حذر خبراء في الشؤون الدولية الأفريقية من تداعيات تكوين تحالف ثلاثي بين دول مجموعة الساحل (النيجر ومالي وبوركينا فاسو) على أمن ليبيا والمنطقة، مع احتمال تزايد الصراع بين روسيا والقوى الغربية في ظل دعم موسكو التحالف الذي يطلق عليه «كونفدرالية الساحل»، وسعي الروس إلى ملء الفراغ الذي تركته فرنسا.
ودعا الخبراء في حديث إلى «الوسط» إلى ضرورة تضافر الجهود لإعادة بناء الدولة الليبية أولا، وإنشاء قوة عسكرية بين ليبيا ودول التحالف من أجل مواجهة التهديدات «سواء فيما يتعلق بالتنظيمات الإرهابية أو الشبكات الإجرامية العابرة للحدود»، منوهين بأن مواجهة «تحالف دول الساحل» الجماعات الإرهابية دون تنسيق مع ليبيا «قد يعني هروب عناصر تلك التنظيمات إلى جنوب ليبيا مستغلين ضعف الحالة الأمنية».
- للاطلاع على العدد 452 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
متى وكيف تشكل «تحالف دول الساحل»؟
تأسس تحالف دول الساحل (كونفدرالية الساحل) في 6 يوليو الجاري حين عقدت الدول الثلاث قمة في عاصمة النيجر (نيامي)، مؤكدة قطع علاقاتها مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) بسبب مواقفها الرافضة الانقلابات العسكرية التي شهدتها هذه الدول الثلاث.
ويشير الباحث السوداني في الشؤون الأفريقية محمد تورشين إلى دور موسكو بشكل واضح ورئيسي في إنشاء التحالف الجديد، وانفصال الدول الثلاث عن «إيكواس»، قائلا إن الهدف هو تمرير بعض المسائل في مجلس الأمن باستغلال حق النقض (الفيتو) الذي تتمتع به موسكو داخل المجلس، ومواجهة أي قرار قد تحاول فرنسا الدفع إليه.
- بعد إعلان «كونفدرالية» دول الساحل.. كيف سيرد رؤساء مجموعة «إكواس» لغرب إفريقيا؟
- «كونفدرالية الساحل»: تحديات تواجه ليبيا.. فمن يستقيظ؟
- خبراء يتحدثون عن تحدي «تحالف دول الساحل» للأمن القومي الليبي
- صمت في طرابلس وزيارة صدام حفتر لواغادوغو.. تساؤلات حول موقف ليبيا من «كونفدرالية الساحل»
ويحذر تورشين من أن هذا الوضع قد يمهد لـ«صراع حقيقي في المنطقة، ربما يعود بها إلى مرحلة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا».
ويضيف الباحث السوداني أن الجماعات الإرهابية والمتطرفة قد تفر من دول التحالف، وتستقر في جنوب ليبيا، مستغلة الهشاشة الأمنية والانقسام السياسي، وهو ما يتطلب التعاون العسكري المشترك بين الجانبين.
اقتراح تشكيل قوة عسكرية مشتركة لمواجهة الإرهاب
من جانبه، يقول الباحث والأكاديمي التشادي د. حسن كلي ورتي، في حديث لـ«الوسط»، إن دول الساحل الأفريقي تشترك مع ليبيا في مواجهة تهديدات أمنية واحدة، داعيا إلى إنشاء قوة عسكرية مشتركة، لمواجهة تلك التهديدات «سواء فيما يتعلق بالتنظيمات الإرهابية أو الشبكات الإجرامية العابرة للحدود».
ويشير ورتي إلى تهديدات تلاحق تحالف دول الساحل «في ظل مجموعة من المخاطر والعراقيل، منها ضرورة الحصول على موارد مالية»، وهو أمر عانته «منظمة الساحل الخماسي» (بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر)، التي شهدت تفككا غير مسبوق في تاريخ المنظمات شبه الإقليمية في الساحل الأفريقي.
ضرورة بناء دولة ليبية
وأكد الباحث التشادي أن الوضع الأمني في جنوب ليبيا والشريط الساحلي «معقد جدا، إذ توجد في المنطقة تنظيمات إرهابية وشبكات دولية إجرامية، وبالتالي ذلك يستلزم تضافر الجهود الليبية نحو إعادة بناء الدولة أولا».
ويتوقع ورتي أن تسعى فرنسا وحلفاؤها إلى عرقلة نجاح «كونفدرالية الساحل»، حليفة روسيا التي ترتبط مع دولها بعلاقات في مجال الدفاع ومكافحة الإرهاب، وهو الملف الذي فشلت باريس في إحراز تقدم فيه منذ العام 2012.
وأشار الباحث التشادي إلى توتر شديد في العلاقات الفرنسية - الأفريقية، خاصة دول تحالف الساحل «التي لجأت إلي تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين ودول أخري في الكتلة الشرقية، بعد أن فشلت باريس في تقديم أي مشاريع تنموية أو اقتصادية».
تداعيات تأسيس التحالف الجديد
ويشرح المصري المتخصص في الشؤون الأفريقية، حامد فتحي، تداعيات تأسيس الكونفدرالية الجديدة، مرجعا ذلك إلى الانقلابات العسكرية التي شهدتها الدول التي أطاحت بنظم كانت لها علاقة قوية بفرنسا والغرب، مضيفا أن النظم الجديدة حولت الدفة نحو روسيا، وأسست علاقات عسكرية معها، وهو أمر سعت إليه موسكو التي وجدت منذ شهور طويلة في المنطقة عبر قوات «فاغنر» العسكرية غير الرسمية.
- للاطلاع على العدد 452 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وينصب التركيز الأساسي للكونفدرالية الجديدة على مواجهة تنظيم «داعش»، في رأي فتحي الذي أشار إلى أنه في حالة نجاح تحالف دول الساحل في مواجهة التنظيمات الإرهابية، فإن حدود ليبيا الجنوبية الرخوة، خصوصا مع النيجر، قد تكون ملاذا لهذه التنظيمات، مما يخلق أوضاعا سلبية في ظل غياب الدولة الليبية.
صدام محتمل بين موسكو والغرب
بينما تحدث الباحث المصري في الشؤون الأفريقية د. محمد كريم عن اهتمام قوات «القيادة العامة»، برئاسة المشير خليفة حفتر، بـ«كونفدرالية الساحل»، والسعي إلى تكوين علاقات وطيدة مع دولها، لا يستبعد أن تحدث مواجهة غربية - روسية في منطقة الساحل، قائلا: «هذا أمر وارد، وإن اقتصر في الوقت الراهن على ما يحققه التحالف الجديد من نجاحات، وتأثيره على أرض الواقع».
وأوضح د.كريم أن وضع موسكو «معقد ومتشابك للغاية في المنطقة الشرقية بليبيا»، إذ لها وجود سري وآخر علني كما هي الحال في دعم مجموعة «فاغنر» الروسية حفتر في تحركات وعمليات محددة، وعلى نحو يمكن وصفه بـ«التكتيكي»، محذرا من أن الوجود الروسي في ليبيا يأتي في ظل رؤية موسكو الخاصة للاستفادة من حالة الانقسام السياسي المتعمقة في الداخل الليبي.
وتابع: «لا ينبغي النظر لمساعي حفتر للارتباط بدول التحالف إلا من زاوية الرغبة في لعب دور بالوكالة لمصلحة أطراف شرق أوسطية. كما أن تحركه الاستباقي في التقارب مع النيجر، وبوركينا فاسو تحديدا، ربما يعزز مكانته وصورته كقائد ليبي دون تجاوز ذلك ترتيبات فعلية مع دول التحالف».
تعليقات