«الموضوعية هنا ليست الصدق في نقل ما يُرى، بل الإخلاص في نقل ما نشعر به عندما نرى»، هذا التصدير جزء من تدوينة الفنان التشكيلي عدنان معيتيق في مطوية معرضه «انطباعات موضوعية» الذي احتضنته دار الفنون.
لوحات معيتيق تعكس تجربة مغايرة لوجه الطبيعة الخالية من ضجيج المدينة هناك في الريف الذي يمتزج فيه الهدوء مع إيقاع حياتي متصالح مع الإنسان والجغرافيا، تنتقل فيه أبجديات الريشة من تقنيات الألوان إلى محاكاة طقوس ثقافة المكان «طمينة».
مكونات الوداعة الريفية
«طمينة» التي تقبع في ضواحي مدينة مصراته لا تزال محافظة إلى حد ما على مكونات الوداعة الريفية، ولأن السؤال يبدو دائما معلقا في أذهان السكان عن مدى صمودها في وجه الأسمنت، كان للذاكرة أن تستعد لتخزين ما يتاح من تفاصيل وهوامش لهذه العوالم القريبة البعيدة عن ضجيج المدينة.
فالريف يحاول الصمود بسرديته أمام سردية المدينة الجارفة وهي تتمدد وتتسع لتبتلع ما يصادفها من فضاءات رسمتها ذائقة الطبيعة ونحتها مريدوها وشايعتها صداقة بشرية لا تزال تجاهد الظروف وتتمنع عن الانجراف نحو ثقافة الأسمنت.
في لوحات معيتيق نرى الألوان في تدرجاتها تحاول تهجئة حروف الطبيعة وتندغم معها في موسيقى تشاكس لسان الأسفلت وهو يشق جسد القرية، وكذا أعمدة النور كظل يرافق الأسوار وعساس يراقب حركة السيارات والناس، شاهدا على الخط الفاصل بين الماضي والحاضر، كما نرى قوة الألوان حاضرة في لون الأشجار والتراب والأعشاب معلنة عن وجودها وحدودها وتصالحها مع الحداثة أيضا بما لا يلغي قاموسها، وهو ما نشاهده في لوحات ترتسم فيها الأشجار على جوانب الطرق تداعب السياج الأسمنتي وتقطع تواصله، كإعلان مباشر عن أهليتها وأحقيتها الفيزيائية في التواجد.
- دار الفنون تحتضن اللقاء الحواري الثالث «من الصفر» مع الفنان عدنان بشير معيتيق
- عدنان معيتيق يفتتح معرضه الخامس بدار الفنون بعنوان «انطباعات موضوعية»
- معيتيق: يجب تأسيس قاعات للعرض الفني ومتاحف في كل المدن الليبية
انطباعات معيتيق تنقلنا إلى معالم ربما شاهدناها في قرية (القومن) لدى الفنان علي العباني حيث تلتحم خيالات البيوت بالأفق ونثر الاخضرار المتماوج يمارس سطوته على أديم المكان، وقد نطالع أيضا في أفق آخر نفسا لفان جوخ نرصد فيه حقلا مطعما بمسحة ذهبية، مدى ينطلق فيه النظر إلى ما لا نهاية متحررا من ربقة الجدران. يسمح فيه تجاور الجسد مع الطبيعة بحوار جواني آخر تتجاور فيه الذات مع شواغلها كرد فعل نفسي يطابق فيه النص الوجودي مرادفه الروحي.
من زوايا معتمة إلى العلن
يرى معيتيق أن البداية من الصفر كما يصفها تعبيرًا عن انطباعات موضوعية والاستناد إلى حقائق داخلية بالتأكيد على تمثيلها واقعيا عبر خطوط وألوان على أسطح نضرة لا تفنى ولا تستحدث، طاقة تتحول من شكل لآخر وتنتقل من زوايا معتمة الى العلن وفق الضرورة الفنية.
من الصفر، ربما هي العودة الأولى الى عنفوان ضربات فرشاة الرسم السريعة ترافقها حالة تعبيرية تعتمد على التلقائية في أغلب مراحل إنجاز اللوحة بعد ضبط ملامح الموضوع فيها مع تدخل الذائقة والخبرة في وضع حدودها المنجزة، أو تكون من الصفر كأقصر المسافات، المسافة صفر في التعامل والعيش بشكل يومي مع مناظر ريفية تستحق العيش والرسم باستمرار.
حيث الألوان الصريحة المتناغمة، وبلل الأمكنة في بداية شتاء ماطر، بين صلصال الأرض وفرش حقول أشجار الزيتون، تحت سماء أرجوانية في المساء وناصعة شديدة الزرقة في وضح النهار، أحراش ونخيل باسقات، مناطق خضر بجوار كل لون أخضر، أخضر آخر وبينها بقع شديدة الاصفرار، تتدرج إلى البرتقالي وتقترب من الأحمر، متوهجة بأشعة شمس ساطعة كأنها حالات لونية معاصرة تحبو بين كاندينسكي إلى هوكني في تناغم يعزف جوقة الوجود في أجمل صوره.
بعد نصف قرن في المدينة
يقول معيتيق «أمضيت أكثر من 50 سنة في مدينة يغلب عليها إنشاءات تجارية وصناعية بأشكالها البراغماتية، مثل حال أغلب مدن ليبيا بعد طفرة النفط التي صنعت الاجتياح العمراني المصحوب بالكثير من العشوائية، ثم انتقلت للعيش في أرياف مصراتة الليبية بمنطقة طمينة التي لا تزال تحتفظ ببعض من جمالها ومناظرها الخلابة بحياتها البكر الزراعية، قرية متناسقة في بنائها يحيط بها مزارع وأرياف، بيوت إيطالية قديمة ومناطق شاسعة من الخضرة؛ حيث رائحة القرعون والخبيز ومعاصر زيت الزيتون وحفيف صوت الشجر والطيور المهاجرة بشتى أنواعها في تفاعل مع أمكنة وجودها التي لا تستقر على حال».
ويمضي في مقدمته موضحاً أن كل هذا الجمال وأكثر يحتاج شحذا للهمم والتعبير بشكل آخر ليس التمثيل المباشر بل محاكاة للروح عن طريق الهجرة نحوها وهي ممتلئة بنسمات البهاء والبهجة. فما كان مني إلا أن أحلتُ انطباعاتي الأولى عنها إلى ما امتلك من مشاهد لآخر الانطباعيين وأول التعبيريين وبعض المعاصرين من الذين اتخذوا من المخيلة مناطقهم الآمنة وملاجئ أرواحهم الباحثة عن الطمأنينة والجمال الخالص في طبيعة متقلبة كقلوب البشر وأمزجتهم.
فكانت انطباعات موضوعية تستحق الاحتفاء بها وتدوينها في أعمال يمكن أن تكون صورة من صور التوثيق الفني بعد أن تركت خلفي كل التجارب الماضية كبداية يرافقها التأني والدراسة الموضوعية في العمل الفني عندي، والموضوعية هنا ليست الصدق في نقل ما يُرى بل الإخلاص في نقل ما نشعر به عندما نرى.
أوضح معيتيق في مطويته أنه كي ترسم انطباعاتك عن طمينة يجب أن تقع عنوةً في فخ غواية زهور فان جوخ وحقول سيزان وغوغان وهوكني وعلي العباني، ويغمرك شعور غامض من السكون لعوالم هوبر وموسيقى كاندينسكي وموندريان وبعض من ضربات فرشاة عمر جهان، في تقاطعات على أسطح يعتليها الكثير من الدهشة لا يمكن تمثيلها في أسلوب واحد بل هي كتداعيات في لحظات مسروقة من حياتنا المكتظة بقسوة العيش في عالم أصبح يتجه إلى الضيق عبر شاشات الهواتف الذكية وعالمها الافتراضي المخادع فتكون هذه التأملات بمثابة الوقوف على حافة عالم ارحب وخالٍ من الخداع والمُوَارَبَة.
ثم ينهي معيتيق قوله «قررت أن يكون رسما أقرب إلى الرسم نفسه وليس إلى الواقع، مضاهاة لتجارب حفرت لذاتها ملامحها الخاصة، لهذا جاءت هذه المجموعة أقرب إلى هذه التجارب التي اتخذت من أزمنة الطبيعة المتعددة قبل أشكالها وصورها الظاهرة مناخاتها الداخلية العميقة والتي تكون أقصر الطرق وأبلغها في التعبير عن اأفعال الإنسانية الرفيعة بمشاعرها المرهفة، تتخذ من المعرفة ثم المهارة أهم أدواتها في إنتاجها الفني».
تعليقات