دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة غير مسبوقة من الضغوط، مع تسارع استنزاف مخزونات النفط والوقود حول العالم نتيجة الحرب الإيرانية، وتعطل تدفقات الخام عبر الخليج العربي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اقتراب الأسواق من مستويات حرجة، تهدد بارتفاعات أكبر في الأسعار، ونقص فعلي في الإمدادات.
وتشير تقديرات مؤسسات مالية دولية إلى أن العالم فقد خلال شهرين فقط جزءا كبيرا من «الهامش الوقائي» الذي تعتمد عليه الأسواق لمواجهة الصدمات، بعدما تسبب شبه إغلاق مضيق هرمز في تقليص الإمدادات العالمية بأكثر من مليار برميل، بحسب تقرير نشرته وكالة «بلومبرغ» الأميركية أمس السبت.
وتحدث محللون عن انخفاض المحزونات المرئية العالمية إلى المستوى الأدنى منذ العام 2018، بينما تحدث آخرون عن تسجيل «أكبر عملية سحب فصلية» للمخزونات النفطية الاستراتيجية.
أكبر عملية سحب فصلية
بحسب تقديرات بنك «مورغان ستانلي»، تراجعت المخزونات النفطية العالمية بنحو 4.8 مليون برميل يوميا بين الأول من مارس و25 أبريل، في أكبر عملية سحب فصلية تسجلها البيانات الحديثة، بينما يشكّل النفط الخام نحو 60% من هذا التراجع، والباقي من المنتجات المكررة.
- تراجع واردات الصين من الطاقة في أبريل بسبب إغلاق مضيق هرمز
- «كيبلر»: تراجع حركة نقل المواد الأولية عبر مضيق هرمز لأدنى مستوياتها منذ اندلاع الحرب
ويرى محللون أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بتراجع الكميات المتاحة، بل ببلوغ الأسواق مستويات قريبة من «الحد التشغيلي الأدنى» للمخزونات، وهو المستوى الذي تصبح عنده البنية التحتية النفطية، مثل خطوط الأنابيب ومحطات التخزين والتصدير، مهددة بفقدان قدرتها على العمل بكفاءة.
بدورها، قالت رئيسة أبحاث السلع العالمية في «جيه بي مورغان»، ناتاشا كانيفا، إن المخزونات تؤدي دور «ممتص الصدمات» في النظام النفطي العالمي، لكنها حذرت من أن «ليس كل برميل قابلا للاستخدام»، في إشارة إلى وجود حد أدنى لا يمكن تجاوزه دون تعريض سلاسل الإمداد للخطر.
وعلى الرغم من ظهور مؤشرات على تباطؤ نسبي في وتيرة السحب من المخزونات خلال الأيام الأخيرة بسبب تراجع الطلب الصيني، فإن بنوكا استثمارية أكدت أن المخزونات العالمية المرئية اقتربت بالفعل من أدنى مستوياتها منذ العام 2018.
آسيا في قلب الأزمة
تتركز المخاوف الأكثر إلحاحا في عدد من الدول الآسيوية المعتمدة بشكل كبير على استيراد الوقود، إذ حذر متعاملون في السوق من أن دولًا، مثل إندونيسيا وفيتنام وباكستان والفلبين، قد تواجه مستويات حرجة من الإمدادات خلال أسابيع قليلة إذا استمر تعطل الملاحة في مضيق هرمز.
في المقابل، تبدو الاقتصادات الكبرى، مثل الصين وكوريا الجنوبية، أكثر قدرة على امتصاص الصدمة بفضل احتياطيات كبيرة من الخام والمنتجات النفطية، دفعت بعض التقديرات إلى الحديث عن احتمال استئناف صادرات الوقود المكرر من البلدين.
وتشير بيانات شركة «كايروس»، المتخصصة في تتبع المخزونات، إلى أن احتياطيات النفط في منطقة آسيا والمحيط الهادئ خارج الصين تراجعت بنحو 70 مليون برميل منذ اندلاع الحرب، بينما سجلت اليابان والهند أدنى مستويات موسمية للمخزونات منذ أكثر من عشر سنوات.
كما يواجه الديزل، الذي يعد شريانا أساسيا للاقتصاد العالمي، ضغوطا متزايدة، خاصة في الدول التي تفتقر إلى قدرات إنتاج وتكرير محلية كافية.
أوروبا تخشى نقص وقود الطائرات
في أوروبا، تتجه الأنظار إلى وقود الطائرات بوصفه الحلقة الأضعف في سوق الطاقة الحالية، مع تراجع المخزونات في مركز «أمستردام – روتردام – أنتويرب» بنحو الثلث منذ بداية الأزمة، لتصل إلى أدنى مستوى في ست سنوات.
ويحذر محللون من أن الطلب المرتفع خلال موسم السفر الصيفي قد يدفع الأسواق الأوروبية إلى أزمة فعلية في وقود الطائرات خلال الأشهر المقبلة، خصوصًا في بريطانيا وألمانيا وفرنسا التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.
الولايات المتحدة تستنزف احتياطياتها
في الولايات المتحدة، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى «المورد الأخير» للأسواق العالمية، تراجعت مخزونات الخام والوقود إلى ما دون متوسطاتها التاريخية مع ارتفاع الصادرات، وزيادة الاعتماد الدولي على الإمدادات الأميركية.
وأظهرت بيانات حكومية انخفاض مخزونات النفط الأميركية، بما في ذلك الاحتياطي الاستراتيجي، لأربعة أسابيع متتالية، بينما هبطت مخزونات الديزل إلى أدنى مستوياتها منذ العام 2005.
وعلى الرغم من بدء شركات النفط الأميركية زيادة الإنتاج، فإن مسؤولين تنفيذيين في القطاع حذروا من أن تراجع المخزونات سيستمر على المدى القصير حتى في حال إعادة فتح مضيق هرمز.
مخاطر تضخم وركود عالمي
أدت الأزمة بالفعل إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والوقود، ما يهدد بتغذية موجة جديدة من التضخم العالمي، وزيادة احتمالات الركود الاقتصادي.
كما بدأت آثار الأزمة تظهر في دول عدة، من بينها الهند التي تواجه نقصا في غاز البترول المسال، بالإضافة إلى اضطرابات في حركة الطيران، وارتفاع تكاليف الوقود بالولايات المتحدة وآسيا.
ويرى محللون أن الأسواق قد تضطر إلى تحمل مستويات أعلى بكثير من الأسعار خلال الفترة المقبلة من أجل خفض الطلب، وإعادة التوازن بين العرض والاستهلاك، خاصة مع تراجع الطاقة الاحتياطية العالمية، واستمرار السحب من المخزونات بوتيرة مرتفعة.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، تعهدت الحكومات بالإفراج عن نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية ضمن تحرك منسق تقوده وكالة الطاقة الدولية. غير أن مراقبين يرون أن الاعتماد المفرط على هذه الاحتياطيات قد يفاقم هشاشة السوق على المدى الطويل.
كما يتوقع خبراء أن يؤدي الاستنزاف الحالي إلى موجة إعادة بناء ضخمة للمخزونات بعد انتهاء الأزمة، وهو ما قد يخلق طلبا إضافيا طويل الأمد على النفط، ويدفع الأسعار إلى البقاء عند مستويات مرتفعة حتى بعد عودة الإمدادات الخليجية إلى طبيعتها.
تعليقات