قالت جريدة «فاينانشيال تايمز» البريطانية إن إيران لا تزال تحتفظ بفاعلية قوتها الصاروخية، إذ واصلت تنفيذ ضربات، وُصفت بـ«الدقيقة»، ضد أهداف في المنطقة، بعد خمسة أشهر ومئات الضربات الأميركية - الإسرائيلية التي بدأت نهاية فبراير الماضي.
ونقلت، اليوم الثلاثاء، عن محللين أن وقف إطلاق النار الهش، الذي دخل حيز التنفيذ في أبريل، إلى جانب تراجع كثافة الضربات الأميركية خلال الأسابيع الأخيرة، واقتصار معظمها على جنوب إيران، منح أطقم الصواريخ الإيرانية مساحة أكبر للعمل بصورة أكثر تنظيما. كما أن غياب «إسرائيل» عن جولة القتال الأخيرة خفف الضغوط على القوات الإيرانية.
وقالت المتخصصة في برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، نيكول غراجيفسكي، إن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة لإطلاق الصواريخ، لأن منصات الإطلاق لم تعد مضطرة إلى التحرك باستمرار لتجنب الاستهداف.
تصعيد عسكري
جاء هذا التقييم في وقت توقفت فيه المعارك بشكل موقت خلال عطلة نهاية الأسبوع مع استمرار جهود الوسطاء لمنع عودة القتال، على الرغم من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، بشن «هجوم واسع على إيران إذا فشلت الجهود السياسية».
- بعد تعثر أهداف الحرب.. ثلاثة سيناريوهات تحدد مستقبل ترامب في مواجهة إيران
- ترامب: سنعود إلى «العمل العسكري القوي» حال فشل المحادثات مع إيران
ويرى تقرير الجريدة البريطانية أن أي قرار أميركي باستئناف العمليات العسكرية سيأخذ في الاعتبار عوامل عدة، من بينها مخزون الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية الباهظة الكلفة اللازمة للتصدي للهجمات الإيرانية.
وخلال الفترة بين 28 فبراير و8 أبريل، ركزت الولايات المتحدة و«إسرائيل» على تعقب منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية وتدميرها. كما استهدفت مداخل القواعد الصاروخية تحت الأرض، لإغلاقها على الطواقم، بينما راقبت الطائرات المسيّرة والمقاتلات أي تحرك لمنصات الإطلاق.
لكن غراجيفسكي تقول إن المهندسين الإيرانيين أظهروا قدرة على إعادة تشغيل تلك القواعد بسرعة من خلال إزالة الأنقاض وإعادة استخدامها، مؤكدة أن التهديد الصاروخي الإيراني لا يزال قائما.
إيران تحافظ على فاعلية قوتها الصاروخية
يشير محللون إلى صعوبة تحديد جميع العوامل التي ساعدت إيران على الحفاظ على فاعلية قواتها الصاروخية، إذ إن بعض التغييرات قد تتعلق بالمعدات أو ببيئة الحرب الإلكترونية، ولا يمكن رصدها إلا من قِبل أطراف القتال. كما حصلت إيران، بحسب التقرير، على دعم في مجالي الملاحة وتحديد الأهداف من دول أخرى، بينها معلومات استخباراتية روسية.
ويرجح خبراء أن يكون استهلاك الولايات المتحدة وحلفائها أعدادا كبيرة من الصواريخ الاعتراضية خلال الأشهر الأولى من الحرب أحد العوامل التي ساعدت على زيادة فاعلية الضربات الإيرانية.
وقال جيفري لويس، من مركز «جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار»: «إيران تبدو وكأنها تعتمد بصورة أكبر على مخزونها من الصواريخ الحديثة، بدلا من الصواريخ القديمة المشتقة من طرازي (سكود) السوفيتي و(نودونغ) الكوري الشمالي، وهو ما قد يفسر تحسن مستوى الدقة».
كما يرى تقرير «فاينانشيال تايمز» أن إيران استفادت من استهداف مواقع حيوية لمنظومات الدفاع الصاروخي الأميركية في المراحل الأولى للحرب، بما في ذلك الرادارات ومواقع الإنذار المبكر بالأردن ودول الخليج، الأمر الذي أضعف قدرة تلك المنظومات على رصد الصواريخ واعتراضها.
تعديل التكتيكات العملياتية
أشارت الجريدة أيضا إلى أن إيران، التي درست أيضا التجربة الروسية في الحرب الأوكرانية، أدخلت تعديلات على أساليبها العملياتية، من بينها تمويه مواقع إطلاق الصواريخ في مقاطع الفيديو الدعائية، والتخلي عن بعض الإجراءات التي كانت تكشف مواقع الإطلاق في السابق، فضلا عن تنفيذ عمليات إطلاق نهارية بدلا من الاعتماد على الظلام.
كما يرجح محللون أن تكون إيران حسنت التنسيق بين الجيش النظامي والحرس الثوري، مع احتمال أن يتولى الجيش دورا أكبر في تشغيل الطائرات المسيّرة.
في الوقت نفسه، يستخدم الجيش الإيراني صواريخ، من بينها «خيبر شكن»، القادرة على المناورة في المرحلة النهائية قبل إصابة الهدف، وهو ما يُزيد من صعوبة اعتراضها، خصوصا مع تضرر الرادارات واستنزاف منظومات الدفاع الجوي.
معضلة جديدة أمام واشنطن
تواجه الولايات المتحدة، بحسب التقرير، الآن معضلة استراتيجية، إذ لا تزال إيران تمتلك قوة صاروخية قادرة على الرد على أي هجوم جديد، بينما يتطلب الحد من هذا التهديد توسيع نطاق الضربات الأميركية، لاستهداف منصات الإطلاق والقواعد الصاروخية بصورة أكبر.
وقال الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فرزين نديمي، إن اعتراض الصواريخ الباليستية في المرحلة النهائية أصبح أكثر صعوبة، مضيفا أن الولايات المتحدة قد تضطر إلى تخصيص مزيد من الموارد لملاحقة منصات الإطلاق نفسها.
وأشار إلى أن تحقيق ذلك قد يستلزم عودة «إسرائيل» إلى المشاركة في العمليات العسكرية، لافتا إلى أن التقديرات تشير إلى أن الصواريخ التي أصابت الأردن ربما أُطلقت من مناطق قرب مدينة تبريز شمال غرب إيران، وهي منطقة كانت «إسرائيل» تنشط فيها خلال المراحل الأولى من الحرب.
مع ذلك، يحذر التقرير من أن أي عودة إسرائيلية إلى القتال قد تؤدي إلى تعقيد الصراع وتوسيعه. كما ستُزيد من استهلاك الولايات المتحدة صواريخها الاعتراضية، بينما نجحت الضربات الإسرائيلية التي نُفذت في الأسابيع الأولى من الحرب في كبح التهديد الصاروخي الإيراني موقتا، لكنها لم تتمكن من القضاء عليه.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات