في صباحٍ ربيعي دافئ، كان الكاتب إبراهيم الإمام يسير بخطوات متحمسة نحو وجهته التي طالما حلم بزيارتها، يرافقه ابنه منيب الذي يملأ المكان بأسئلته الفضولية عن التاريخ والحجارة القديمة.
هناك، وسط الصحراء الممتدة بمدينة نالوت في جبل نفوسة، ينهض قصر الحاج شامخًا، كأنه حارس الزمن الذي لم تغلبه القرون. كانت أشعة الشمس تلامس جدرانه الطينية العريقة، وكأنها تحيي أسرارًا مخبأة منذ مئات السنين.
-تعرف على كاتب ليبي مسكون بمدينة غدامس
-22 موقعا ليبيا على لائحة التراث في الدول الإسلامية
قصر الحاج، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى القرن الثاني عشر الميلادي على يد الحاج عبد الله بن عبد الرحمن، هو تحفة معمارية فريدة، تمثل عبقرية البناء في البيئة الصحراوية. شُيّد القصر ليكون مخزنًا جماعيًا للحبوب والمؤن، حيث كان السكان المحليون يودعون فيه محاصيلهم في مخازن خاصة، تُعرف بـ«الغرف»، ويؤمنونها بأبواب خشبية مزخرفة تحمل طابعًا فنيًا مميزًا.
يتألف القصر من أكثر من 114 غرفة (عدد سور القرآن) - كما وصفها المرشد السياحي المرافق للإمام - موزعة على طوابق عدة، مُرتبة بطريقة هندسية ذكية تسمح بحماية المخزون من حرارة الشمس والرطوبة، فضلًا عن إحكام إغلاقه ضد السرقات. وقد بنيت الجدران من الحجارة والطين، وزُينت الممرات بأقواس تقليدية ونقوش تعكس الثقافة الأمازيغية التي تزخر بها المنطقة.
خلال جولته، توقف إبراهيم الإمام مع ابنه أمام إحدى الزوايا العالية للقصر، مشيرًا إلى فتحات صغيرة كانت تُستخدم للمراقبة وتوفير التهوية. وبينما كان الصغير يلمس الجدار بدهشة، حكى له والده عن دور القصر في حياة القبائل قديماً، وعن التعاون الجماعي الذي مثّل أساس استمراريته.
بدأ منيب في طرح الأسئلة وهو يشير نحو زير ضخم في منتصف القصر: «هذا الزير ماذا يخزنون فيه؟»، الوالد بعد تفكير عميق أجاب: «إنه مخصص لتخزين الأحلام». سأل منيب مستنكرا: لماذا يخزنون أحلامهم؟ فكانت إجابة الإمام: «خشية سرقتها أو تلفها». نظر الابن إلى جوف الزير، وقال: «إنه أصغر من أن يتسع لحلمي».
اليوم، وعلى الرغم من مرور قرون على بنائه، لا يزال قصر الحاج قبلةً للسياح والباحثين في التاريخ والعمارة، ومصدر إلهام للفنانين والكتّاب. إنه ليس مجرد مبنى أثري، بل شهادة حية على ذكاء الإنسان الليبي، وقدرته على التكيّف مع بيئته، وحفظ إرثه للأجيال القادمة.
تعليقات