عندما نقف على شاطئ التجربة الأسطورية عند حَذَامِ بن قدارة، وقفة تأمّل نكتشف أننا أمام ما لم نكن نتوقعه، ونضطر للاعتذار من حصيلة قراءتنا السابقة للميثولوجيا التي جعلتنا نضع تصورًا مسبقًا لكل تجربة تتكئ على الأساطير.
الأمر هنا يختلف في جوهره عن كثير من التجارب الشعرية التي استعارت الأسطورة الحديثة.
فحذام تتعامل مع الأسطورة من منظور مغاير لا يكتفي بوصفها رمزًا جاهزًا يضفي مسحة ثقافية أو جمالية على النص، وإنما تتعامل معها من زاوية أخرى أكثر إنسانية وخصوصية؛ زاوية الكائنات التي ظلّت طويلًا خارج دائرة الضوء.
لقد اعتاد التاريخ الأسطوري أن يُكتب من وجهة نظر المنتصرين. فالملوك ومن يعتقد أنهم آلهة، والأبطال هم الذين يتصدرون المشهد، وهم الذين تُروى مغامراتهم وتُخلّد أسماؤهم، ويُنحاز إليهم، ويقف المتفرجون في صفهم بينما تتوارى شخصيات أخرى لا تقل أهمية من الناحية الإنسانية، لكنها لم تنل إلا نصيبًا ضئيلًا من السرد أو التعاطف. وهنا بالتحديد تبدأ مغامرة حَذَامِ الشعرية. ويبرز حضورها الذاتيُّ الرافضُ لما هو سائد، لا تهدم الأسطورة ولا تعارضها، بل تعيد ترتيب مواقع الوقوف داخلها.
- إصدار يعيد إحياء أعمال الشاعرة الليبية حذام بن قدارة – فكيني
- مسيرة الدبلوماسي الليبي محيي الدين فكيني في مئويته الأولى
لا تكتفي بدور التابع المقلد بل ترتدي عباءة المؤثر فتنقل مركز الاهتمام من البطل إلى الضحية، ومن المنتصر إلى المنسي، ومن صاحب الصوت الأعلى إلى صاحب الصوت الذي لم يُتح له أن يُسمع.
إعادة تشكيل زاوية النظر
ولهذا تُشعرُنا قصائدها أحيانًا وكأنها محاولة متواصلة لإعادة فتح الملفات التي أغلقها الرواة القدامى، وإعادة تشكيل زاوية النظر لمنح الشخصيات الصامتة حق الدفاع عن نفسها، أو على الأقل حق التعبير عن ألمها وحنينها وخساراتها.
ولعل أوضح مثال على ذلك قصيدة «رثاء ميدوسا». ففي الموروث الإغريقي التقليدي تظهر ميدوسا بوصفها وحشًا مرعبًا ينبغي القضاء عليه، ويغدو انتصار برسيوس عليها واحدًا من أشهر انتصارات البطولة الكلاسيكية. غير أن حَذَامِ تقلب زاوية النظر كاملة؛ فبدل أن تنشد نشيد الظفر، تكتب مرثية، وبدل أن تقف مع القاتل، تقف إلى جوار القتيلة. فجأة تتحول ميدوسا من رمز للرعب إلى كائن يستحق الحزن، ويغدو موتها خسارة لا انتصارًا. وهكذا تستعيد الشخصية التي أدانها التاريخ الأسطوري شيئًا من إنسانيتها المفقودة.
والأمر نفسه يمكن ملاحظته في قصيدة «أغنية كاليبسو». فالسرد الأوديسي التقليدي يروي قصة أوليس العائد إلى وطنه، ويجعل من كاليبسو مجرد محطة عابرة ومحطة متّهمة في رحلته الطويلة. لكن حَذَامِ لا تنظر إلى الحكاية من جهة الرحّالة العائد، بل من جهة المرأة التي تُركت خلفه. إنها لا تسأل: كيف عاد أوليس؟ بل تسأل: ماذا حدث لقلب كاليبسو بعد الرحيل؟ وهكذا تنتقل بؤرة الضوء من البطل إلى من بقي وحيدًا على الشاطئ، ومن المغامرة إلى آثارها الإنسانية الصامتة.
ويظهر هذا المنحى كذلك في معالجتها لشخصية هيلين، أكثر نساء الأسطورة الإغريقية تعرضًا للإدانة. فهيلين، في الرواية التقليدية، هي المرأة التي أشعلت حرب طروادة وأغرقت العالم في الدماء. أما عند حَذَامِ فالصورة أكثر تعقيدًا وأشد إنسانية. فهي لا تقدم هيلين كما قدمتها الميثولوجيا مذنبة مطلقة، وإنما تنحاز إليها وتقدم المبررات لها وكأنها تقول إنها امرأة عالقة في شبكة من الأقدار والقوى والرغبات المتجاوزة لإرادتها. لا تبرئها تمامًا، لكنها ترفض اختزالها في صورة نمطية واحدة، وتمنحها فرصة أن ترى إنسانيتها قبل أن تكرس رمزًا للشر.
هذا التعاطف نراه في تجربة الشاعرة الليبية حذام بن قدارة يمتد إلى شخصيات أخرى كثيرة في عالمها الشعري. فبروسربينا ليست مجرد تفسير أسطوري لتعاقب الفصول، وإنما ابنة تتوق إلى حضن أمها. وأريثوزا ليست اسمًا عابرًا في الأسطورة، بل قلب عاشق يركض بين الماء والحنين. وحتى الشخصيات الثانوية التي تظهر عَرَضًا في قصائدها كثيرًا ما تكتسب حضورًا شعوريًا يفوق ما منحته لها الأساطير الأصلية.
الأسطور كأرشيف هائل للأحزان الإنسانية
ومن هنا يمكننا القول إن ما يميّز تجربة حذام أو على الأقل ما يجعلها جديرة بالاهتمام هي أنها لا تنظر إلى الأسطورة من حيث كونها تاريخًا للبطولات، بل من زاوية كونها أرشيفًا هائلًا للأحزان الإنسانية.
إنها تبحث دائمًا عن الجرح المختبئ خلف المجد، وعن الدموع التي غطتها أناشيد النصر، وعن الإنسان الذي ابتلعته الرموز الكبيرة.
هذا البحث هو الذي يمنحنا شعورا بأننا تعرفنا إلى شخصيات أسطورية جديدة، عند فراغنا من قراءة نصوصها بالرغم من يقيننا بأنها الشخصيات نفسها التي عرفناها من قبل.
فندرك أن الجديد ليس في الأسماء، بل في زاوية الرؤية. فحذام لا تغيّر الحكاية بقدر ما تغيّر موضع العين التي تنظر إليها.
وهذه السمة تكتسب أهمية أكبر إذا نظرنا إليها في إطار المشروع الشعري الكامل للشاعرة التي حشدت كل الكائنات الأسطورية في قصائد دواوينها الخمسة ولم تكن فيها مأخوذة ببريق الأبطال الخارقين، ولا بجلال الأسطورة، وإنما كانت مفتونة بالبعد الإنساني الكامن فيها. ولهذا تبدو أساطيرها أقل احتفاءً بالقوة وأكثر احتفاءً بالهشاشة، وأقل انشغالًا بالنصر وأكثر انشغالًا بالخسارة، وأقرب إلى الإنصات منها إلى الخطابة.
إنها لا تسأل من انتصر في نهاية الحكاية، بل من الذي لم يسمع أحدٌ صوته أثناء الحكاية.
وهنا تتجلى فرادة مشروعها. فالكثير من الشعراء استخدموا الأسطورة، وكثير منهم أعاد تأويلها، لكن حَذَامِ ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ جعلت من الشعر وسيلةً لإعادة التوازن الأخلاقي والجمالي داخل العالم الأسطوري نفسه. وكأنها أرادت أن تقول إن التاريخ ــ حتى التاريخ المتخيل ــ لا يكتمل إلا حين نتوقف قليلًا لنصغي إلى أولئك الذين مرّوا في هامشه.
لهذا يمكن النظر إلى شعر حَذَامِ بوصفه نوعًا من «العدالة الشعرية» التي تُمنح فيها الشخصيات المنسية فرصة أخيرة للكلام. وللضوء فرصة أن يمتد أيضًا إلى الوجوه التي ظلت طويلًا واقفة في العتمة.
إن حَذَامِ من هذه الزاوية ليست شاعرة الأسطورة فحسب، بل شاعرة الهامش المنسي في الأسطورة؛ ذلك الهامش الذي ظل صامتًا قرونًا طويلة قبل أن تمنحه قصائدها صوتًا، وقلبًا، وحقًا في أن يُروى من جديد.
يشار إلى أن حذام فكيني من أوائل الليبيات اللواتي خضن غمار الكتابة الإبداعية باللغة الإنجليزية، إذ أصدرت مجموعتها الأولى «أصداء من الماضي» في لندن عام 1970.
تعليقات