تختار الروسية فالنتينا إيفاكينا كلماتها بدقة حين تفسر سبب ارتيادها المستمر لمسرح «البولشوي» العريق في موسكو، إذ تصف الأمر بأنه رغبة في «الهروب من المشاكل الحالية» التي تعيشها بلادها المنخرطة منذ أربع سنوات في نزاع دامي مع أوكرانيا.
وتعكس حالة فالنتينا ظاهرة عامة في روسيا؛ حيث تشهد المواقع الثقافية في العاصمة إقبالاً منقطع النظير، فتغص الحفلات الموسيقية بالحشود، وتعج «غاليري تريتياكوف» بالزوار حتى في منتصف الأسبوع، بينما تنفد تذاكر معرض الرسام «شاغال» في متحف بوشكين عبر الإنترنت فور طرحها، وفقا لوكالة «فرانس برس».
وبحسب ناتاليا سيرغونينا، نائبة رئيس بلدية موسكو، فإن عدد زوار المتاحف في العاصمة الروسية وسانت بطرسبرغ قفز بنسبة 30% في العام 2025 وحده.
وبالنسبة لفالنتينا (45 عاماً)، المتخصصة في التسويق، فإن اللجوء للفن هو البديل الوحيد بعد تضاؤل فرص السفر للخارج؛ فمنذ بدء الهجوم الكاسح في فبراير 2022، انقطعت الروابط مع الغرب، وصار الحصول على التأشيرات معقداً، وحُجبت العديد من تطبيقات المراسلة الأجنبية.
وفي أحاديثهم العلنية، يكتفي الروس باستخدام تلميحات مثل «الظروف» أو «المشاكل» للإشارة إلى سنوات الحرب الأربع التي خلفت مئات الآلاف من القتلى.
«وليمة في زمن الطاعون»
خارج متحف بوشكين، يصف المصور فيكتور تشيلين (30 عاماً) التردد على المتاحف بأنه «مؤامرة صامتة» يشعر فيها الزائر بالاتحاد مع الآخرين في الإعجاب بالجمال، هرباً من واقع «نخشاه جميعاً ونحاول تجاهله للحفاظ على شيء من الحياة الطبيعية».
ويستحضر فيكتور وصف «وليمة في زمن الطاعون»، وهو عنوان مسرحية لبوشكين كتبت إبان وباء الكوليرا العام 1831، ليصف هذا الشعور بالاستمتاع بالفن وسط المأساة.
- الهويات المتعددة محور رئيسي في أفلام مهرجان برلين السينمائي
- أزمة جديدة في «اللوفر».. عملية احتيال على التذاكر بـ10 ملايين يورو
- اختيار الفيلم الوثائقي الليبي «بطلة – Champion» للمشاركة في مهرجان دولي بروسيا
ويرى عالم الاجتماع دينيس فولكوف، مدير مركز «ليفادا» المستقل، أن هذا الاهتمام المتجدد بالثقافة نابع من رغبة الروس في «الحفاظ على صحتهم النفسية وعلاقاتهم مع الآخرين» عبر تجنب تدفق الأخبار السيئة وتفادي النقاشات السياسية الحادة.
وبينما يلتزم الفنانون المعارضون الصمت أو يغادرون البلاد، تكتفي المؤسسات الثقافية الكبرى بتقديم العروض الكلاسيكية التي تمنح الزوار مثل إيرينا (79 عاماً) «حماسة للحياة»، وتغذي أرواحهم وسط عالم يدركون جيداً أين يكمن فيه «الخير والشر».
تعليقات