Atwasat

«ثمن عدم المساواة» الدرس القادم من أميركا.. كيف يمكن إصلاح «رأسمالية القرن 21»؟

القاهرة - بوابة الوسط: سامي البلعوطي السبت 17 يونيو 2023, 01:56 مساء

في كتابه «ثمن عدم المساواة» يحذر جوزيف ستيجلتز من أن النظام الاقتصادي الذي لا تعود فوائده على غالبية المجتمع هو نظام فاشل، وهي إدانة لاقتصاد السوق، أو ما يسميه ستيجلتز نفسه «أصولية اقتصاد السوق النيوليبرالية».

BCD Ad BCD Ad

وستيجلتز صاحب جائزة نوبل العام 2001 في العلوم الاقتصادية، له نقد ساخر للأساطير التي تتردد حول كفاءة الأسواق في الولايات المتحدة نفسها، حيث النظام الاقتصادي غير كفء بالنسبة للفقراء والطبقة المتوسطة الأميركية، إذ يسيطر 1% من الأميركيين في القمة على 40% من ثروة الأمة.

«ضمير شخص ليبرالي»
وكذلك الأسواق خارجها خصوصا في دول العالم الثالث، فقد التقى واستمع عالم الاقتصاد ستيجلتز إلى الشباب الثائرين بميادين الاحتجاج العام 2011 في تونس والقاهرة ومدريد ونيويورك حيث حركة «احتلوا وول ستريت».

وكتاب «ثمن عدم المساواة» صدر مؤخرا بالعربية عن المركز القومي للترجمة في مصر، وقد ترجمته عن الإنجليزية لبنى الريدي التي أغنت المكتبة العربية بعديد الترجمات، والكاتبة الصحفية منال قابيل.

ـ توقعات بدخول الاقتصاد الأميركي مرحلة ركود وتضخم كبير حتى 2024
ـ الاحتياطي الفيدرالي أمام قرار صعب يوازن بين التضخم والانكماش
ـ 2020 العام الأسوأ للاقتصاد الأميركي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية

والكتاب كغيره من كتب ناقشت أزمة «رأسمالية القرن 21»، فضح مثالب اقتصاد السوق وعرى نموذجه في الولايات المتحدة، كاشفا أوهامه وعوراته، ذلك النظام الذي تعممه وتعولمه مؤسسات «بريتون وودر» البنك الدولي وصندوق النقد على باقي دول العالم، فعدم المساواة أو غيابها اجتماعيا، كان ولايزال شاغل كوكبة كبيرة من الاقتصاديين، من بين هؤلاء مواطنه بول كروجمان، الذي درس في كتابه «ضمير شخص ليبرالي» تاريخ غياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية وأوضح أسباب الفجوة بين الأغنياء والفقراء في الولايات المتحدة.

الحلم الأميركي يتلاشى
وعبر عشرة فصول امتدت إلى 500 صفحة من الكتاب، يبدو جليا لماذا يمنح ستيجلتز النظام الاقتصادي الاميركي «درجة فشل»، ويخلص إلى أنه بعد أن كان يحصل «من في القاع ومن في الوسط على لمحة من الحلم الأميركي، تلاشى ذلك الحلم الآن بالنسبة لقطاع واسع من السكان»، بل ويرى إنه لم يعد مفيدا «الادعاء بأن الأميركيين يتمتعون بحراك اجتماعي أكبر من نظائرهم الأوروبيين، فإن أميركا لم تعد أرض الفرص».

ويقول «إن أغلب الدخل عند القمة يعود إلى الريع الذي نقل الدولارات من القاع والوسط إلى القمة وشوهت السوق لمصلحة البعض وعلى حساب آخرين»، فقد أصبح العديد من الأميركيين الآن «أسوأ حالا على المستوى الاقتصادي مما كانوا عليه قبل ربع قرن من الزمن. فالدخل المتوسط الذي يحصل عليه الموظف بدوام كامل الآن أقل مما كان عليه قبل 42 عاما، وبات من الصعب على نحو متزايد حصول أولئك من ذوي التعليم المحدود على وظيفة بدوام كامل وأجر لائق».

محنة الشباب الأميركي
و حين يتحدث ستيجلتز عن محنة الشباب الأميركي، تجد حديثه لا يختلف كثيرا عما تعانيه الأجيال الجديدة من الشباب في دول العالم الثالث، إذ يقول: يواجه الكثيرون من شباب اليوم «عالما من القلق والخوف...يبحثون عن فرص عمل جديدة في سوق كئيبة، وإذا كانوا محظوظين وحصلوا على وظيفة فإن الأجور ستكون محبطة، فهي غالبا منخفضة جدا، بحيث سيكون عليهم الاستثمار في العيش مع أهلهم»، بينما الأهل قلقون على مستقبلهم هم وعلى مستقبل أولادهم، تحيرهم أسئلة مثل «هل سيفقدون منزلهم، هل سيجبرون على التقاعد المبكر، وهل يمكنهم الاعتماد على مدخراتهم التي تتناقص، وهم يعلمون أنهم لن يتمكنوا من طلب المساعدة من أبنائهم...»

لكن ميزة صوت ستيجلتز هو أنه ينقد النظام الرأسمالي من داخله، ومن مركزه الأعلى الاقتصاد الأميركي، حيث قضى سبع سنوات في مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة والبنك الدولي خلال تسعينيات القرن الماضي، مما وفر له إلى جانب خبرته الأكاديمية الطويلة إحاطة بمعظم الأحداث الاقتصادية البارزة، خصوصا فترة التحول التي مرت بها دول الاتحاد السوفياتي، مكنته من الوقوف على حقيقة سياسات المؤسسات الرئيسية للعولمة التي لم تنتج سوى المآسي، ما دفعه للاستقالة منها مغلبا ضميره الإنساني على المصالح الخاصة والأيديولوجية الضيقة.

فرض الضرائب على الأثرياء
فقد طور ستيجلتز خطابه السياسي والاقتصادي مع الوقت، واشتبك مع قضايا الشأن الأميركي والاقتصاد العالمي بمقالات دعا فيها إلى فرض ضرائب تصل إلى 70 % على أثرى الأثرياء لمعالجة مشكلة عدم المساواة الاقتصادية الآخذة فى الاتساع عالميا، وأوضح أن زيادة معدل ضريبة الدخل على الأشخاص الأكثر دخلا من شأنها أن تؤدي إلى مجتمع أكثر عدالة، في حين أن فرض ضرائب على الثروات التي جمعها أثرى الأثرياء عبر الأجيال سيكون له تأثير أكبر. وقال «علينا أن ندرك أن معظم المليارديرات في العالم حصلوا على ثرواتهم عن طريق الحظ».

وفي كتابه «ثمن عدم المساواة» يرى ضرورة أن تصغي النخب السياسية في الولايات المتحدة إلى رسالتين: الأولى أن نظريات أصولية السوق النيوليبرالية التبسيطية التي صاغت قدرا كبيرا من السياسة الاقتصادية خلال العقود الأربعة الماضية مُضلِّلة تماما، فنمو الناتج المحلي الإجمالي جاء على حساب فجوة التفاوت التي اتسعت حتى بلغت عنان السماء. أي أن نمو التراكم الرأسمالي في الوقت الذي ولد فيه الثروة ولد أيضا أشكالا جديدة من البؤس.

الناتح المحلي ليس مقياسا جيدا للأداء
كذلك يدعو إلى «عدم التقديس الأعمى للناتج المحلي»، لأنه ليس مقياسا جيدا للأداء الاقتصادي، فهو «لا يعكس بدقة التغيرات في مستوى معيشة أغلب المواطنين»، «ولا يخبرنا إن كان النمو مستداما أم لا». وتتعدد نتائج تحليل استيجلتز للنموذج الاقتصادي الأميركي، خصوصا هيمنة النظم المالية والسياسة النقدية لـ«لمجلس الاحتياطي الفيدرالي»، ليخلص إلى أن هذا النموذج «أفاد من في القمة على حساب الباقي»، ما جعل البعض يصف استيجلتز بـ«المرتد» عن الرأسمالية!

لكن ستيجلتز في الواقع كـ«كينزي مجدد» يسعى لإصلاح ما أفسدته سياسات اقتصاد السوق، بالجمع بين الحرية والعدل معا، بهدف «تحقيق مجتمع يتوافق أكثر مع قيمنا الأساسية، مع فرص أكثر، وإجمالي دخل قومي أعلى، وديمقراطية أقوى، ومستويات معيشة أعلى لأغلب أفراد المجتمع».

كيف؟
هذا ما يفصله ستيجلتز في الفصل العاشر من الكتاب بأجندة إصلاح اقتصادي طويل الأجل، تلخصها هذه النقاط :

ـ ميثاق اجتماعي جديد يغير قواعد اللعبة، بما يحفظ نوع المجتمع ونوع الحكومة اللذين يخدمان جميع السكان، متسقا مع مبادئ العمل واللعب النظيف والإنصاف والفرصة، وهذا لا يتحقق من تلقاء نفسه، وإلا تصبح حكومتنا ومؤسساتنا أسيرة المصالح الخاصة.

ـ كبح جماح القطاع المالي الذي تزيد تجاوزاته من تنامي عدم المساواة، وذلك من خلال كبح الإفراط في المخاطرة، وجعل البنوك وشركات بطاقات الائتمان أكثر شفافية وتنافسية، ووضع حدود صارمة على مشاركة البنوك في الإقراض المفترس، وممارسات بطاقات الائتمان المتعسفة، وكبح المكافآت التي تشجع على سلوك المخاطرة المفرطة، وإغلاق المراكز المصرفية المؤسسة في الخارج (أوفشور) ونظيرتها في الداخل، لأن سبب وجودها الحقيقي هو التحايل.

ـ الإصلاح الضريبي يسهم في تعزيز الكفاءة الاقتصادية وزيادة المساواة، ولكي نوفر إيرادات للاستثمار العام والاحتياجات الأخرى، لمساعدة الفقراء والطبقة الوسطى، وضمان وجود فرص لكل شرائح السكان، سيكون علينا فرض ضرائب تصاعدية، لأن نظامنا مشوه بالثغرات والإعفاءات والاستثناءات والتفضيلات.

سياسة نقدية تحافظ على العمالة الكاملة
ـ تخفيف العولمة بخلق المزيد من الفرص المتكافئة، ووضع نهاية للسباق نحو القاع، ضاربا أمثلة على كيفية إعادة العولمة إلى حالة توازن أفضل.

ـ سياسة مالية لاستعادة العمالة الكاملة والحفاظ عليها، مع المساواة، وهو ما يتطلب سياسة نقدية ومؤسسات نقدية تحافظ على هذه العمالة الكاملة، إلى جانب تصحيح الخلل في الميزان التجاري، لأن الولايات المتحدة تستورد أكثر مما تصدر، لأن الصادرات تخلق فرص عمل، والاستيراد يدمر فرص العمل، وإذا استمر ذلك فترة طويلة أحدث الإنفاق الحكومي الفرق (عجز الموازنة).

ويبقى السؤال هل العالم بحاجة إلى كينزية جديدة تنقذ الرأسمالية مرة أخرى، أم تبقى الإخفاقات والتوترات هي النظام اليومي للحياة؟

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
«المملكة القابضة» السعودية: نمتلك 42.4 مليون سهم في «سبيس إكس»
«المملكة القابضة» السعودية: نمتلك 42.4 مليون سهم في «سبيس إكس»
تعافي صادرات الوقود من الشرق الأوسط مع عبور المزيد من الناقلات عبر مضيق هرمز
تعافي صادرات الوقود من الشرق الأوسط مع عبور المزيد من الناقلات ...
الزيدي يلغي مشروعا لتطوير مطار بغداد بـ764 مليون دولار بسبب «شبهات فساد»
الزيدي يلغي مشروعا لتطوير مطار بغداد بـ764 مليون دولار بسبب ...
قبل قمة مجموعة السبع.. ماكرون ومودي يعززان «الشراكة الاستراتيجية» بافتتاح معرض الابتكارات الهندية
قبل قمة مجموعة السبع.. ماكرون ومودي يعززان «الشراكة الاستراتيجية»...
المفوضية الأوروبية: ندرس تداعيات القرار الأميركي بشأن «أنثروبيك»
المفوضية الأوروبية: ندرس تداعيات القرار الأميركي بشأن «أنثروبيك»
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم