شهد مهرجان الدوحة السينمائي العرض الإقليمي الأول لفيلم «أبي والقذافي» (My Father and Qaddafi)، وهو أول فيلم روائي طويل للمخرجة الليبية جيهان الكخيا.
وقالت مجلة «فارايتي» الأميركية في تقرير لها عن الفيلم، الذي يتناول قصة اختفاء المعارض البارز منصور رشيد الكيخيا، إن العمل يأتي كصرخة مدوية تكسر الصمت الذي خيّم على أحد أبرز القضايا السياسية والشخصية في تاريخ ليبيا الحديث.
يمزج الفيلم بين السيرة الذاتية والمحاسبة السياسية، متتبعًا سيرة حياة ومصير منصور رشيد الكيخيا، الذي كان محامياً مدافعاً عن حقوق الإنسان، ووزيراً سابقاً للخارجية، وسفيراً لليبيا لدى الأمم المتحدة قبل أن يتحول إلى خصم رئيسي لنظام معمر القذافي.
ويُركز الفيلم على لحظة اختفاء الكيخيا في القاهرة العام 1993، وكيف أن هذا الغياب لم يؤثر فقط على زوجته الفنانة السورية بهاء العمري وأبنائه الذين نشأوا في المنفى، بل امتد ليصبح جرحاً في الذاكرة الوطنية الليبية.
مسؤولية الحفاظ على الذاكرة
تصف المخرجة جيهان، التي كانت في السادسة من عمرها عند اختفاء والدها، الفيلم بأنه محاولة لاسترداد القصة من عالم النسيان. وتؤكد جيهان أن الدافع الأساسي خلف عملها، الذي استغرق قرابة عقد من الزمن، هو الشعور بالمسؤولية تجاه الحفاظ على ذكرى والدها، و«ليبيا التي أحبها وناضل من أجلها».
اعتمدت المخرجة في بناء سردها على شهادات لأكثر من ستين شخصاً، إلى جانب أرشيفات سياسية ولقطات منزلية حميمة، في عملية وصفتها بأنها محاولة لـ«إصلاح جسر بين الأجيال» واستخدام الفن كوسيلة للتقاليد الشفوية.
- ناقد سينمائي يكتب عن «بابا والقذافي» بعد عرضه في مهرجان فينيسيا
- عرض اليوم: «بابا والقذافي» للمخرجة الليبية جِيهان في فينيسيا (فيديو)
- فيلم «بابا والقذافي» للمخرجة الليبية جيهان منصور الكيخيا في مهرجان فينيسيا
يعد عرض الفيلم في الدوحة، وفق «فارايتي» المدعوم من معهد الدوحة للأفلام، لحظة عاطفية ومهمة للمخرجة، حيث يدخل العمل ضمن المشهد المتنامي لصناع الأفلام العرب الشباب الذين يواجهون أسئلة الهوية والانتماء والإرث السياسي.
على الرغم من إطاره السياسي الشامل، يرتكز فيلم «أبي والقذافي» على سرد قصصي حميم، حيث تُضفي مقاطع الفيديو المنزلية والمقابلات والأرشيفات السياسية طابعًا بصريًا مميزًا.
لكن بالنسبة لجيهان، تطلب نسج هذه العناصر معًا تعاونًا وثيقًا. تقول ضاحكة: «لم أُخرج فيلمًا من قبل. لم أكن أعرف بنية القصة. لذلك وظفتُ محررين أفضل مني. ما تعلمته هو أن البدء بقوة، مع جوهر القصة، يمنحك الإذن بالبدء في النسج. لكن كان عليّ أيضًا أن أُكبح جماح نفسي. على الرغم من حبي للتجريد، أدركتُ أن لديّ مهمة حقوقية. لم أقضِ تسع سنوات لأتحدث عن نفسي فقط. كنتُ بحاجة إلى جمهور يفهم تاريخ ليبيا، وسياق سياسة والدي».
تقول جيهان بحزم: «كنتُ مدينةً بذلك لنفسي». لم أستطع الانتظار حتى يُخبرني العالم معنى أن تكون ليبيًا. القصة التي ورثناها، من الغرب والقذافي، حتى داخل ليبيا، كانت مُشوّهة. كانت هذه فرصتي لأُدرك ذلك وأقول: «لا، أريد تفسيري الخاص. من حقي ذلك».
تضمنت رحلة جيهان التحدث إلى أكثر من 60 شخصًا، من بينهم أفراد من العائلة والأصدقاء والدبلوماسيين وكبار السن، وكثيرون منهم من جيلٍ مضى، وبعضهم لم يعش ليشاهد الفيلم كاملًا. تقول: «بدأتُ مُعتقدةً أنني أتلقى معلومات فحسب. لكنني أدركتُ بعد ذلك أنني أُقدّم لهم شيئًا أيضًا. أنا مثل ابنة أو حفيدة، أستخدم هذا الفيلم كوسيلةٍ لبناء جسورٍ بين الأجيال». «هذا هو أسلوبي في التراث الشفهي».
تقول جيهان عن الفيلم: «لقد أرعبني. لكنه منحني الحرية أيضًا. إنها وجهة نظري، كيف أفسر والدي، والدتي، والقذافي. كانت لديّ مبادئ صارمة: لم أُرِد أن أستحوذ على معاناة ليبيا. أردتُ أن أذكرها كحقيقة، لا كجرح».
وتضيف «تعاملتُ مع الجمهور بتعاطف وذكاء».
مواجهة التاريخ في البندقية
تستذكر جيهان العرض الأول للفيلم في البندقية والذي وجدته مُريحًا بشكل غير متوقع، في القلب من إيطاليا، القوة الاستعمارية التي كانت مسؤولة عن مجازر الليبيين في أوائل القرن العشرين، احتضنت الفيلم بانفتاح ملحوظ: «لقد كانت لحظة جميلة من التناغم الكامل. لم أضطر حتى لفعل أي شيء. تحدثوا عن وحشيتهم. كان هناك كرم، واستعداد لمواجهة ذلك التاريخ».
تصف جيهان الرعض الأول للفيلم في الشرق الأوسط بأنه مؤثر ومتأخر، ويبقى حلمها الأكبر هو عرض فيلمها على الجمهور الليبي في الداخل، ليكون بمثابة محاولة لاستعادة جزء من هويتهم المسلوبة.
تعليقات