قدّم مركز أبحاث إماراتي عدة احتمالات لإجراء الانتخابات العامة في ليبيا بناء على نتائج الانتخابات المحلية، حيث يؤكد دور البلديات كأداة حيوية أسهمت في التخفيف من تأثير الانقسام السياسي، في حين أبرز الاقتراع رغبة بعض الأطراف في إظهار القدرة على تنظيم استحقاق عام حتى في ظل التعقيدات السياسية.
وفي انتظار إجراء المرحلة الثانية من الاستحقاق المحلي في 59 بلدية مطلع العام المقبل، شهدت ليبيا يوم 16 نوفمبر الماضي محطة انتخابية أُجريت في عدد من البلديات، بلغ 58 بلدية في أنحاء البلاد، لأول مرة منذ عقد كامل، وذلك على الرغم من الانقسام المستمر بين حكومتي حماد والدبيبة، وفق مركز «المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة»، مقره أبوظبي، الذي لفت إلى اجتياز الانتخابات البلدية «إشكالية» الانقسام الحكومي نسبيا.
وحسب المركز، بدت الانتخابات في مرحلتها الأولى، كأنها مُقدمة لحلحلة الصراع السياسي، حيث عكس هذا الاستحقاق المؤجل شعورا لدى معظم الليبيين بإمكان تحقيق خطوة إيجابية لتجاوز حالة الجمود السياسي، الذي يتسم بها المشهد الليبي منذ سنوات؛ وهو ما يجعل إجراء هذه الانتخابات حدثاً يحمل في طياته عديد الدلالات السياسية والاجتماعية؛ بل والاقتصادية أيضاً.
واستعرض المركز الإماراتي في تقرير حمل عنوان «تفاؤل حذر.. هل تشكل الانتخابات المحلية فرصة لحلحلة المسار الليبي؟»، أربعة تداعيات محتملة للانتخابات المحلية في ليبيا، منها تعزيز دور السلطات المحلية، إذ إن إجراء الاستحقاق في ليبيا سوف يترك بصمات واضحة على تعزيز دور البلديات، كأطراف فاعلة في توفير الخدمات وإدارة الأوضاع على المستوى المحلي؛ مما يزيد من استقلاليتها في ظل غياب سلطة مركزية موحدة. ويرى في هذا التحول، أنه قد يؤدي إلى تقوية النزعة اللامركزية في ليبيا، وهو ما قد يكون حلاً عملياً لبعض مشكلات البلاد؛ لكنه في الوقت نفسه، قد يعمق الانقسامات؛ إذا لم تجرى إدارته بحكمة.
- تقرير فرنسي: نجاح امتحان الانتخابات البلدية كشف الإمكانات الديمقراطية لليبيا
- شاهد في «هذا المساء».. هل نجحت «المفوضية» في الاستحقاق البلدي؟
- البعثة الأممية ترحب بإعلان نتائج الانتخابات البلدية وتحث على الالتزام بـ«بيئة سلمية» خلال الطعون
ويظهر ذلك في حال إمكان أن تُصبح البلديات نموذجاً للعمل المشترك بين الليبيين، بعيداً عن النزاعات السياسية؛ إلا أن المحليات، من جهة أخرى، قد يجرى استغلال استقلاليتها لتعزيز نفوذ أطراف معينة على حساب المصلحة الوطنية الشاملة.
وفي ثاني التداعيات يحذر المركز من إمكانية جعلها بوابة لتصعيد الصراعات السياسية، فعلى الرغم من الطبيعة المحلية لهذه الانتخابات؛ لكنها قد تكون مدخلاً لتصعيد جديد في الصراع بين الحكومتين المتنازعتين في الشرق والغرب الليبيين؛ مستحضرا إقدام حكومة الدبيبة في طرابلس، على إرباك النظام الإداري في البلديات، عبر ضم بعضها، في محاولة لتغيير الأوضاع الإدارية لها، قبل إعلان النتيجة النهائية للانتخابات.
من جانبها حذرت حكومة حماد، في الشرق الليبي، من أن الخطوة التي اتخذتها حكومة الدبيبة، يمكن أن تُسهم في زعزعة الاستقرار، وخلق حالة من الفوضى في الإدارات التابعة لوزارة الحكم المحلي.
التوازنات القبلية والمناطقية
أما ثالث التداعيات أوجزها التحليل في التأثير في التوازنات القبلية والمناطقية، ففي بلد مثل ليبيا، حيث تؤدي القبائل والمناطق دوراً كبيراً في تشكيل المشهد السياسي؛ فإن الانتخابات المحلية قد تؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات القبلية والمناطقية؛ ومن ثم يمكن أن تكون هذه الانتخابات وسيلة لتحقيق تمثيل أوسع للمجتمعات المحلية في إدارة شؤونها؛ مما يعزز شعور المشاركة والانتماء.
لكن يرجح أن تكون الانتخابات المحلية، نفسها، خطوة تمهيدية لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة، فضلاً عن تعزيز الثقة بالعملية الانتخابية داخل ليبيا؛ هذا، في حال ارتضت الفاعليات السياسية والقبلية داخل ليبيا، بالنتائج التي تُسفر عنها الانتخابات.
وبخصوص الانعكاسات على المواقف الخارجية، يلفت المركز البحثي إلى أن إجراء الانتخابات المحلية في ليبيا لا يؤثر فقط في المشهد الداخلي؛ بل يمتد ليترك بصمات واضحة على المستوى الإقليمي والدولي؛ نظراً لأهمية ليبيا الجيوسياسية وارتباط أزمتها بعدد من التوازنات الإقليمية والدولية.
فالانتخابات المحلية قد تؤثر في مواقف القوى الدولية والإقليمية تجاه الأزمة الليبية. فمن جانب الدول الداعمة للحل السياسي؛ فإنها قد ترى في تلك الانتخابات خطوة إيجابية نحو التهدئة وإعادة بناء الثقة بين الليبيين. أما الدول المُنخرطة في النزاع الليبي؛ فإنها قد تستخدم نتائج الانتخابات لتعزيز نفوذها من خلال دعم أطراف محلية تتماشى مع أجنداتها.
وسلط التحليل الضوء على دور الدول المجاورة لليبيا، مثل تونس، الجزائر، ومصر، التي تتابع الانتخابات المحلية عن كثب؛ نظراً لأن استقرار ليبيا يؤثر بشكل مباشر في استقرارها؛ فمصر، كمثال، قد تنظر إلى الانتخابات كفرصة لتعزيز جهودها في دعم حل سياسي شامل في ليبيا، خاصة إذا استُخدمت البلديات كقنوات للتواصل بين الأطراف الليبية؛ أما الجزائر، كمثال آخر؛ فإنها قد تستغل نتائج الانتخابات لتعزيز دورها في الملف الليبي؛ خاصة إذا ظهرت قيادات محلية تتماشى مع مصالحها الأمنية والسياسية.
وأبعد من ذلك يتصوّر التحليل أن إجراء الانتخابات المحلية، لا يتعلق بتأثيراتها فقط في المستوى الإقليمي؛ ولكنه سوف يؤثر أيضاً في كيفية تعامل القوى الدولية الكبرى مع الملف الليبي. فالولايات المتحدة، قد تدفع نحو استغلال هذه الخطوة لإعادة ترتيب الأولويات في ليبيا، خاصة فيما يتعلق بمنع تمدد النفوذ الروسي أو الصيني.
أما روسيا، فإنها قد ترى الانتخابات فرصة لتوسيع نفوذها، من خلال دعم قيادات محلية في مناطق استراتيجية، خصوصاً في الشرق والجنوب؛ أما الاتحاد الأوروبي، فإنه قد يستفيد من نجاح الانتخابات، لتعزيز التعاون مع البلديات في إدارة ملفات الهجرة والحدود، في محاولة التقليل من تدفق المهاجرين نحو أوروبا.
مدخل لإعادة بناء الدولة
وفيما يتعلق بالفرص والتحديات، يخلص المركز أن إجراء الانتخابات المحلية في ليبيا يحمل دلالات وتداعيات عميقة على المشهد السياسي الوطني. ورغم أنها لا تقدم حلاً نهائياً للأزمة السياسية؛ فإنها تسلط الضوء على أهمية التركيز على المستوى المحلي كمدخل لإعادة بناء الدولة؛ وذلك من منظور أن ما ستؤول إليه هذه الانتخابات يعتمد بشكل كبير على إرادة الأطراف السياسية، وقدرتها على تجاوز الخلافات، والاستفادة من هذه المحطة لبناء مستقبل أكثر استقراراً ووحدة.
ورغم أن الانتخابات المحلية ليست حلاً مباشراً للأزمة السياسية الكبرى في ليبيا؛ فإنها تعكس بعض الفرص والتحديات التي تواجه البلاد؛ فمن جهة «الفرص»، يمكن للانتخابات أن تسهم في بناء جسور الثقة بين الأطراف المختلفة، كما أنها قد تكون خطوة نحو تعزيز الاستقرار على المستوى المحلي؛ ما يمكن أن يُمهّد لإجراء انتخابات وطنية في المستقبل.
أما من جهة «التحديات»؛ فإن استمرار الانقسام يجعل من الصعب توحيد الجهود لإدارة العملية الانتخابية على المستوى الوطني. بالإضافة إلى ذلك، فإن نجاح الانتخابات المحلية في مناطق محددة، لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق نفس النتائج في المناطق التي تشهد توترات أو صراعات حسب المعهد.
كما يمثل نجاح الانتخابات المحلية مؤشراً نسبياً على إمكانية استعادة مسار الانتخابات الوطنية، لكنه لا يُخفي حجم التحديات التي تواجه هذا المسار؛ فلا تزال قضايا مثل: توحيد المؤسسات، وضمان نزاهة الانتخابات، والاتفاق على قاعدة دستورية موحدة، تقف حجر عثرة أمام تحقيق تقدم حقيقي في العملية الانتخابية الوطنية؛ أي عملية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
تعليقات