Atwasat

معاذ يكتشف صورًا ورسائل منسية بداخل الكتب المستعملة في ليبيا

القاهرة - بوابة الوسط: نهلة العربي الخميس 28 أغسطس 2025, 12:28 مساء

في عالم الكتب المستعملة، لا يقتصر الأمر على تبادل المعرفة أو انتقال الثقافة من قارئ إلى آخر؛ بل يتجاوز ذلك ليكشف عن طبقات خفية من الحياة الإنسانية. كثير من الكتب التي تُباع أو تُوهب للمكتبات تحمل بين صفحاتها أوراقًا ورسائل وصورًا شخصية، لتتحول إلى مخازن صغيرة للذكريات المنسية.

BCD Ad BCD Ad

معاذ الحمري، مهندس برمجيات وروائي، هو مؤسس دار ومكتبة شطيرة الكتب بمدينة بنغازي، التي انطلقت العام 2019–2021 في مجال النشر، قبل أن تتحول العام 2022 إلى مكتبة متخصصة في بيع الكتب. مع مرور الوقت، لم تعد المكتبة مجرد فضاء لاقتناء المعرفة؛ بل أصبحت منبرًا حقيقيًا للكتاب المستعمل وما يحمله من أسرار وذكريات.

يقول معاذ الحمري في فيديو مصور «غالبًا ما تكون هذه الكتب لأشخاص متعلمين، وبعد رحيلهم قد يبيع الأقارب أو الأحفاد مكتباتهم. ومن دون حتى تفتيش أو فتح الكتب، نكتشف بداخلها رسائل أو قصاصات ورقية جمعها صاحب الكتاب عبر السنين، ولم ينتبه من باع الكتاب إلى أنها ما زالت موجودة»، ويتابع بأسى «أشعر بالحزن عندما أجد صورًا ومقتنيات شخصية بين صفحات الكتب، ويجري بيعها دون إدراك لقيمة هذه التفاصيل التي كانت يومًا ما جزءًا من حياة صاحب الكتاب الأصلي».

وأضاف «عثرت على صور ورسائل من بلدان متعددة، أُلقيت جانبًا دون تقدير، وكان ذلك يملؤني بالحزن. حتى أنني تواصلت ذات مرة مع عائلة أحد الأساتذة بعد أن بيعت مكتبته، ووجدت من بين كتبه مذكرة تخص أحد طلابه. لكن المفاجأة أن العائلة طلبت مني التخلص منها».

الكتب المستعملة.. صدفة البحر وكنوزها
وفي حديثه مع «بوابة الوسط» أكد الحمري أن الكتب المستعملة أشبه بـ«صدفة البحر» التي تخفي في أعماقها كنوزًا غير متوقعة. فالكنز قد يكون في محتوى كتاب منسي أو مطمور لأسباب سياسية أو اجتماعية، وقد يكون في تفاصيل شخصية صغيرة مثل رسالة قديمة، صورة فوتوغرافية، أو حتى عملة ورقية عتيقة.

هذه الاكتشافات تمنحه شعورًا بأنه يتجول بين حيوات أناس اختفوا وتركوا خلفهم شذرات من ذاكرتهم. كثير من هؤلاء كانوا مثقفين اعتقدوا أن ما سيتركونه سيُصان للأبناء والأحفاد، لكن مصير تلك الكنوز انتهى في أسواق الكتب أو على أرصفة الباعة.

حفظ الذكريات.. بين الإبقاء والحرق
من خلال تجربته مع الكتب المستعملة، لاحظ الحمري أن كثيرًا من الورثة لا يبالون بقيمة الذكريات التي تركها أصحاب الكتب الأصليون؛ فترمى الصور وتداس الرسائل، وهو ما دفعه إلى اتخاذ قرار شخصي بالحفاظ على ما يمكن حفظه.

يحتفظ ببعض الصور، ويحرق تلك المرتبطة بمناسبات خاصة احترامًا لخصوصية أصحابها، كما يجمع الرسائل والطرود والعملات القديمة. حتى المفكرات الشخصية - رغم ما تحتويه من أسرار - لم يستطع أن يحرقها، بل فضل أن يتركها مخزنة إلى حين وقتها.

طرائف الاكتشافات
من بين الذكريات الطريفة التي عثر عليها، نسخة من كتاب «حصن المسلم» مغلفة ببطاقة دعوة لعرس، وقد قُدمت كهديّة للمدعوين العام 2006. هذا الموقف رسّخ لديه قناعة أن «الاكتناز لا يستحق»، إذ قد تتحول أعز مقتنيات الإنسان إلى شيء لا يساوي أكثر من التراب عند أقرب المقربين.

بين القناعة والوصية
تجربة الحمري جعلته أكثر وعيًا بفكرة الزوال، وبأن الذكريات المادية مهما بلغت قيمتها ستؤول إلى الضياع أو الإهمال. لذلك يفكر بجدية أن تكون وصيته بعد وفاته التبرع بمكتبته كاملة، مع طلب حرق جميع الذكريات الشخصية التي تركها خلفه.

معاذ الحمري لا يتعامل مع الكتب المستعملة كتجارة فقط؛ بل كرحلة في ذاكرة الآخرين، رحلة تختلط فيها المعرفة بالإنسانية، والكتب بالصور والرسائل، والذكريات بالزوال. في كل كتاب يقتنيه من السوق المستعمل، يجد حمزة «كنزًا صغيرًا» يعيد صياغة علاقته بالزمن وبفكرة البقاء.

ذاكرة إنسانية داخل الكتب
هذه الحكايات تعكس هشاشة الذاكرة الإنسانية حين تتحول إلى أوراق منسية داخل كتاب، وقد تكشف عن مفارقة مؤلمة: ما يعتبره البعض تفاصيل غير ذات قيمة، قد يكون بالنسبة لآخرين وثيقة شخصية أو شهادة على لحظة تاريخية لا تتكرر.

إن هذه الظاهرة تسلط الضوء على أهمية إعادة النظر في طريقة التعامل مع المكتبات الشخصية، خصوصًا في العالم العربي، حيث تمثل هذه المقتنيات جزءًا من الإرث الثقافي والاجتماعي. فالحفاظ على تلك الأوراق والرسائل لا يعني فقط احترام ذكريات أصحابها، بل أيضًا حماية سجل إنساني قد يُلهم أجيالًا جديدة.

مكتبة شطيرة في مدينة بنغازي (فيسبوك)
مكتبة شطيرة في مدينة بنغازي (فيسبوك)
مكتبة شطيرة في مدينة بنغازي (فيسبوك)
مكتبة شطيرة في مدينة بنغازي (فيسبوك)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
تصنيفات جديدة لتمييز الموسيقى المنتجة بالذكاء الصناعي
تصنيفات جديدة لتمييز الموسيقى المنتجة بالذكاء الصناعي
قبل عرض «الأوديسة».. كريستوفر نولان: مستقبل السينما لا يكمن في الذكاء الصناعي
قبل عرض «الأوديسة».. كريستوفر نولان: مستقبل السينما لا يكمن في ...
إطلاق كتاب ومعرض فني يحتفيان بالقصص والكلمات والمسارات البصرية في لندن
إطلاق كتاب ومعرض فني يحتفيان بالقصص والكلمات والمسارات البصرية في...
«بروجكت بانما».. تفاصيل مشروع «Anthropic» السري لشراء ملايين الكتب وإتلافها لتدريب الذكاء الصناعي
«بروجكت بانما».. تفاصيل مشروع «Anthropic» السري لشراء ملايين ...
«مشاكل داخلية» لمحمد طاهر يواصل مسيرته نحو الأوسكار باختيار رسمي في «هولي شورتس» (فيديو)
«مشاكل داخلية» لمحمد طاهر يواصل مسيرته نحو الأوسكار باختيار رسمي ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم