تعمل المؤسسة الوطنية للنفط على استمالة شركات النفط الدولية لقطاع الطاقة المتعطش للاستثمار بخطة استراتيجية جديدة بعد استقرار الإنتاج، لكن المشكلات السياسية والأمنية المستمرة قد تعيق إحياء طفرة النفط التي تحققت في البلاد قبل العام 2011.
ولجأت المؤسسة إلى شركة الاستشارات الأميركية «كيرني» للمساعدة في تطوير «خطة استراتيجية جديدة»، وأنشأت مكتب البرامج الاستراتيجية الذي سيكون مسؤولا عن تنفيذ هذه الخطة لمساعدة الشركة على مواكبة التطورات في هذا القطاع في جميع أنحاء العالم.
وأوضحت وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال بلاتس» الأميركية في تقرير لها أن المكتب والاستراتيجية الجديدة سيساعدان المؤسسة في تنفيذ زيادة الطاقة الإنتاجية لليبيا إلى مليوني برميل في اليوم خلال فترة من ثلاث إلى خمس سنوات من نحو 1.2 مليون برميل في اليوم الآن، وهي «إحدى أولوياتي الأساسية للمؤسسة الوطنية للنفط»، حسب تصريح سابق لرئيسها فرحات بن قدارة.
الشفافية مفتاح جذب الاستثمار الأجنبي
وقال مدير مساعد لدى «ويسبرينغ بال» إلياس صديقي، وهي شركة إدارة مخاطر تغطي شمال أفريقيا لـ«غلوبال بلاتس»، إن «الفكرة هي أنه لجذب الاستثمار الأجنبي يجب أن تكون أكثر شفافية، وتحتاج إلى تمكين شركات النفط الدولية من إلقاء نظرة عن كثب».
وأضاف الخبير «جرى (إنشاء) مكتب البرنامج الاستراتيجي هذا لتمكين شركات النفط العالمية من الشعور بالراحة في توجيه الأموال إلى الشرق وأيضا لإرضاء المجتمعات المحلية في المنطقة»، مؤكدا أن الضغط من أجل تحقيق مزيد من الشفافية المالية مصدره الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
وبسبب موجات القتال بين مختلف الميليشيات منذ تفجر الاضطرابات الأمنية العام 2011، وما أعقبته من فوضى سياسية لم يكن قطاع النفط قادرا على التعافي والعودة إلى إنتاج 1.6 مليون برميل في اليوم، فقد بلغ الإنتاج 1.2 مليون برميل في اليوم من النفط الخام و55 ألف برميل في اليوم من المكثفات في 19 مارس، وفقا للمؤسسة الوطنية للنفط.
ليبيا تحتاج الاستثمار الأجنبي
وتحتاج ليبيا إلى الاستثمار الأجنبي لتطوير مواردها الهائلة من الطاقة، بما في ذلك احتياطياتها النفطية المؤكدة، وهي الأكبر في القارة.
ومنذ تعيين بن قدارة في يوليو الماضي، ليحل محل رئيس مجلس الإدارة مصطفى صنع الله، كان قطاع النفط والغاز الليبي مستقرا، بعد رفع حالة القوة القاهرة على الصادرات والإنتاج والتي بلغت أدنى مستوى لها منذ عامين عند 650 ألف برميل في اليوم.
وأكدت المحللة في «ستاندرد آند بورز غلوبال» كاثرين هانتر، حاجة ليبيا إلى مجموعة أكبر بكثير من المستثمرين لتستعين بهم في إعادة تنشيط بعض العقود المجمدة، «فقبل العام 2011 كان هناك الكثير من عقود الاستكشاف والكثير من الشركات المختلفة النشطة في ليبيا ثم دخل الكثير منها في ظروف قاهرة وتراجع المستثمرون».
الرغبة في المخاطرة
وضخت ليبيا المعفاة من حصص الإنتاج المحددة عبر تحالف «أوبك بلس» 1.17 مليون برميل في اليوم في فبراير مع استقرار الإنتاج منذ يناير، وفقا لمسح بلاتس الأخير.
ويعتقد التقرير الأميركي أن بن قدارة قد يكون هو الرجل الذي يمكن أن يساعد في إحياء طفرة النفط قبل العام 2011 بعد التوصل إلى اتفاق سياسي العام الماضي بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة عبدالحميد الدبيبة وقائد قوات القيادة العامة المشير خليفة حفتر.
- بقيمة 1.4 مليار دولار.. شركتان أميركيتان تخططان لتطوير حقول نفط ومصفاة بليبيا
- خلال لقائه بن قدارة.. مستشار الرئيس الأميركي يشيد باستقرار إنتاج النفط في ليبيا
- بن قدارة يؤكد ضرورة عودة شركات النفط والغاز الأميركية للعمل في ليبيا
- «أرغوس ميديا»: ليبيا تستعد لعقد جولة تراخيص جديدة للنفط والغاز في 2024
وسارع بن قدارة إلى إجراء زيارات خارجية بما في ذلك إلى الولايات المتحدة، حيث التقى بكبار مسؤولي الطاقة والمديرين التنفيذيين ودعا الشركات الأمريكية للاستثمار في قطاع الطاقة الليبي.
وقالت المحللة في «ستاندرد آند بورز غلوبال» هانتر، «بالنسبة لبعض الشركات الكبرى يبدو أن هناك بالتأكيد شهية (للاستثمار في ليبيا)، لكن شركات النفط الدولية لديها تفاوت مختلف في تحمل المخاطر، لذا لا أعتقد بالضرورة أن ليبيا كما هي الآن ستكون استثمارا رئيسيا لها».
صفقة «إيني» الأكبر منذ عقدين
وإلى الآن الشركات الأوروبية هي شركات النفط الدولية الرئيسية العاملة في قطاع الطاقة الليبي، وتعد شركة «إيني» الإيطالية أكبر مستثمر أجنبي.
وأنتجت «إيني» 198 مليار قدم مكعب من الغاز في ليبيا العام 2021، وجرى نقل إنتاجها إلى إيطاليا عبر خط أنابيب «غرين ستريم» البالغ طوله 520 كيلومترا، الذي لديه القدرة على حمل 8 مليارات متر مكعب في السنة.
وقال الخبير صديقي «لا تزال هناك حالة من عدم اليقين.. فأولئك الذين ينظرون إلى المؤسسة الوطنية للنفط باهتمام شديد وعين ثاقبة يحتاجون أيضا إلى التكيف مع هذا الواقع».
كما أوضح أنه لا يمكنهم فقط النظر إلى الإشارات الإيجابية وتجاهل حقيقة أن المؤسسة الوطنية للنفط تعلن من حين لآخر حالة القوة القاهرة.
انتهاء حالة القوة القاهرة
و«إيني» التي تعمل في ليبيا منذ العام 1959، هي أول شركة تعلن عن مشروع جديد في ليبيا منذ أكثر من 20 عاما. ففي فبراير وقعت مع مؤسسة النفط اتفاقية لرفع إنتاج ليبيا من الغاز في أقل من ثلاث سنوات إلى 4 مليارات قدم مكعبة، وتهدف لاستكشاف ومشاركة الإنتاج في حقول بحرية للغاز بقيمة 8 مليارات يورو لمدة ثلاث سنوات. ومع ذلك، لا يقتنع الجميع بأن الأسوأ قد انتهى بالنسبة لقطاع النفط الليبي.
وقال المحلل السياسي جليل حرشاوي: «حقيقة عدم وجود قوة قاهرة وحقيقة أن إنتاج النفط عند مستوى عال أمر جيد»، مضيفا «بصرف النظر عن ذلك، لا أعتقد أن شركات النفط العالمية مرتاحة، فلا أعتقد أن البلاد بمنأى عن حصار تحت قيادة فرحات بن قدارة. فهو ليس بيده».
تعليقات