Atwasat

بين سرايا الماضي وحلم السينما: أسامة رزق مخرج يبني وطناً من صور

حاوره طارق القزيري الأحد 12 أكتوبر 2025, 07:41 صباحا

يفتح المخرج الليبي أسامة رزق نوافذ تجربته الإبداعية على مصراعيها، متحدثًا عن رحلته بين الدراما التاريخية والاجتماعية، والتحديات الإنتاجية في بيئة تفتقر إلى الدعم المؤسسي. من «زنقة الريح» التي أعادت بناء طرابلس الأربعينيات، إلى «السرايا» و«الزعيمان» اللذين غاصَا في التاريخ الليبي، كاشفًا عن فلسفته في صناعة السينما والدراما: الموازنة بين الأمانة التاريخية والجاذبية الدرامية، والإصرار على الجودة رغم محدودية الميزانيات. يتناول الحوار أيضًا نجاح فيلمه القصير «العشوائي» عالميًا، وجدل «الزعيمان»، وحلمه السينمائي المؤجل «في بلد الرجال»، مؤكدًا أن الفنان ليس كائنًا منعزلًا، بل مرآة لمجتمعه وقضاياه.

BCD Ad BCD Ad

• أعمالي أبنائي، أصرف عليهم وأرعاهم حتى يظهروا بأفضل صورة، ويهمني وصولها للناس بجودة تليق
• في ليبيا لا يزال الاختلاف يُواجَه بالعنف، كما جسّدناه في فيلم العشوائي: كل رأي تعبّر عنه يضعك في مواجهة مع تيار مضاد
• ليبيا تحتاج إلى عشرات الأعمال لا إلى عمل واحد؛ لا يُعقل أن يُطلب من عمل واحد أن يلخص تاريخ ليبيا كله
• السينما بالنسبة لي هي الأفق الأوسع؛ حلمي أن أحقق أفلامًا تجعل ليبيا حاضرة على الشاشة الكبيرة

 في 2023 أعلنتَ تراجعًا مؤقتًا عن الدراما الليبية، ثم عدتَ بقوة مع «بنات العم». كيف تصف هذه المرحلة من مسيرتك، وما الذي دفعك للعودة؟
في الحقيقة الأمر لم يكن تراجعًا، فبعد عرض الجزء الثاني من مسلسل السرايا عام 2013، أعلنت أنني لن أقدم عملًا في العام التالي، إذ كنت بصدد التحضير لمسلسل عربي عن حياة الرحالة «ابن بطوطة» مع إحدى الشركات العربية وسيتم تنفيذه في المغرب.

لكن منذ البداية واجهت مشكلات: السيناريو كان ضعيفًا وغير مكتمل، والكاتب بلا خبرة، ورغم اقتراحي الاستعانة بكاتب عربي أو ليبي لتطوير النص، رفضت شركات الإنتاج، فزرت مقر الشركة في المغرب واطلعت على خطة التحضير، لكنهم لم يُبدوا جدية في تحسين النص، كما أن الميزانية المرصودة كانت محدودة جدًا مقارنة بما يتطلبه عمل تاريخي.

بخبرتي أدركت أن المشروع محكوم عليه بالتعثر، فانسحبت رسميًا بعد إبلاغهم بعدم ارتياحي. وبالفعل، المشروع لم يُنتَج حتى اليوم.

بعد ذلك تواصلت مع الكاتب «سراج هويدي» وقررنا التوجه إلى دراما اجتماعية حديثة، بعيدًا عن التاريخ، خاصة بعد أعمال مثل الزعيمان وزنقة ريح والسرايا. فقدم لي «سراج» نصًا أعجبني، وبالتعاون مع المنتج وليد اللافي انطلقنا في مسلسل «بنات العم» الذي حقق صدى طيبًا.

■ في «زنقة الريح» نلاحظ معالجة بصرية مميزة لطرابلس الأربعينيات. كيف تشتغل على تحويل المكان التاريخي إلى شخصية درامية، وما التحديات التقنية لإعادة بناء هذه الحقب؟مسلسل زنقة الريح كان بالنسبة لي حلمًا حقيقيًا، فقد كنت دائمًا أتطلع لإنجاز عمل درامي يعكس ملامح طرابلس في أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي، بما حملته تلك الحقبة من تنوع ديني وإثني كبير؛ عرب مسلمون ويهود، وأوروبيون مسيحيون، وأناس من مختلف مدن ليبيا اجتمعوا في طرابلس. قرأت في تلك الفترة رواية «ليالي نجمة» ذات الجزأين، ورأيت فيها جمالًا خاصًا على الرغم من صعوبة تحويل بعض خطوطها الجريئة إلى دراما اجتماعية. حاولت التواصل مع أرملة الكاتب للحصول على الحقوق، لكنها أصرت أن المشروع يجب أن يُنجَز مع كاتب ومخرج مصريين، وتحدثت في أرقام خيالية، ما جعلني أترك الفكرة.

لاحقًا، وأثناء حديثي مع الفنان حاتم الكور، أخبرني أن خاله الكاتب عبدالرحمن حقيق يملك نص زنقة الريح. قرأته بشغف، وأنهيت عشرين حلقة في ليلة واحدة لإعجابي الكبير به. بدأنا حينها رحلة شاقة لتنفيذه، إذ لم يكن لدينا في ليبيا أرشيف بصري لتلك المرحلة، فاضطررنا لإعادة بناء كل شيء تقريبًا: الملابس، والإكسسوارات، والديكورات، وحتى تفاصيل الحياة اليومية لليهود والمسلمين والأجانب.

حرب السنوات الأربع في «السرايا 2».. ورزق: هدفنا التعريف بحقبة مهمة من تاريخ ليبيا
بمشاركة أسامة رزق.. نجوم مهرجان «ربيع الفنون» يناقشون صناعة المستقبل (صور)
تكريم المخرج الليبي أسامة رزق بمهرجان «ربيع الفنون» بالقيروان

كنت مدركًا أن تقديم صورة شديدة الواقعية بوجوه حافية وملابس ممزقة سيصدم المشاهد، خاصة وأنها أول تجربة من نوعها في دراما ليبية بهذا الحجم. لذلك اخترت أن أقدم صورة متقنة وراقية: ملابس أنيقة، وإكسسوارات فخمة، وديكورات مصممة بعناية، حتى لو بالغت قليلًا عن الواقع. استعنت بخبراء في المعمار من ليبيا. استعنت بالدكتور حسن قرفال في تعليم الممثلين لكنة يهود طرابلس، وبذلنا جهدًا مضنيًا لتكييف البيوت التونسية لتشبه بيوت طرابلس القديمة عبر تعديل شكل الأقواس وتعديل الواجهات وتبديل شكل الأبواب والألوان. كما اهتممنا بتدريب الممثلين الليبيين والعرب على لكنة طرابلس ولكنة اليهود الليبيين بدقة.

كانت رؤيتي واضحة: صناعة دراما تمزج بين الأمانة التاريخية والجمال البصري. ولست نادمًا على هذا الخيار، لأنه جعل «زنقة الريح» واحدًا من أكثر المسلسلات التي أحبها الجمهور الليبي واعتبرها صورة راقية عن ماضي مدينته.

«العشوائي» حقق نجاحًا دوليًا كفيلم قصير. ما سر الإيقاع السردي الذي جعل الكوميديا السوداء الليبية مفهومة عالميًا؟
فيلم العشوائي وُلد من إحدى حلقات مسلسل فوبيا الذي كان قائمًا على فكرة الـ«بلاك كوميدي» بحلقات منفصلة تشبه أفلامًا قصيرة. إحدى هذه الحلقات، بعنوان العشوائي، أثارت صدى واسعًا عند عرضها، ففكرنا كفريق في تحويلها إلى فيلم سينمائي قصير، مع إعادة التصوير بتقنيات سينمائية وبنفس الممثلين.

قصة الفيلم تحمل بعدًا إنسانيًا عامًا؛ إذ تحاكي واقع دول العالم الثالث حيث يغيب قبول الآخر.. حول شاب يعود إلى بلده بعد الثورة، مؤمنًا بأن الديمقراطية والتعددية أصبحت حقيقة، لكنه يكتشف العكس؛ كل رأي يعبّر عنه يضعه في مواجهة مع تيار مضاد؛ يُسحل أو يُسجن أو يُضرب، فيضطر لتغيير موقفه باستمرار. وفي كل مرة يصطدم بخصوم جدد يرفضونه. وفي النهاية، حين يحاول أن يبتكر شخصية جديدة تجمع كل التوجهات، يُمنَح اسمًا جديدًا ويُصنَّف من جديد بالعشوائي.

هذه الفكرة جسّدت مأزقًا واقعيًا تعانيه شعوب كثيرة؛ رفض الاختلاف وإصرار على الوصم والإقصاء. لذلك وجدت القصة صداها عالميًا، لأنها تعكس تجربة مشتركة، بينما غدت اللغة عاملًا ثانويًا في السينما أمام قوة الأداء وصدق الرسالة.

■ تعمل في بيئة تفتقر إلى الدعم المؤسسي. كيف تدير الميزانيات وتحقق الجودة المطلوبة؟ وما دور شركتك «ارت برودكشن» في بناء نموذج إنتاجي بديل؟
في تجاربي الدرامية كنت دائمًا حريصًا على الموازنة بين حقوق العاملين في العمل والجودة العالية في التنفيذ والمحتوى الراقي، بعكس ما يحدث أحيانًا في السوق حين تذهب معظم الميزانية إلى جيوب البعض، حتى وصل الأمر ببعضهم أن يُطعم الفريق في بيته توفيرًا!

«زنقة الريح» يخطف إعجاب المشاهدين في أولي حلقاته

نحن لم نعمل بهذه الطريقة قط. نؤمن أن الصناعة تحتاج إلى تدبير ذكي؛ إذا كانت الميزانية محدودة، نتجنب المشاهد المكلفة مثل المعارك كما فعلنا في «الزعيمان» و«السرايا» ونركز بدلًا من ذلك على قوة الدراما، والحوارات، والإنفاق على الملابس والديكورات لإبهار المشاهد.

الفارق بيننا وبين منتجين آخرين أن ميزانياتنا أصغر كثيرًا مقارنة بمصر أو سورية، ومع ذلك نحاول أن نصنع شيئًا متقنًا. كم من مرة سمعت أن مسلسلًا ما تكلف مليونًا أو مليونين، ثم أراه على الشاشة فلا تبدو تكلفته قد تجاوزت مئتي ألف! هذا سببه أن بعضهم دخل المجال كبزنس لا حبًا فيه

أما أنا، فأتعامل مع أعمالي كأنها أبنائي، أصرف عليهم وأرعاهم حتى يظهروا بأفضل صورة وفي التوقيت الأنسب، لأن ما يهمني هو أن تصل هذه الأعمال للناس بجودة تليق بهم.

 «السرايا» و«الزعيمان» تناولا فترات تاريخية مختلفة. كيف تختار الشخصيات التاريخية، وما معايير التوازن بين الدقة التاريخية والحرية الدرامية؟
اختيار الشخصيات التاريخية عندي يرتبط دائمًا بأهمية المرحلة وحساسيتها، وكذلك بمدى قدرتها على أن تُترجَم إلى دراما مشوقة تحافظ على التوازن بين الدقة التاريخية والخيال الفني.
في الزعيمان كانت الفكرة أولًا أن نُنجِز عملًا عن بشير السعداوي فقط، لكن مع النقاش مع المنتج وليد اللافي توسعت الرؤية لتشمل سليمان باشا الباروني أيضًا.

استعنا بالكاتبة المصرية عزة شلبي، صاحبة خبرة في أعمال تاريخية مثل نابليون والمحروسة، وبدأنا رحلة بحث تاريخي مكثفة لضمان المصداقية.

لكننا كنا مُقيَّدين كثيرًا؛ فالحقبة شديدة الحساسية (مرحلة العدوان الإيطالي) وما زالت قريبة زمنيًا، ما جعلنا نتجنب الخوض في بعض الخلافات الداخلية بين المدن أو القبائل أو حتى بين المجاهدين، لأن طرحها قد يثير جدلًا واسعًا. لذلك طغت المصداقية التاريخية بنسبة تقارب 95%، على حساب المساحة الدرامية والخيال، وهو ما جعل الحبكة أقل تشويقًا.

أما في «السرايا»، فقد تعلمنا من تجربة «الزعيمان». الكاتب سراج هويدي مُنِح حرية أوسع ليمزج بين الدقة والخيال، خصوصًا أن الحقبة أبعد زمنيًا وأقل حساسية، والعائلات أو القبائل المعنية لم تعد موجودة بالثقل نفسه.

هذا أتاح إدخال حبكات مليئة بالمؤامرات والدهاء والتشويق، مع الالتزام بالمراجعة التاريخية والمصادر الموثوقة. لذلك بدا العمل أكثر نجاحًا جماهيريًا، لأنه قدم التاريخ في قالب درامي مشوق دون التفريط في الأمانة التاريخية.

باختصار، معاييرنا تقوم دائمًا على البحث الدقيق، ومراجعة المؤرخين، والأمانة للمصادر، لكن مع حرص على أن يبقى العمل الدرامي قادرًا على شد المشاهد وإثارة خياله.

 قلت إن «الفنان هو المجتمع نفسه». كيف تترجم هذه الفلسفة عمليًا في اختيار المواضيع والرسائل؟
ما قصدته حين قلت إن الفنان هو المجتمع، أن الفنان ليس كائنًا غريبًا أو وافدًا من الفضاء، بل ابن بيئته، يتأثر مثل غيره بالتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لذلك من الطبيعي أن يُبدي رأيه في الرياضة أو السياسة أو غيرها، شأنه شأن أي مواطن. غير أن البعض يرفض هذا الحق، كأن الفنان لا يجوز له إلا التعبير عبر عمله الفني.

منذ فوبيا بعد 2011 سعينا إلى كسر هذا التصور، فتناولنا الواقع الليبي بمضحكه ومبكيه في السياسة، والرياضة، والمجتمع.

وفي «دراجنوف» حاولنا رصد حقبة مهمة بكل تناقضاتها، لا بنقد النظام السابق وحده، بل أيضًا بنقد الثورة وما تلاها من إخفاقات.

في روبيك سلطنا الضوء على سيطرة الميليشيات والعصابات على السياسة، والتدخلات الخارجية، قبل أن تتحول هذه الظواهر إلى حديث يومي في ليبيا. حتى الأعمال التاريخية مثل زنقة الريح والزعيمان والسرايا، أو الاجتماعية مثل روبيك وبنات العم، كانت كلها مرآة للمجتمع الليبي وقضاياه.

لكن في موازاة ذلك، من حقي أن أعبّر عن موقفي الشخصي على صفحتي أو في أي منبر آخر، دون أن يُعتَبَر ذلك جريمة أو ذريعة للتهديد. للأسف، في ليبيا لا يزال الاختلاف يُواجَه بالعنف، كما جسّدناه في فيلم «العشوائي». فالفنان سيبقى جزءًا من مجتمعه، ومهمته أن يعكسه ويناقشه، لا أن يُصادَر صوته أو يُعاقَب على رأيه.

 مسلسل «الزعيمان» أثار جدلًا واتهامات بالتحيز. كيف تتعامل مع هذه الضغوط، وهل تؤثر على خياراتك الفنية المستقبلية؟
بخصوص الانتقادات التي وُجّهت لمسلسل الزعيمان واعتباره «متحيزًا»، أود أن أوضح أنني لأول مرة أسمع هذا الوصف!

العمل الفني بطبيعته يختار محورًا محددًا وزمنًا معينًا ليركز عليه، ولا يمكن أن يحمل تاريخ ليبيا كله في خمسة عشر حلقة. على سبيل المثال، فيلم عمر المختار تناول شخصية واحدة ومرحلة محددة من الجهاد ضد الاستعمار الإيطالي، ولم يعتبره أحد متحيزًا.

في «الزعيمان» لم نقتصر على شخصية أو منطقة بعينها، بل قدمنا بشير السعداوي ممثلًا للمنطقة الوسطى، وسليمان باشا الباروني للجبل، وعبدالنبي بلخير من ترهونة، ورمضان السويحلي من مصراتة، إضافة إلى شخصية الملك إدريس التي حضرت في أكثر من حلقة. هذا التنوع في الشخصيات يثبت أننا لم ننحز إلى جهة دون أخرى.

القضية أن ليبيا تحتاج إلى تنوع الإنتاج؛ عمل عن السعداوي والباروني، وآخر عن إدريس السنوسي، وثالث عن مجاهد من الشرق، ورابع عن شخصية من الغرب.. لا يُعقل أن يُطلب من عمل واحد أن يلخص تاريخ ليبيا كله. نحن بحاجة إلى عشرات الأعمال لا إلى عمل واحد فقط.

أما عن الضغوط أو الهجوم؛ فأنا لا أتأثر. منذ فوبيا تعرضنا لحملات انتقاد وصلت إلى قبة المؤتمر الوطني العام، حيث طُرحت مطالبات بإيقاف المسلسل بسبب جرأته، ومع ذلك واصلنا. أنا مؤمن أن لكل عمل رؤيته، ومن حق الناس أن يقولوا: «لم يعجبني» أو «أعجبني»، لكن ليس من حق أحد أن يفرض زاوية معينة أو طريقة مختلفة على المخرج أو الكاتب.

العمل هو رؤية إبداعية تخص صناعه، ومن يريد زاوية أخرى فليكتب ويخرج عمله الخاص. هذه هي طبيعة الفن، وهذا جوهر حريته.

 ما تأثير التطور التقني على جماليات أعمالك؟ وكيف تستفيد من الإمكانات الرقمية الحديثة في السينماتوجرافيا؟
منذ أول عمل قدمناه وهو فوبيا، كنت قد تحدثت مع المنتج وليد اللافي عن رغبتي في إنجاز شيء مختلف ومطور، وقد دعم هذه الرؤية ووقف إلى جانبي حتى تحققت.

من هنا استعنا بتقنيين يعملون في مجال السينما، وقررنا تصوير الدراما بكاميرات سينمائية عالية الجودة، فاشترينا أحدث الكاميرات في ذلك الوقت، وبدأنا نواكب التطور عامًا بعد عام.
كنا من أوائل من استخدم الكاميرات السينمائية في الدراما الليبية؛ فمسلسل «غسق» صُوِّر بالكامل بكاميرا Arri Alexa Mini LF، وهي الأحدث عالميًا حينها، الأمر الذي منح العمل صورة أكثر واقعية وصفاء وقوة.

لكنني دائمًا أتعامل مع التقنية بما يتناسب مع طبيعة المشروع؛ فعمل تاريخي ضخم مثل «السرايا» لا يمكن أن يُصوَّر بكاميرات عادية، بينما في بنات العم اخترنا كاميرا غير مكلفة ولكنها عملية تمنح صورة طبيعية وواقعية، على الرغم من أنها ليست سينمائية.

كذلك أحرص على اختيار الفريق التقني بحسب متطلبات كل عمل، تمامًا كما أختار الممثلين؛ فمدير التصوير أو مصمم الملابس أو مهندس الديكور لا يُعاد بالضرورة في كل مشروع، بل يجري اختياره وفق خصوصية النص والرؤية.

أما فريق الإنتاج فهو العمود الفقري لمسيرتي، وقد بنيته على مدى سنوات بما اكتسبته من خبرة بفضل محترفين عملت معهم. أخص بالذكر الراحل الأستاذ ميمون مهبولي، مدير الإنتاج الذي تعلمت منه الكثير، إلى جانب الأستاذة ريتا ضاوي، اللذين ساهما بخبرتهما في صقل تجربتي في الإنتاج. هذه الخبرة التي اكتسبتها بدوري أسعى لنقلها إلى فرق جديدة، حتى تتواصل عملية التطوير باستمرار.

 كيف غيرت المنصات الرقمية ووسائل التواصل طريقة تفكيرك في بناء المحتوى وتوزيعه؟
دخولنا إلى منصة «شاهد» مثلًا مع «بنات العم» فتح لنا أفقًا جديدًا، لأن العمل لم يعد موجهًا فقط للجمهور المحلي، بل أصبح متاحًا على نطاق عربي واسع، وهذا جعلني أركز أكثر على أن يكون المحتوى ليبيًا خالصًا من حيث الهوية، لكن في الوقت نفسه مفهومًا وسهل التلقي من المشاهد العربي.

تجربة زنقة الريح حين عُرضت على قنوات عربية كانت كاشفة، فقد كان الصدى كبيرًا جدًا، والجمهور خارج ليبيا استوعب اللهجة وتفاعل مع الأحداث بشكل مدهش. لذلك حرصنا منذ البداية على أن تكون الحوارات أقرب إلى لغة وسطية يفهمها أغلب العرب، من دون أن نفقد روح اللهجة الليبية.

المنصات الرقمية منحتنا كذلك حافزًا للحفاظ على مستوى تقني عالٍ لا يقل عن الأعمال العربية الأخرى، بل وأحيانًا يتفوق عليها. كما أنها سمحت لأعمالنا أن تُقرأ وتُناقَش نقديًا في صحف ومجلات عربية، من مصر إلى تونس والكويت وسورية.

هذا النجاح أكد لنا أن الاستمرار في إنتاج محتوى محلي بامتداد عربي هو الطريق الأمثل، وأن المستقبل أصبح يعتمد على المنصات لا على البث التقليدي وحده.

 جوائزك الدولية مقابل النقد المحلي أحيانًا. كيف تقرأ هذا التناقض، وأي جمهور تخاطب أولًا؟
بالنسبة للجمهور، فأنا أخاطب أولًا وأساسًا المشاهد الليبي، لأنني ليبي وأعمالي كلها نابعة من الواقع الليبي وقضاياه.

وأعمال كفوبيا، ودراجنوف، وروبيك، زنقة الريح، وغسق، والسرايا، والزعيمان، كلها أعمال محلية الهوية، تنطلق من همومنا نحن. نعم، أحرص على أن تكون مصورة ومنفذة بتقنيات عالمية وبجودة عالية تجعلها مفهومة وجاذبة للمشاهد العربي والدولي، لكن منطلقها الأول هو ليبيا. أن يشارك العرب أو الآخرون في الاستمتاع بها فهذا يسعدني، لكنه ليس نقطة الانطلاق.
أما عن النقد، فأنا لم أجد هجومًا محليًا بالمعنى الحقيقي، للأسف هناك بعض الآراء الانطباعية الممزوجة بالسب والتنمر على الفنانين، وهو ما لا أعتبره نقدًا.

فيلم «صعود» يحصد جائزة أفضل فيلم أفريقي بـ«مهرجان خريبكة الدولي»

النقد الحقيقي أن يكتب متخصص مقالة مطولة بلغة فنية وتحليلية، تنشر في جريدة أو مجلة محترمة. ما أسعدني أكثر هو تفاعل الجمهور، حين يأتيني آباء وأمهات يقولون إن أبناءهم تعلموا من «السرايا» أو «زنقة الريح» أو «غسق» تفاصيل عن التاريخ والمجتمع، أو حين يطالبنا الناس بعمل جديد إذا غبنا عامًا.

محليًا فزنا بعدة جوائز «سبتيموس»، ونحن أصحاب الرصيد الأكبر فيها كمخرج وكمنتج وكفريق عمل، وكذلك عربيًا نلنا جوائز وتقديرًا.

أما مسألة المنافسة مع الآخرين فلا تعنيني إطلاقًا؛ أنا لا أعمل بدافع أن أتفوق على فلان أو علان، بل بدافع أن أقدم عملًا أؤمن به وأحبه، وأن يخرج بالصورة التي تليق بالجمهور الذي أخاطبه أولًا: الجمهور الليبي.

■ مع مشروع «في بلد الرجال» المعلَن، هل تتجه لتوسيع نطاق أعمالك خارج ليبيا؟ وكيف ترى مستقبل الصناعة السينمائية الليبية؟
أنت هنا تتطرق لموضوع يمسني شخصيًا بعمق، مشروع «في بلد الرجال» بالنسبة لي لم يكن مجرد فكرة عابرة، بل حلم حقيقي لا يزال يرافقني حتى اليوم.

هذه الرواية لهشام مطر تحمل قيمة أدبية وإنسانية هائلة، ورغبتي في تحويلها إلى فيلم سينمائي راسخة منذ سنوات، على الرغم من الصعوبات التي واجهتها في التواصل مع مديرة أعمال الكاتب والتعقيدات التي ظهرت في البداية.

السينما بالنسبة لي هي الأفق الأوسع؛ صحيح أنني أحب الدراما وأؤمن بقوتها، لكن السينما تمنحك حرية ورؤية أكبر، وتأثيرها أعمق وأطول مدى.

من هنا يظل حلمي أن أصبح مخرجًا سينمائيًا بالدرجة الأولى، وأن أحقق أفلامًا تعبّر عن ليبيا وتجعلها حاضرة على الشاشة الكبيرة.

نحن ما زلنا نقاتل في ظروف إنتاجية صعبة، بإمكانات محدودة جدًا، ومع ذلك نحاول ونؤمن أن الصحوة ستأتي، سواء بدعم الدولة أو من خلال القطاع الخاص. في بلد الرجال سيبقى بالنسبة لي حلمًا مفتوحًا على المستقبل، وأتمنى أن يتحقق يومًا ما، ليكون علامة سينمائية ليبية قادرة على مخاطبة العالم.

من كواليس تنفيذ أحد الأعمال الدرامية للمخرج أسامة رزق. (صفحة المخرج على فيسبوك)
من كواليس تنفيذ أحد الأعمال الدرامية للمخرج أسامة رزق. (صفحة المخرج على فيسبوك)
ملصق مسلسل «الزعيمان» للمخرج أسامة رزق. (أرشيفية)
ملصق مسلسل «الزعيمان» للمخرج أسامة رزق. (أرشيفية)
ملصق مسلسل «الباروني» للمخرج أسامة رزق. (أرشيفية)
ملصق مسلسل «الباروني» للمخرج أسامة رزق. (أرشيفية)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
المغنية الويلزية بوني تايلر تستفيق من غيبوبتها
المغنية الويلزية بوني تايلر تستفيق من غيبوبتها
جلسة توعوية في بنغازي لمناسبة «اليوم العالمي للتصحر 2026»
جلسة توعوية في بنغازي لمناسبة «اليوم العالمي للتصحر 2026»
عرض نسخة نادرة من الطبعة الأولى لرواية «مرتفعات وذرينغ» في مزاد علني
عرض نسخة نادرة من الطبعة الأولى لرواية «مرتفعات وذرينغ» في مزاد ...
إطلاق «هاكاثون NAHMI» للشباب والتراث لدعم الابتكار في حماية الموروث الثقافي الليبي
إطلاق «هاكاثون NAHMI» للشباب والتراث لدعم الابتكار في حماية ...
«تراثي هويتي» تناقش مستقبل الزي الطرابلسي بين الأصالة والتطوير بجلسة حوارية
«تراثي هويتي» تناقش مستقبل الزي الطرابلسي بين الأصالة والتطوير ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم