أدلى الناخبون في سريلانكا بأصواتهم، اليوم السبت، لاختيار رئيس جديد في انتخابات تعد بمثابة استفتاء على خطة التقشف التي أقرها صندوق النقد الدولي، بعد الانهيار الاقتصادي والأزمة المالية غير المسبوقة التي عصفت بالبلاد.
وأغلقت مراكز الاقتراع أبوابها عند الرابعة عصرا بتوقيت جرينتش. وقبل ساعة من هذا الموعد، كانت نسبة المشاركة تناهز 70%، وفق بيانات أولية أوردها مسؤول في لجنة الانتخابات، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية.
وكانت نسبة المشاركة القياسية في اقتراع رئاسي في هذه الجزيرة هي 83.7%، التي سُجلت في انتخابات 2019.
ويخوض الرئيس الحالي رانيل ويكريميسينغه معركة صعبة من أجل البقاء في منصبه، لمواصلة الإجراءات التي أدت إلى استقرار الاقتصاد في البلاد، وأنهت أشهرا من نقص الغذاء والوقود والأدوية.
وتمكّن ويكريميسينغه خلال العامين اللذين أمضاهما في منصبه من إعادة الهدوء إلى الشارع بعد الاضطرابات الشعبية التي أثارتها الأزمة الاقتصادية العام 2022، وشهدت اقتحام آلاف المتظاهرين مقر الرئيس السابق الذي فر من البلاد.
وقال البالغ 75 عاما بعد الإدلاء بصوته صباحا: «أخرجت هذا البلد من الإفلاس»، مضيفا: «سأعطي سريلانكا الآن اقتصادا متطورا ونظاما اجتماعيا متطورا ونظاما سياسيا متطورا».
لكن زيادات الضرائب التي فرضها ويكريميسينغه وفقا لشروط خطة إنقاذ صندوق النقد الدولي، البالغة 2.9 مليار دولار، تركت ملايين السريلانكيين يكافحون من أجل العيش.
وقال الناخب محمد سراج رازق (43 عاما) لوكالة «فرانس برس»: «يجب أن يحدث تغيير في البلاد»، مضيفا: «تبذير الدولة في الإنفاق لمصلحة السياسيين فقط يجب أن يتوقف».
ويواجه ويكريميسينغه منافسة شديدة من مرشحين اثنين يعدان أوفر حظا، أولهما أنورا كومارا ديساناياكا، وهو زعيم أحد الأحزاب الماركسية التي يحفل تاريخها بالعنف.
وقد قاد الحزب انتفاضتين فاشلتين في السبعينات والثمانينات، أسفرتا عن مقتل أكثر من 80 ألف شخص، ونال أقل من 4% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية السابقة.
غير أن الأزمة في سريلانكا أعطت دفعا وشعبية لديساناياكا، البالغ 55 عاما، بناء على شعاره بتغيير الثقافة السياسية الفاسدة في الجزيرة.
وأعرب ديساناياكا عن ثقته في قدرته على الفوز في الانتخابات الرئاسية، قائلا: «بعد الفوز يجب ألا تحصل مواجهات أو عنف. بلادنا تحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة».
أما المنافس القوي الثاني فهو ساجيت بريماداسا، الزعيم المعارض ونجل رئيس أسبق اغتيل العام 1993 خلال الحرب الأهلية التي استمرت عقودا في البلاد.
وتعهد بريماداسا بمكافحة الفساد. وإلى جانب ديساناياكا، وعد بإعادة التفاوض على شروط خطة إنقاذ صندوق النقد الدولي.
وقال مرتضى جافرجي من معهد «أدوفكاتا» البحثي للوكالة الفرنسية: «هناك عدد كبير من الناخبين ممن يحاولون توجيه رسالة قوية بأنهم يشعرون بخيبة أمل كبيرة إزاء الطريقة التي تُحكم بها هذه البلاد».
ويتنافس في هذه الانتخابات 39 شخصا، بينهم مرشح عمره 79 عاما توفي الشهر الماضي جراء أزمة قلبية، لكنه لا يزال على لائحة المرشحين.
- سريلانكا تتوصل إلى اتفاق جزئي لإعادة هيكلة ديون بـ5.8 مليار دولار
نتيجة غير محسومة
وقال المحلل السياسي كوسال بيريرا لـ«فرانس برس» إنه من الصعب توقع هوية الفائز في السباق الانتخابي الذي يشهد تنافسا محموما بين ثلاثة مرشحين، وهي سابقة في تاريخ البلاد.
وأضاف: «ما هو واضح أن أي مرشح لن يحصل على أكثر من 50% من الأصوات، للفوز مباشرة».
وفي غياب ذلك، سيجري المسؤولون تعدادا للصوت التفضيلي الثاني والثالث، لحسم هوية الفائز.
ويحق لأكثر من 17 مليون ناخب الإدلاء بأصواتهم. وقد نشرت السلطات أكثر من 63 ألف شرطي، لحماية مراكز الاقتراع ومراكز الفرز.
وحظرت الحكومة بيع الخمور خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأكدت أنها لن تسمح بإقامة أي تجمعات أو احتفالات بالفوز قبل انقضاء أسبوع على إعلان النتائج.
وقال رئيس لجنة الانتخابات للصحفيين في كولومبو إن عملية الاقتراع السبت ستدخل التاريخ كأكثر انتخابات سلمية تشهدها سريلانكا.
وبدأ فرز الأصوات مساء السبت، ومن المتوقع أن تعلن النتيجة الأحد، لكن النتيجة الرسمية قد تتأخر إذا كانت المنافسة متقاربة.
وأغلقت المدارس الجمعة، كي تحوَّل إلى مراكز اقتراع انتشر فيها أكثر من 200 ألف موظف رسمي أشرفوا على العملية الانتخابية.
لم تخرج من الأزمة
هيمنت قضايا الاقتصاد على الحملة الانتخابية التي استمرت ثمانية أسابيع، وسط غضب شعبي إزاء الصعوبات المعيشية المستمرة منذ بلوغ الأزمة ذروتها قبل عامين.
وبحسب الأرقام الرسمية، تضاعف معدل الفقر في سريلانكا مرتين مسجلا 25% بين عامي 2021 و2022، ليُضيف أكثر من 2.5 مليون شخص إلى عدد الذين يعيشون على أقل من 3.65 دولار في اليوم.
ويحذّر الخبراء من أن اقتصاد سريلانكا لا يزال ضعيفا، إذ لم يبدأ استئناف سداد الديون الخارجية للجزيرة، البالغة 46 مليار دولار، منذ تخلف الحكومة عن السداد في 2022.
وقال صندوق النقد الدولي إن الإصلاحات التي أقرتها حكومة ويكريميسينغه بدأت تؤتي ثمارها، مع عودة النمو ببطء.
وأوضحت جولي كوزاك، من صندوق النقد الدولي، لصحفيين في واشنطن الأسبوع الماضي: «جرى تحقيق الكثير من التقدم، لكن البلاد لم تخرج من الأزمة بعد».
وكان رأي سونداري ديفيد رودريغو مشابها، إذ قالت بعد الإدلاء بصوتها: «أمامنا العديد من التحديات، لذا أتمنى حظا سعيدا للفائز أيا يكن».
تعليقات