكل مباشر على قطاعات اقتصادية رئيسية ومؤسسات حكومية ذات صلة لتهريب كمية كبيرة من الديزل».

كما وجد أن الشركة العامة للكهرباء في ليبيا، وهي شركة مملوكة للدولة مسؤولة عن توليد ونقل وتوزيع الكهرباء، هي «المصدر الرئيسي» للديزل المهرب خارج البلاد. ولم تستجب الشركة لطلب «فاينانشيال تايمز» للتعليق.

ونتيجة لذلك، أظهرت بيانات نشرتها شركة «كبلر» للاستشارات السلعية أن حجم واردات المنتجات البترولية النظيفة تضاعف تقريبا من 5.5 مليون طن في العام 2020، قبل بدء نظام المقايضة، إلى 10.35 مليون طن في العام 2024.

كما تشير بيانات «كبلر» إلى أنه في عامي 2023 و2024، جاءت نسبة كبيرة من واردات ليبيا من روسيا، التي تُمنع منتجاتها النفطية من الوصول إلى الأسواق الأوروبية بسبب الحرب في أوكرانيا.

تعليقا على تلك البيانات، قال كاتر من مؤسسة «سنتري» إنه «خلال تلك الفترة لم يشهد الاقتصاد الليبي سوى تغيير ضئيل لن يؤدي إلى تلك الزيادة الكبيرة في الطلب على الوقود»، مضيفا أن «الزيادة في الواردات يمكن أن يُعزى بشكل كبير إلى تهريب الوقود عبر الحدود».

وقال أستاذ المالية والرئيس السابق للشركة العربية الليبية للاستثمارات الخارجية، خالد زنتوتي، إن «الطلب الرسمي على الوقود في ليبيا العام 2023 بلغ 11 مليون طن. وهذا يعني أن متوسط استهلاك الوقود للمواطن الليبي يبلغ نحو ألفي لتر، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، ومرتين استهلاك المواطن السعودي المتوسط».

بدوره قال دبلوماسي غربي ذو خبرة في الشأن الليبي إن «صادرات بنغازي تقدر بملايين الدولارات»، ويتفق مع تقييم الأمم المتحدة بأن القوات التابعة لحفتر متواطئة في هذه الشحنات.

شركات غير مسجلة
ورفعت الزيادة في الواردات تكلفة الدعم في اقتصاد ليبيا المتأزم. ففي خطاب إلى الدبيبة في مارس العام 2024، قال محافظ المصرف المركزي وقتها، الصديق الكبير، إن «التكلفة السنوية لواردات الوقود البالغة 8.5 مليار دولار تفوق احتياجات البلاد»، وأشار إلى أن الدعم تضاعف ثلاث مرات ليصل إلى 12.5 مليار دولار بين عامي 2021 و2023. وبلغت حصة دعم الوقود 8.4 مليار دولار من هذا الإجمالي السنوي.

كما بدأ ديوان المحاسبة تحقيقا العام الماضي. وكان من أهم نتائجه، الواردة في تقرير غير منشور حصلت عليه «فاينانشال تايمز»، أن واردات البلاد من الوقود بموجب مخطط المبادلة بلغت قيمتها 8.5 مليار دولار في العام 2023، مع تصدير أكثر من 8 مليارات دولار من النفط الخام لدفع ثمنها.

وجاء في نتائج التقرير: «وظفت ثماني شركات في التداول، ولا يُعد أي منها من كبار منتجي النفط أو مجموعات تداول السلع الأساسية، جميعها كيانات حديثة التأسيس وليس لها تاريخ يُذكر في صناعة النفط العالمية»، زاعما كذلك أنها «لم تخضع لإجراءات التأهيل المسبق القياسية ولكن قبلت وسجلت مباشرة بناء على توصية من رئيس مؤسسة النفط الوطنية».

وكشف كذلك أن غالبية الشركات الواردة في التقرير مقرها الإمارات، حيث يصعب الحصول على معلومات حول الملكية النهائية. وكانت شركة «غالف أبستريم أويل آند غاز كونسلتينج»، التي تأسست بالعام 2012، هي الشركة صاحبة أكبر حصة من واردات الوقود. ولم تستجب الشركة لطلبات «فاينانشال تايمز» للتعليق على هذا الأمر.

- مؤسسة النفط تنفي صحة تقرير «أفريكا إنتليجنس» بشأن «شبكات تهريب النفط»
- «تحقيقات»: ليبيا وتهريب النفط إلى أوروبا؟
- «أفريكان إنرجي» تسلط الضوء على تهريب النفط الليبي مستشهدة بـ«الوسط»
تقرير جديد للخبراء الأمميين يكشف متورطين في انتهاك حقوق الإنسان وتهريب النفط في ليبيا

وقالت «فاينانشيال تايمز» إن «هيمنة الأطراف الإقليمية بدلا من الدولية في نظام المقايضة بشكله الراهن يعتبر سيئ السمعة في عديد من الأوساط». ونقلت عن أحد المدراء التنفيذيين النشطين في ليبيا إنه «كان على الليبيين البحث عن طرف أقل تحفظا من حيث المخاطرة».

وأضافت الجريدة أن من بين الشركات الوارد اسمها في تقرير ديوان المحاسبة هي شركة تجارة السلع التركية «بي جي إن»، يديرها الرئيس التنفيذي رويا بايجان. وبحسب التقرير، فقد حصلت ثلاث شركات تابعة لها ما قيمته 2.7 مليار دولار من الخام في 2023 بموجب نظام المقايضة، ما يمثل 30% من حجم التجارة.

لا نهاية قريبة للفساد النفطي 
ويرى تقرير «فاينانشيال تايمز» أنه لا توجد مؤشرات على نهاية قريبة لإساءة استخدام الثروة النفطية في ليبيا نتيجة الضغط المحلي أو الدولي.

وأشار إلى خطاب مرسل منتصف يناير الماضي من مكتب النائب العام، اطلعت عليه الجريدة، أمر مؤسسة النفط الوطنية «بالتوقف فورا عن ممارسات مقايضة النفط مقابل الوقود، واعتماد آليات تعاقد تضمن الشفافية في اتفاقات توريد الوقود»، ولفت أيضا إلى أن تهريب الوقود قد ارتفع بسبب نظام المبادلة، الذي أكد أنه «لا يضمن المصلحة العامة».

ونقلت الجريدة عن دبلوماسي غربي: «لقد تصاعد الضغط الدولي والداخلي. وربما دفع هذا مختلف الأطراف المستفيدة من النظام إلى اعتبار هذا هو الوقت المناسب للتوقف. فالخطر عليهم أكبر من نفعهم».

كما رجح مراقبون استمرار تدفق العائدات التي يولدها نظام مقايضة الخام مقابل الوقود حتى بالرغم من الجهود المبذولة للقضاء عليه. ويشير البعض إلى شركة «أركينو أويل»، التي تأسست بالعام 2023، والتي صدرت عدة شحنات نفطية منذ أوائل العام 2024.

48 ناقلة نفطية تتورط في تهريب النفط
وسبق وكشف أحدث تقرير صدر عن لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة ديسمبر الماضي تفاصيل تهريب خام النفط من ليبيا من خلال أسطول من 48 ناقلة نفطية. وخص بالذكر ناقلة باسم «ماردي» تحمل علم الكاميرون قال إنها أجرت 14 زيارة إلى ميناء بنغازي القديم وهربت أكثر من 13 ألف طن من الوقود بين شهري مارس العام 2022 وأكتوبر العام 2024.

وكشف التقرير أن الوقود المستورد في ليبيا بأسعار مخفضة يجرى تهريبه إلى الخارج ليعاد بيعه بأسعار السوق السوداء باستخدام وثائق مزورة، مؤكدا أن هذا النظام ينتج ما وصفه بـ«تدفق ثابت من العائدات المالية» للمجموعات المسلحة المرتبطة بالفصائل المتنافسة التي تسيطر على البلاد، أبرزها رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة في طرابلس، والآخر هو قائد «قوات القيادة العامة» المشير خليفة حفتر في شرق البلاد.

 هذا الموضوع من ترجمة: جمعة بوكليب وهبة هشام 

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
مسؤول أميركي لـ«سيمافور»: مبادرتنا في ليبيا ليست بديلًا عن المسار الأممي
مسؤول أميركي لـ«سيمافور»: مبادرتنا في ليبيا ليست بديلًا عن المسار...
خبراء يحذرون من «صفقة النخب» في ليبيا.. هل تقوض المبادرة الأميركية مسار الانتخابات؟
خبراء يحذرون من «صفقة النخب» في ليبيا.. هل تقوض المبادرة ...
العابد يتابع استعدادات إطلاق مرحلة جديدة من برنامج «التدريب المتنقل»
العابد يتابع استعدادات إطلاق مرحلة جديدة من برنامج «التدريب ...
حالة الطقس في ليبيا (الخميس 16 يوليو 2026)
حالة الطقس في ليبيا (الخميس 16 يوليو 2026)
«الأرصاد» يحذر من رياح نشطة على الساحل من درنة إلى طبرق
«الأرصاد» يحذر من رياح نشطة على الساحل من درنة إلى طبرق
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم