صدر للقاص والروائي والباحث التاريخي الذي ولد العام 1970 بمدينة غدامس إبراهيم عبدالجليل الإمام رواية بعنوان «الحرز» عن دار الفرجاني للنشر والتوزيع.
اختلط في هذا العمل التاريخ بالأسطورة في مدينته الأم، ويصف الإمام العمل أنه يمكن للقارئ أن يعتبره جزءا ثانيا لروايته «آيت أدا» التي صدرت قبل ثلاث سنوات، التقت معه «الوسط» لفك لغز «حرز» الإمام.
إلى أي مدى تختلط الأسطورة بالرواية؟
تختلط الأساطير بشكل أو بآخر في حياتنا.. ربما في واحتنا القديمة بشكل أكثر، عشنا طفولتنا ونحن نستمتع بالاستماع للجدات في ليالي الشتاء الطويلة وهن يروين لنا وقائع حكايا غريبة تشخص أبصارنا وتنقطع أنفاسنا ونحن نتابع تلك التفاصيل.. لا نمل تكرارها بل تزداد متعة في كل مرة نسمعها.. نتحمس لأبطالها ونتفاعل معهم ونردد في اليوم الموالي ما قالوها ونحاول تقليدهم فيما فعلوها.. فيها من الغرائبية الكثير ومن السحر والمتعة ما لا يمكن وصفه.
في ذلك الوقت كنا نسميه حكايا الجدات.. أما الآن فأصبح اسمه الأساطير والخرافات.. البعض يمزج بين الفنين فيصفه بالعجائبي والغرائبي.. ذاك فن أعشقه كثيرا وأحاول أن أستخلص من موروثنا الحكائي ما يصلح أن يقدم للآخرين في قالب روائي عصري.
- إبراهيم الإمام: الرواية الليبية تشهد نهضة كبيرة
كيف كانت عملية البحث وجمع المعلومات قبل الكتابة؟
في الحقيقة لا أضع خطة مسبقة لأي عمل روائي اكتبه.. بمجرد ورود الفكرة اشرع في كتابتها.. كانت فكرة الرواية هي رسم صورة تقريبية على الصراع من أجل البقاء في عالم مليء بالتحديات.. كما أني سبق وأن طرقت في روايات سابقة الصراع بين الإنسان وأمم الخفاء الذي لاقى قبولا كبيرا من جمهور القراء لهذا بحثت عن فكرة جديدة تدور في هذه العوالم.. خاصة أن ذاكرتنا الحكائية تعج بهذه الحكايا والأساطير والتداخل بين هذه العوالم مع عالمنا المعاش.
في حال نجاح «الحرز» ربما أقوم بتحويلها إلى عمل درامي.. فالدراما أفضل وسيلة للترويج للرواية المكتوبة وأكثر شيوعا، أجد نفسي في مثل هذا اللون من الروايات وأخطط لكتابة المزيد مستقبلا.. فقط على «الحرز» أن تعلن عن نجاحها وبعدها لكل حادث حديث.
كم استغرقت من الوقت لكتابة «الحرز»؟
كتبت رواية الحرز على حلقات بمعدل حلقة كل يوم وأنشر الحلقة على صفحتي على «فيسبوك» مباشرة.. نشرت الحلقة الأولى بتاريخ 8 سبتمبر 2019 وصلت إلى نهاية الرواية بتاريخ 24 نوفمبر.. بلغ عدد الحلقات 55 حلقةكتبتها في أماكن مختلفة طرابلس – تونس – مصراتة - طبرق، وحاولت الالتزام بكتابة حلقة كل يوم وتقديمها لمتابعي الرواية.
هل ما زالت لغدامس أعراف تجرم المرأة في بعض الأفعال؟
الأعراف لا تجرم المرأة فقط.. بل تجرم أي فعل غير سوي سواء أتى به رجل أو امرأة، تُسّير الحياة بمجملها في واحتنا عبر أعراف تعارف عليها الناس في حياتهم اليومية.. هذه الأعراف تنظم التعاملات اليومية بين الفرد ومحيطه وبين الفرد وأسرته وبين الفرد وخاصة نفسه أيضا..
للنساء كذلك أعراف تخصهن في عالم يختلف عن الرجال.. فواحتنا مقسمة إلى عالم يخص الرجال وهو أسقل الواحة وعالم آخر موازٍ للنساء في أعالي الواحة.. لهن أسواقهن ومجالسهن ونواديهن بالإضافة إلى عادات وتقاليد راسخة في القدم تقام حسب توقيتها ومناسباتها.
التركيبة المعمارية للواحة فرضت كذلك وضعا اجتماعيا راقيا ينظم الحياة بين عالم الرجال وعالم النساء.
لماذا تعتمد تعدد الأصوات في الفصل الواحد؟
في الحقيقة لا أضع طريقة بعينها في كتابة أعمالي الروائية.. لكل رواية ظروفها وطريقة بنائها.. أعتقد أن هذه الطريقة كانت أفضل وسيلة لنقل الفكرة للمتلقي.
ألا يمكن أن يسبب هذا ربكة للقارئ؟
قارئ الرواية ذكي جدا.. وأنا أعتمد على ذلك.. ربما تحدث ربكة ما لكن يستقيم الأمر تباعا مع نمو الشخصيات وتطور الأحداث.
هل تعلمت اللغة الغدامسية القديمة وفي أي وقت؟
اللغة الغدامسية هي لغتي الأم.. تعلمت العربية مع دخولي المدرسة.. بهذه اللغة استمعت إلى حكايات جدتي وأمي وعبرها نقلتا تاريخنا الحافل بالأساطير.
إلى أي مدى كان للواحة يد في إلهامك؟
الواحة جزء أصيل من حياتي لا أنفصل عنه.. ولدت فيها وترعرعت بين أزقتها وحواريها.. عشت تفاصيل دقيقة من أعرافها قبل أن تتوقف الحياة في تلك الواحة العريقة ونهاجر إلى بيوت حديثة لكن كان برفقتنا كم هائل من تلك الأعراف لتعيش بيننا ونتعايش بها وننقلها بدورنا إلى أبنائنا.. الواحة تسكننا الآن بعد أن كنا ساكنيها.
هل تعتمد دائماً الفصول القصيرة ولماذا؟
أحاول عبر الفصول القصيرة أن أحتفظ بالقارئ لأطول فترة ممكنة.. فالقراءة الآن أصبحت نوعا من الترف.. فالفصول القصيرة وسيلتي لكسب ثقة القارئ واستمراره في القراءة محاولا بث كل ما يشده للمواصلة في تلك الفصول القصيرة.. ارتحت كثيرا لهذا التكنيك وأنتهجه كثيرا في معظم أعمالي.
في مصر تدار جلسات الزار لطرد الجن أو التواصل معه، هل لهذا علاقة بجلسة العزف في الرواية لفتح باب بين العالمين؟
تتشابه الثقافات والمعتقدات وتنتقل من بيئة إلى أخرى عبر رحلات القوافل، كثيرا ما سمعت وشاهدت في مجالس الأنس والوجد من يصرع ويفقد الوعي.. تنقل لنا أساطير الأسلاف أن أمم الخفاء تطرب كثيرا لهذه المجالس وتشارك فيها ليس بالسماع فحسب بل بالرقص والوجد.. ويقال أيضا إن المصروع في هذه المجالس إنما صرعته أمم الخفاء المتلبسة به.. استخدمت هذه الأسطورة في تيمة الرواية.. ربما حفلات الزار شبيهة بذلك.
هل للصوفية أثر مخفي في الرواية؟
الزوايا والطرق الصوفية جزء مهم من التركيبة الثقافية والاجتماعية الليبية القديمة.. تلك الزوايا أشبه بما يعرف الآن بالنوادي والكشافة.. لها قوانينها التي تختلف من طريقة إلى أخرى.. كراوٍ وناقل لتراث واحتي لا يمكنني تجاهل هذا الدور في حياة الناس محاولا إبرازه حسب مقتضيات السرد.
لماذا كان عليك تفسير كل الأحداث في نهاية الرواية؟
على الراوي ألا يترك ثغرات في روايته أو بمعنى أدق عليه قفل كل الملفات المفتوحة إلا ما تتطلبه الضرورة المتمثلة في شحذ خيال القارئ لاستكمال ما تركه الراوي لمخيلته.
تعليقات