تزداد المخاطر الأمنية المحدقة بليبيا مع احتدام النزاع السوداني واكتساب الجيش بقيادة الفريق عبدالفتاح البرهان مساحات ميدانية في نزاعه مع قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، خاصة في ظل اتهامات من الجيش السوداني لأطراف ليبية بدعم «ميليشيات الدعم». هذه الاتهامات تأتي في وقت تحاول فيه موسكو توسعة نفوذها في أفريقيا عبر ليبيا، خاصة بعد خسارة نفوذها في سورية بسقوط بشار الأسد.
البرهان قام قبل أيام بجولة دبلوماسية تعد الأولى من نوعها في غرب أفريقيا شملت كلاً من: مالي، وغينيا بيساو، وسيراليون، واختتمت بكل من موريتانيا والسنغال. وكان الهدف من جولة البرهان العمل على تجفيف منابع المقاتلين الأفارقة القادمين للقتال في السودان؛ إذ أن تقارير موثوقة كشفت عن قدوم هؤلاء المرتزقة من بعض الدول التي شملتها الزيارة.
اتهامات لدول أفريقية بمساعدة قوات الدعم السريع
وتحدث مساعد قائد الجيش السوداني ياسر العطا، في تصريحات الإثنين الماضي عن مصدر المقاتلين في صفوف المنافس؛ إذ زعم أن 25% من قوات الدعم السريع قادمون من «ليبيا تحت قيادة الجيش الليبي، ومرتزقة من تشاد، وبعض الإثيوبيين، وأفراد من كولومبيا وأفريقيا الوسطى، وبقايا فاغنر، ومقاتلين من سورية»، و65% من القوة المتبقية من أبناء جنوب السودان، «في حين أن 5% فقط هم من الجنجويد الأصليين كقادة لبعض المجموعات».
وأضاف العطا في التصريحات التي أطلقها من مدينة بوط بولاية النيل الأزرق أنه كان بالإمكان القول إن جنوب السودان يشن حرباً ضدهم فقط، دون توضيح.
يأتي ذلك في وقت أعلن الجيش السوداني عن سيطرته الكاملة على مثلث الحدود الدولية مع كل من ليبيا وتشاد، ومنطقة الصحراء الكبرى، ووادي هور، مما أدى إلى قطع جميع خطوط الإمداد عن «قوات الدعم السريع».
وزعم البيان أن «دولة الإمارات كانت تحضر منذ شهور في شرق ليبيا لشن مثل هذه العمليات العسكرية لإنقاذ قوات الدعم السريع».
ومن نتائج المواجهات بين قوات البرهان وحميدتي إعلان الجيش السوداني القضاء على أكثر من 680 عنصراً من مليشيا الجنجويد ومرتزقتها الأجانب، وتدمير 37 آلية عسكرية، والسيطرة على ما يفوق 65 آلية أخرى.
أما فلول المرتزقة، فقد تشتتوا في المثلث الحدودي، ولاذ بعضهم بالفرار عائدين إلى الأراضي الليبية، بينما لجأ آخرون إلى دولة تشاد.
قوات حميدتي ترغب في فتح طريق بين دارفور وليبيا
وقال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي إن الرجل الثاني في «قوات الدعم السريع» عبدالرحيم الرحيم دقلو شارك في معارك محور الصحراء، مشيراً إلى مخطط هذه القوات للسيطرة على شمال دارفور بغرض فتح طريق يربط السودان مع ليبيا.
وقبلها قال مناوي إن «الدعم الأجنبي لقوات الدعم السريع يتواصل عبر ليبيا، وهو ما تجسد في إدخال تعزيزات جديدة بقوة قوامها 400 آلية عسكرية متنوعة عن طريق ليبيا إلى دارفور الآن»، حسب قوله. وتزامن اشتعال الحدود المشتركة مع انتصارات متتابعة للجيش السوداني توجت باستعادة السيطرة على ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة الاستراتيجية.
- للاطلاع على العدد «479» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وضع حدودي مضطرب
الوضع السوداني والليبي المتداخل وتأثيراته على الوضع الإقليمي كان محور لقاءات ومحادثات هاتفية خاصة من جانب القاهرة، إذ تناول لقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والرئيس الإماراتي محمد بن زايد في أبوظبي «سبل استعادة الاستقرار في السودان وليبيا واليمن والصومال»، إذ أكدا أهمية «حماية أمن وسيادة تلك الدول الشقيقة بما يحقق مصالح وتطلعات شعوبها نحو الاستقرار والرخاء». وكان السيسي استقبل قائد «القيادة العامة» المشير خليفة حفتر في القاهرة قبل أيام وذلك للمرة الأولى منذ سبتمبر 2021، حيث أكد ضرورة «منع التدخلات الخارجية في ليبيا وإخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية»، بحسب بيان صادر عن الرئاسة المصرية.
كما بحث السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، الثلاثاء، خلال اتصال هاتفي استعادة الاستقرار في السودان وليبيا وتطورات الحرب الجارية في أوكرانيا.
كيف تغير الموقف الروسي من السودان؟
وفي السياق، يوضح الباحث السوداني المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد تورشين حقيقة تقلبات الموقف الروسي من الحرب السودانية بقوله إنه «في الأيام الأولى كانت موسكو تدعم قوات الدعم السريع لكن بعد تصفية ميليشيات فاغنر وإخضاعها للمؤسسة الرسمية غيرت الدفة بالوقوف بجانب الجيش السوداني». وأضاف في تصريحات إلى «الوسط» أنه «لا مصلحة لروسيا في دعم قوات السريع بعد تصفية ودمج فاغنر، إذ لدى موسكو، أطماع للتواجد في البحر الأحمر من خلال الخرطوم». وأشار تورشين إلى اعتماد موسكو على المنطقة لتعزيز النفوذ وتوطيد العلاقات لاكتساب مساحات وأراض جديدة، لا سيما وأن ليبيا ستكون لها دور محوري في إيصال المعدات الروسية بعد فقدان النفوذ سورية.
تهريب سوريين إلى معسكر معطن السارة
وتحدث المحلل السوداني عن تهريب بعض عناصر الجيش السوري إلى معسكر «معطن السارة» على الحدود بين تشاد والسودان، وذلك بعد انهيار نظام بشار الأسد، مضيفاً أن «هناك جنوداً وضباطاً سوريين استقروا بهذه القاعدة ويمكن أن يكونوا ضمن الفيلق الأفريقي بعد منحهم الجنسية الروسية». وإن كانت روسيا ابتعدت عن دعم حميدتي تثار تساؤلات حول حقيقة الاتهامات الشائعة باستخدام القاعدة كمنصة لإمدادات الأسلحة والوقود التي تنطلق من ميناء طبرق وتصل إلى السودان.
واستخدمت قاعدة معطن السارة خلال الحرب الليبية–التشادية في ثمانينيات القرن الماضي، لكن محللين يقولون إنها تقع الآن في قلب عملية روسية كبرى لتعزيز السيطرة على منطقة الساحل.
- للاطلاع على العدد «479» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ولم تنف أو تؤكد قوات القيادة العامة المعلومات المتداولة منذ فترة حول تكثيف الوجود الروسي عبر هذه القاعدة العسكرية، غير أن مصادر مطلعة كشفت لـ«الوسط» رفض قوات القيادة الاستجابة لضغوط موسكو «لإعلان ترسيم الاتفاقات العسكرية التي تنص على تواجدها في عدة مواقع».
وعززت موسكو عملياتها في قواعدها الجوية الأربع الرئيسية في ليبيا منها قاعدة الخادم في شمال شرق ليبيا، وقاعدة الجفرة في الوسط، وقاعدة براك الشاطئ جنوب غرب سبها، وقاعدة القرضابية في سرت بالمنطقة الوسطى الشمالية.
عودة الحياة لمطار معطن السارة؟
وفي قلب المثلث الحدودي جنوبي شرق ليبيا، كشفت منصة «إيكاد» اقتراب انتهاء عمليات سفلتة ساحة تجمع الطائرات أخيراً حول مطار معطن السارة المهجور منذ العام 2011، إضافة إلى البدء بتشييد منشآت جديدة بمحاذاة مصف الطائرات لها علاقة بالبنية التحتية والأبنية اللوجستية للمطار، وذلك بالاعتماد على صور الأقمار الصناعية خلال الفترة من 6 إلى 11 يناير 2025.
ورجحت المنصة أن تكون عملية إعادة تأهيل المطار جزءاً من خطة روسيا لتعزيز نفوذها في إفريقيا عبر ليبيا.
مطعن السارة كان يُعد المطار العسكري الوحيد النشط جنوب شرقي ليبيا، وهو يضم مساحة واسعة تتسع لأكثر من 100 طائرة مقاتلة.
وقبل أيام دعت رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني حلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى التركيز بشكل أكبر على جناحه الجنوبي، وهي منطقة جنوب البحر المتوسط وشمال أفريقيا، محذرة من توجه روسيا إلى تعزيز وجودها في شرق ليبيا بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا.
ورجحت ميلوني أن تبحث موسكو عن منافذ بحرية أخرى تطل على البحر المتوسط بعد سقوط نظام الأسد في سورية، متوقعة أن تكون شرق ليبيا أول تلك المنافذ. وقالت إنه بعد سقوط نظام الأسد «فمن المنطقي الاعتقاد بأن روسيا تبحث عن منافذ بحرية أخرى، ومن المعقول أيضاً الاعتقاد بأن أحد هذه المنافذ قد يكون برقة».
وأوضحت ميلوني أنها قد أثارت قضية النفوذ الروسي في أفريقيا مع حلفائها أخيراً، وحثت ناتو على تعزيز وجوده في القارة السمراء.
وأضافت: «نركز بشكل كبير على الجناح الشرقي، وندرك أن جميع أجنحة هذا التحالف معرضة للخطر، خاصة الجنوبية وتخشى روما أن تتجه موسكو إلى تعزيز وجودها في دول أخرى خارج سورية، نظراً للمستقبل غير الواضح لقواعدها العسكرية هناك».
تعليقات