في حين يحتفل العالم في 10 مارس من كل عام بـ«اليوم العالمي للقاضيات»، لتعزيز المشاركة المتساوية والكاملة للمرأة على مختلف مستويات القضاء، نجحت المرأة الليبية في دخول السلك القضائي بقوة، وأثبتت جدارتها ونجاحها في هذه المهمة التي كانت مرتبطة بشكل كبير لدى الذهن المجتمعي بأنها مهنة رجال وفقط، لكن النجاح الكبير الذي حققته العديد من القاضيات الليبيات رسم خطوطا عريضة لمواصلة مسيرة النجاح للقاضيات الليبيات.
«الوسط» حاورت أول قاضية في ليبيا رفيعة العبيدي، ومجموعة من القاضيات، لسرد تجاربهن، وأهم العراقيل التي واجهتهن، وكيف تغلبن عليها، كما حاورت وزيرة الدولة لشؤون المرأة في حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، د. حورية الطرمال، التي أكدت أن «تعزيز دور المرأة في القضاء يُسهم في تطوير النظم القانونية».
تقول أول قاضية في ليبيا، رفيعة العبيدي، إن دور المرأة في السلك القضائي، الذي ظل في المجتمع حكراً على الرجل وحده، هو إحقاق الحق بين الخصوم، وإنزال حكم القانون علي ما يفعله الأفراد في حياتهم اليومية تحقيقاً للعدالة التي ينشدها الجميع. لكنه أشارت إلى أنها واجهت خلال تجربتها بعض الصعوبات في عملها، على رأسها ثقافة الأفراد الذين جبلوا عبر التاريخ على اعتبار أن القضاء بين الناس إنما هو من عمل الرجال.
و«العبيدي» هي أول قاضية في ليبيا، وامتدت مسيرتها في السلك القضائي لـ47 عاما، بدأتها كباحثة قانونية في إدارة قضايا الدولة إلى أن أصبحت رئيسا للدائرة الجنائية بالمحكمة العليا، وفق تصريحاتها إلى «الوسط».
«الثقافة المجتمعية كانت أصعب ما واجهته»
وترى «العبيدي» أن الثقافة المجتمعية باعتبار أعمال القضاء من تخصصات الرجال كانت أصعب ما واجهته عندما بدأت ممارسة عملها كقاضٍ، مع محاولة إقناع المتخاصمين بقبول أن تقضي بينهما امرأة فيما هم فيه يختصمون عبر اتخاذ مسلك يبث الطمأنينة في نفوسهم، ويبعد عنهم الشك في عدم قدرتها علي القيام بدورها كقاضٍ يعطى لكل ذي حق حقه دون تحيز لجنس أو لون أو عرق.
وأضافت أن الصعوبات الأخرى التي واجهتها كانت تتمثل في التوفيق بين العمل كقاضٍ من جهة وممارسة دورها الطبيعي كامرأة وزوجة وأم لأطفال، وسيدة في مجتمع الإناث الذي لم يسبق له أن عايش واقع أن تكون من بين أفراده من توصف بأنها قاضية بين الناس، تفصل في حوائجهم دون تفريق بين ذكر وأنثي، وهذا الأمر يتطلب جهدا كبيرا.
ولفتت إلى أن المرأة في ليبيا تحصلت على فرصتها كاملة في العمل، سواء في القضاء بشكل عام كمحامية، أو عضو نيابة أو قاضية، وما يؤكد ذلك الأعداد الكبيرة من النساء بالوسط القضائي، مضيفة أن هناك محاكم بلغت نسبة القاضيات فيها أكثر من 60% من عدد القضاة، وتولت العديد من النساء مناصب قيادية بإدارات التفتيش القضائي ورئاسة عديد محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية.
القاضيات الليبيات أثبتن جدارتهن وكفاءتهن
من جهتها، قالت وزيرة الدولة لشؤون المرأة في حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، د. حورية الطرمال، إن الاحتفال في 10 من مارس من كل عام باليوم الدولي للقاضيات هو مناسبة عالمية تُبرز الدور الريادي للمرأة في السلك القضائي، وتُعزز من مشاركتها في تحقيق العدالة وترسيخ سيادة القانون، مؤكدة أن القاضيات الليبيات أثبتن جدارتهن وكفاءتهن في مختلف المحافل القضائية، وأسهمن بفاعلية في تعزيز نزاهة القضاء وضمان حقوق المواطنين.
وتابعت: «تمثيل المرأة في الجهاز القضائي لا يعكس فقط التزامنا بالعدالة الاجتماعية وتقدير المرأة، بل يُعزز أيضاً من شرعية مؤسساتنا القضائية، ويُرسخ ثقة المجتمع بها»، مهنئة كل القاضيات الليبيات اللاتي أثبتن نجاحهن وتفوقهن في هذا المجال الحيوي.
وشددت على أننا «نؤمن بأن تعزيز دور المرأة في القضاء يُسهم في تطوير نظمنا القانونية، ويُعزز من شمولية وشفافية مؤسساتنا»، مضيفة: «مع ذلك، لا تزال هناك تحديات تستوجب منا العمل المشترك لتذليلها، لضمان مشاركة أوسع وأكثر فاعلية للمرأة في جميع مستويات السلطة القضائية».
وأوضحت: «نجدد التزامنا بتطوير استراتيجيات وخطط وطنية فعّالة للنهوض بالمرأة في أنظمة ومؤسسات العدالة القضائية، وضمان تنفيذها بما يحقق تكافؤ الفرص بين الجنسين في مراكز صنع القرار»، موجهة التهنئة لكل القاضيات على تفانيهن وإخلاصهن في أداء رسالتهن السامية، و«نحىّ ملهمة القاضيات ورائدتهن من شرق ليبيا رفيعة العبيدى أول قاضية في ليبيا، التى جرى تكريمها من قِبل رئيس حكومة (الوحدة الوطنية الموقتة)، في اليوم الوطنى للمرأة الليبية 2023، اعترافا بريادتها وتقديرا لنجاحها».
وقالت المستشارة بمحكمة استئناف بنغازي، بدرجة رئيس محكمة استئناف، مريم محمد بالرزق الشريف، إن القاضيات يمثلن 70% من عدد القضاة في ليبيا، ويتوزعن على كل التخصصات والدرجات القضائية.
وأوضحت أنها رئيس الدائرة المدنية بمحكمة استئناف بنغازي ولجنة خبراء قيد محكمة استئناف بنغازي، ومنتدبة كرئيس مجلس التأديب للجامعات الليبية. وقبل خمس سنين، كانت مفتشا قضائيا، وكل ذلك دون قيود على الترقيات أو التحركات بين فروع السلك القضائي، مضيفة أن غالبية القاضيات أو المستشارات بمحاكم الاستئناف رؤساء دوائر جنائية «يعني تحكم في الجرائم الكبيرة التي يصل فيها الحكم إلى الإعدام». وشددت على أن المرأة يوما بعد يوم تثبت جدارتها في جميع المجالات، لافتة إلى أن إدارة التفتيش على الهيئات القضائية ومجلس القضاء الأعلى التي تتبعها تواكب أيضا التطور في مجال حقوق الإنسان.
كما أكدت أن المرأة أخذت حقها في الجانب القضائي، مضيفة أن القوانين الليبية منحت المرأة حق تمكينها بجميع المجالات، حيث إن «القوانين الليبية لم تشترط عنصر الذكورة في تولي هذا المنصب».
صعوبات في الوسط القضائي
من جهتها، أوضحت القاضية بمحكمة استئناف طرابلس، أم كلثوم سليمان سعيدان، أن النظام القضائي الليبي يتكون من قضاة الحكم والنيابة العامة وإدارة القضايا وإدارة القانون وإدارة المحاماة العامة، الذين يقارب عددهم في كل هذه المنصات خمسة آلاف عضو، والمرأة دخلت في قضاة الحكم وأعضاء النيابة إثر صدور القانون رقم 1989/8 بشأن حق المرأة في تولي الوظائف القضائية، إذ نصت المادة الأولى منه علي أنه يحق للمرأة تولي وظائف القضاء والنيابة العامة وإدارة القضايا بالشروط نفسها المقررة بالنسبة للرجل، ومنذ ذلك الوقت تعمل المرأة علي إثبات جدارتها في السلك القضائي بسبب اجتهادها ونزاهتها وطموحها لتحقيق العدالة وسيادة القانون.
ولفتت إلى أن المرأة الليبية قد تكون واجهت صعوبة في تقبلها بالوسط القضائي في بداية الأمر، حيث كان رئيس الجلسة رجلا، وجميع المناصب الإدارية القضائية يعين بها الرجال، ولكن مع التدرج الوظيفي وزيادة خبرات النساء ازداد احترام عملها، وثبت ذلك من خلال التفتيش القضائي عليها وعلى أعمالها، ليصبح بعد ذلك تولي المرأة للقضاء أمرا طبيعيا ما دامت توافرت الشروط والصفات فيها للاستحقاق.
المرأة تدرجت في السلم القضائي
وكشفت أن عدد النساء في الهيئات القضائية بشكل عام أصبح يفوق نسبة الرجال، حيث يبلغ حاليا نحو 60% من عدد القضاة بشكل عام في ليبيا، بل إن المرأة تدرجت في السلم القضائي، وجرى اختيار البعض منهن لتولي القضاء بالمحكمة العليا، ووصل عددهن إلى خمس قاضيات. ولفتت إلى أن وجود النساء في سلك القضاء بليبيا يتفاوت من مدينة لأخرى بحسب الوجود النسائي فيها.
كما أشارت إلى أن عدد النساء العاملات في النيابة العامة يتزايد بشكل كبير، على الرغم من صعوبته بسبب طبيعة العمل، حيث يتطلب مناوبة مسائية، والبقاء في التحقيق لساعات متأخرة ليلا. مع ذلك، وصلت العديد من النساء للعمل بمكتب النائب العام.
لكنها عبرت عن تخوفاتها بعد تقديم طعن دستوري من بعض المحامين بشأن تولي المرأة القضاء، وهو ما زال منظورا أمام المحكمة العليا الدائرة الدستورية، ولم يجر الفصل فيه إلي الآن.
ولفتت إلى أن المرأة تولت المناصب الإدارية القضائية، فهناك ثلاث نساء قاضيات بالمجلس الأعلى للقضاء في حقب مختلفة.، كما أن المرأة القاضية في ليبيا حاليا هي وزيرة العدل ووكيلة وزارة العدل، وكانت وكيلة نيابة قبل توليها منصبها. كذلك هناك نساء ترأسن محاكم استئناف ومحاكم ابتدائية ونيابات جزئية، وهناك نساء يدرسن بالمعهد القضاء، لتأهيل الأعضاء الجدد والقضاة. كما أن للمرأة في ليبيا نشاطا حقوقيا من خلال المنظمات والجمعيات القضائية، وكان لهن دور في التأسيس والمشاركة.
المرأة الليبية تحصلت على مكاسب كثيرة
وترى المستشارة فاطمة المصري، وهي قاضية بمحكمة استئناف بنغازي، أن المرأة الليبية تحصلت على مكاسب كثيرة للدفع بها لتكون بجانب الرجل، ومتساوية معه في الحقوق والواجبات، خاصة فيما يتعلق بالسلك القضائي، مضيفة أن المرأة لم تكن سوى محامية أو مستشار قانوني حتى العام 1998 عندما صدر القانون رقم 8 لعام 1998، الذي نص على حق المرأة في تولي الوظائف القضائية التي كانت حكرا على الرجال فقط.
وتابعت أن المرأة كانت قبل صدور هذا القانون محامية بإدارة المحاماة العامة، وهي محاماة تابعة للدولة مجانية للمتقاضين، وقد أثبتت فيها المرأة كعضو إدارة تدافع عن حقوق المتقاضين قدرتها وجدارتها، وبرزت أسماء كثيرة في مجالها، وكذلك في إدارتي القضايا والقانون.
وأوضحت أنه بعد صدور القانون المذكور جرى تعيين مجموعة من عضوات إدارة المحاماة ومجموعة من الدفعة الأولى لمعهد القضاء في النيابة العامة، و«قد كان لي شرف التعيين بالدفعة الأولى للنيابة العامة العام 1998 مع مجموعة من الزميلات. كما تم تعيين زميلتين كأول قاضيتين في ليبيا، ومنذ ذلك الوقت استمر التعيين إلى وقتنا هذا، حيث وصلنا نحن الدفعة الأولى في معهد القضاء والنيابة العامة إلى درجة رئيس بمحكمة الاستئناف، وهي أعلى درجة في سلم القضاء العادي، والآن أصبحت المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف تدير غالبيتها القاضيات، بل أصبحن العدد الأكبر بالمحاكم، وأثبتن وعن جدارة قدرتنا في العمل القضائي، وتفوقنا في نظر القضايا دون تمييز ما بين الدعاوى الجنائية والمدنية والشرعية والإدارية».
لكنها أشارت إلى أن بعض المعارضين لتقدم ونجاح المرأة ما زالوا يحاولون الرجوع بها للخلف، وذلك بتقديم طعن دستوري أمام المحكمة العليا بعدم شرعية تقلد المرأة القضاء، ولم ينظر هذا الطعن حتى الآن، قائلة: «نحن كلنا ثقة بمحكمتنا العليا، وعدم انجرارها وراء مثل هذه الدعاوى، خاصة أن المحكمة العليا الليبية بها عدد من الأستاذات المستشارات بالدوائر على اختلاف تخصصاتها. كما يوجد عدد من الأستاذات بنيابة النقض».
تعليقات