Atwasat

سطوة الذاكرة في «اسليمة».. عندما يتحول المكان إلى عقدة

طرابلس - بوابة الوسط الجمعة 06 فبراير 2026, 08:56 صباحا

هل يمكن للمكان أن يصبح عقدة أم هي عقدة الزمان والمكان؟.. ذلك جزء من زخم تساؤلات ازدحمت في رأس بطل رواية «اسليمة»، للدكتور الناقد والروائي عبدالحفيظ العابد، حيث الذاكرة تهوي بسطوتها منتجة فيضا من الدلالات النفسية والثقافية، ومشرحة واقع جغرافيا طاردة «ليبيا»، ومحاصرة عايشها الراوي يحاول فيها الإبحار إلى جغرافيا بديلة «مالطا» في تسعينات القرن الماضي بحثا عن تجربة جديدة، ونافذة تمكنه من رؤية واقع مختلف.

BCD Ad BCD Ad

لا يمنحنا السرد معرفة اسم البطل الذي يمكن تصوره، وفق هذه الرؤية، نسخة أو نموذج عام لحالة سائدة، يلتقيه في الفضاء الجديد ابن عمه علي صحبة أحمد، ورفقة كوفي الغاني، وتحتضنهم بلدة «اسليمة» بالأرخبيل المالطي «مهاجرون غير شرعيين فروا من بلاد يسكنها الغبار واللصوص، بعد أن ذبلت أحلامهم المغروسة في أحواض النفط»، كما تقول الرواية في أحد فصولها بالصفحة الخامسة عشرة.

- للاطلاع على العدد «533» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

لا تتكشف عوالم الشخوص الأرخبيلية بالشكل الكافي علي الرغم من أن طقس الغربة كان عنصرا نفسيا محفزا لمعرفة جزء من مسارب الماضي وتكوينها، خصوصا وهي الدائرة الحاضنة للراوي البطل، ساندة مجتمعية مصغرة، وتجمعها تقريبا مرجعية جغرافية واحدة، ولا يتعدي حدود معرفتنا خارج عملهم في البناء سوى «خيبات صغيرة في مالطا، ثم العودة آخر الليل عابثين ساخرين من حيلهم البالية» ص 16.

مع ذلك، غذت تلك الصداقة البطل بما يسمح بأنسة مكانية مكنته علي الأقل من رؤية ضفة نفسية أخري خارج نزواتهم، وكانت «أوكسانا» عاملة مقهى. وهنا نتحدث عن نقلة روحية تعادل موضوعيا سفره الفيزيائي، كان الراوي بحاجة لاكتشاف روحه أكثر من حاجته لاكتشاف إمكاناته الجسدية (مع أوكسانا اكتشفت جسدي، وعرفت قلبي. هذه العضلة التي ظلت طيلة تسع وعشرين سنة تضخ الدماء، صارت تضخ الحب أيضا).

بين أوكسانا وحميدة
لا يخضع الزمن لمسار خطي منتظم، حيث السرد يضعنا أمام محطات عمرية مختلفة قبل الزواج وبعده. في لحظات نشوته فوق الأرخبيل المالطي، ولحظات صراعه مع لقمة العيش في غريان، مد وجزر زمني، وذاكرة تستظل بالأحلام والجنة الموقتة، ثم تتراجع إلي أيام القرية في بيت الحفر ملتحفا بالعزلة، عزلة والده ظلت ماضية في طريقها بجانبه، تحاذيه كظله، مرة في ثوب الواعظ، وأخرى كصدي لحياة كان لا بد له من رفضها، لكن القدر أعاده إليها حميدة. بين الضفتين إذا ترتسم قواعد اشتباك أخرى، يجرها الزمن إلي منصة المقارنة بين علاقة متحرر من تابو التقاليد «أوكسانا»، لا تدعمها ثقافة المكان، وعلاقة أخرى فرضها الواقع «حميدة»، ممهورة بشهود عقد الزواج، وتغيب فيها كيمياء الروح.

هنا تتلاشي رويدا رويدا صورة «أوكسانا» وذكرياتها، وتصبح في خيال البطل ومضة من ومضات زمن جميل في مقابل وضع يكشف مقاربة ثقافية يصيغها سؤال غير مباشر حول نساء «اسليمة»: هل حالة الوعي ترف وضرورة متخيلة أم عامل حاكم؟ وكيف تعمل البيئة كسد مانع أمام كيمياء التقارب؟

- للاطلاع على العدد «533» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

في حالة «أوكسانا» كانت لحظات تجلٍ وشغف واكتشاف وتحسس لأرض جديدة، فالبطل يشعر بآدميته غير المتعالية المعمدة في الطين والماء (واقفا أمام الله بلا أقنعة). وعبر «أوكسانا» أيضا كسر تاريخه الطويل مع (لسانه الخدول) ص 32.
في المقابل يبقى الفارق الثقافي ماثلا علي هيئة ظلال معلقة في حوار الأصدقاء عن صحة الزواج من بنت أجنبية، وكيف يبدو ذلك خارج نطاق الجغرافيا الأم، حيث تقف حميدة وخلفها كل تابوهات الشرق مسنودة بحقل ثقافي يمثل منابت البطل وتكوينه المعرفي والنفسي.

الثقافي المنزوع الدسم
خارج فضاء «أوكسانا» يعرفنا السرد بنظائر حميدة في المجال الجغرافي والثقافي، حيث القرية تنام وتصحو علي ناموسها القديم المتوارث، وبالتالي لن يكون الزواج أو الحب إلا داخل قاموس هذا الناموس (مثل حب صالح لحليمة. أحبها دون أن يفصح لها عن حبه، فلا المكان ولا الأعراف تسمح بذلك) ص 74، أو نموذج خميس الجندي، وصديق الراوي البطل ورفيقه في محطة التاكسيات، وزوجته الضابط عيشة، إذ لم تتطور العلاقة إلي أبعد من علاقة الضابط بالجندي. كذلك البطل الذي كان زواجه بحميدة تقليديا دون مشاعر مسبقة. (كان زواج سيرة أجساد مكبلة بالتقاليد والخرافات) ص 61.

لكن خلف جفاف المشاعر تختبئ معرفة شكلت نقطة جوهرية في الرواية، وهو تشريح جسر التأثر والتأثير بين الكاتب والقارئ، بين الشاعر والمعجبة، الذي حاول إنزال الخطاب الثقافي من السماء إلي التراب، من عناوين النخبة إلي واحة التجربة، ومن شباك القلق والشك إلي منصة الاعتراف، حيث يشتبك الاجتماعي بالثقافي، جر الذات الشاعرة إلي حياة مجردة من المكياج، فالواقع يفضح ويعري ويزيل ستار التناقض.

ويبرز الاختبار في اعتراف الزوجة بسر رسائلها إلي فنان تشكيلي في لحظة ضعف «ترى نفسها في غيابه امرأة بلا أجنحة» ص 29. يقابل هذا الاعتراف صراع داخلي مركب لذات البطل بين صورته الثقافية ونسختها النمطية، الخالية الإدراك، المنزوعة الدسم.

في مقابل الاعتراف أيضا تتجمع رسائل أخرى من حميدة لزوجها معمدة باللوم كمرآة تواجه الخطاب الثقافي المتناقض (أحببتك لأنك مختلف دفعت ثمن حريتك من ثقافة متسخة، وذاكرة قذرة ممتلئة بالترهات والسخافات عن المرأة الشيطانة، وضلعها الأعوج، وتفاح غوايتها وخطيئتها الأزلية. كنت تقول في حواراتنا الجميلة كل القراءات حول قصة الخلق ويوسف وزليخي قراءات ذكورية، وإن زليخي امرأة مظلومة. أرجوك لا تجعلني نعجة فداء لصراعاتك الداخلية) ص 50.

في النهاية تستعين حالة الوعي بالقطار الخارج عن سكته، حيث ساعد ما هو ثقافي على الرغم من تناقضه علي ترميم تلك الفجوة (أنا كافر بالمجتمع مثل عروة، لكن لا أملك شجاعته). إنه ترميم لا يطلب الحالة المثالية للاختلاف، بل يضعنا أمام الشرط النفسي للوعي الذي يعني الفهم قبل الفعل.

غلاف رواية «اسليمة». (أرشيفية: الإنترنت)
غلاف رواية «اسليمة». (أرشيفية: الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
معرض «آرت بازل» بسويسرا يتبنى الفن الرقمي بشكل موسع في دورته الحالية
معرض «آرت بازل» بسويسرا يتبنى الفن الرقمي بشكل موسع في دورته ...
«بالبهجة متسربلة».. أحدث روايات محمد المغبوب عن دار «الكون»
«بالبهجة متسربلة».. أحدث روايات محمد المغبوب عن دار «الكون»
استوديوهات أمازون تتخلى عن فيلم حول سام ألتمان وإيلون ماسك
استوديوهات أمازون تتخلى عن فيلم حول سام ألتمان وإيلون ماسك
الوضع السياسي الاقتصادي لموريتانيا الطنجية في كتاب جديد عن المركز الليبي للمحفوظات
الوضع السياسي الاقتصادي لموريتانيا الطنجية في كتاب جديد عن المركز...
رحيل الأب الروحي لمسلسل «فريندز» المخرج جيمس بوروز عن 85 عاماً
رحيل الأب الروحي لمسلسل «فريندز» المخرج جيمس بوروز عن 85 عاماً
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم