بعد مرور ما يقارب نصف قرن على عرضه الأول، يعود الفيلم الجزائري الشهير «وقائع سنوات الجمر» إلى الجمهور في نسخة مرممة بدقة 4K، ليُعرض في أربع قاعات بالعاصمة الفرنسية وفي 24 قاعة في مدن أخرى ابتداء من السادس من شهر أغسطس الجاري.
عُرضت النسخة المرممة من الفيلم للمرة الأولى ضمن برنامج «كان كلاسيك» في مهرجان كان السينمائي لعام 2023، بفضل جهود ترميم قادتها مؤسسات سينمائية كبرى، منها مؤسسة المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي ومؤسسة المخرج جورج لوكاس، وفقا لوكالة «فرانس برس».
الفيلم، الذي أخرجه الراحل محمد لخضر حمينة العام 1975، يُعد واحدًا من أهم المحطات في تاريخ السينما العربية والأفريقية، إذ نال في عام إنتاجه «السعفة الذهبية» لمهرجان كان، ليبقى حتى اليوم العمل العربي والأفريقي الوحيد الذي حصد هذه الجائزة المرموقة.
اعتمد الترميم على النسخة السلبية الأصلية للفيلم، مع معالجة شاملة لإزالة الخدوش وآثار الغبار واستعادة الألوان التي تلاشت مع مرور الزمن. وقد نُفذت هذه العمليات في مختبرات سينماتيك بولونيا الإيطالية، التي تُعد من المراكز العالمية المتخصصة في حفظ التراث السينمائي.
- عودة «وقائع سنوات الجمر» إلى «كان» في نسخة مرممة بعد 50 عاماً من فوزه التاريخي
- رحيل صاحب «السعفة الذهبية» لخضر حمينة عن 95 عاما
يحمل «وقائع سنوات الجمر» طابعًا ملحميًا يوثق مسيرة الشعب الجزائري من سنوات الجفاف والفقر، مرورًا بالاضطهاد الاستعماري، وصولًا إلى اندلاع الثورة الجزائرية العام 1954.
علامة بارزة في السينما الثورية
يتناول الفيلم عبر ست لوحات درامية متتابعة حكاية «أحمد»، الفلاح البسيط الذي يتحول وعيه السياسي تدريجيًا مع تصاعد الظلم، لينخرط في صفوف المقاومة المسلحة. اعتمد حمينة في إخراجه على لقطات واسعة، وحشود ضخمة من الممثلين الثانويين، وإيقاع بصري يجمع بين شاعرية الصورة وقسوة الواقع، ما جعله علامة بارزة في السينما الثورية.
يشار إلى أن مخرج الفيلم حمينة تعرض لتهديدات بالقتل من عناصر منظمة الجيش السري الفرنسية «OAS» عقب صدور الفيلم، نظرًا لما اعتُبر حينها إدانة مباشرة لجرائم الاستعمار. وعلى الرغم من ذلك، واصل حمينة مساره الإبداعي، مسجّلًا اسمه بين كبار السينمائيين العالميين.
تزامنت النسخة المرممة وعودة عرض الفيلم مع وفاة حمينة في 23 مايو 2025، في اليوم ذاته الذي عُرض فيه الفيلم مجددًا على شاشة مهرجان كان، ورأى البعض القصة وكأنها وداع سينمائي لائق لرجل كرّس حياته لفن السينما ولتوثيق نضال شعبه.
كما تفتح إعادة عرض «وقائع سنوات الجمر» الباب أمام جيل جديد من المشاهدين للتعرف على عمل سينمائي يجمع بين القيمة الفنية والشهادة التاريخية، وتؤكد في الوقت ذاته أهمية الجهود الدولية في حفظ وإحياء التراث الفيلمي، حتى تظل الذاكرة البصرية للشعوب حيّة في مواجهة النسيان.
تعليقات