Atwasat

انقاب: يتفاعل غير الناطقين بالأمازيغية مع الأغاني لجماليات الموسيقى

القاهرة - بوابة الوسط: نهلة العربي الأحد 08 ديسمبر 2024, 12:18 مساء

تعد اللغة الأمازيغية مكونا أساسيا في نسيج الثقافة الليبية، حيث تغنى بها الأمازيغ وكتبوا المدونات والأشعار والكتب. وخلال الاشهر الماضية، بدأت تظهر على الساحة الفنية الليبية أغان ذات لحن فريد وصوت ملائكي. وتعود هذه الأغاني للكاتب الصحفي صلاح انقاب، لنكتشف أنه يملك حسا شعريا مميزا. وفي لقاء مع بوابة «الوسط»، تحدث عن تجربته مع الشعر الأمازيغي:

BCD Ad BCD Ad

متي بدأت في كتابة القصائد والأغاني الأمازيغية؟
بدأت رحلتي مع كتابة الشعر الأمازيغي منذ أكثر من عشرين عامًا، في وقت كانت فيه الكلمة وسيلتي لفهم العالم والتعبير عن ذاتي. كنتُ أشعر بأن اللغة الأمازيغية ليست مجرد أداة تواصل، بل هي روح تنبض داخل الكلمات، وتحمل إرثًا عريقًا وشعورًا عميقًا بالانتماء.

كانت قصائدي انعكاسًا لصوت داخلي يبحث عن الحرية والمعنى، ووجدت طريقها للنشر في مواقع ومجلات، مثل «تاوالت» ومجلة «تاويزا» المغربية بين عامي 2004 و2007. هذه التجربة كانت بمثابة شهادة على عمق ارتباطي بالثقافة الأمازيغية، ورغبتي في أن أكون جزءًا من حراك ثقافي يعيد إحياء لغتنا وهويتنا.

أما كلمات الأغاني، فقد كانت تراودني كأفكار تحمل طاقة الإيقاع والموسيقى. لطالما تخيلت تلك الكلمات وهي تُغنى، تحرك المشاعر وتروي حكايات الأرض والإنسان، كنت أعرض قصائدي الأمازيغية على مجموعة من المغنين الهواة في جبل نفوسة وطرابلس وزوارة، وكنت أشعر بأن هناك إمكانية لتحويلها إلى أغانٍ تحمل روح الأمازيغية بصوت جديد.

لكن لسبب أو لآخر، لم يجر تنفيذ أي من تلك الأفكار في تلك الفترة، ربما لأن الوقت لم يكن قد حان بعد، أو لأن الظروف لم تكن مواتية، وظل الحلم موجودًا، ينمو في داخلي بصمت، حتى جاء السيد مادغيس مادي أخيرًا ليحمل هذا الحلم إلى الواقع. ومن خلال مشروعه لتحويل القصائد الأمازيغية إلى أغانٍ، أعاد إليّ الأمل بأن الكلمات التي كتبتها منذ زمن بعيد يمكن أن تتجدد بحلة موسيقية، وتصل إلى الناس بطريقة أعمق وأشمل. هذا التحول كان بمثابة بداية جديدة، وحافزًا للاستمرار في الكتابة بروح تتطلع دومًا إلى المستقبل.

-ليبيان يفوزان بجائزة «العين المفتوحة» للكتابة الصحفية
-إنقاب: كتابي ينتمي لـ«أدب الحيوانات السياسي»

ما هي أهم المواضيع التي تناولتها؟
قصائدي كانت دائمًا نافذة أطل من خلالها على أعمق زوايا الروح الإنسانية، محاولًا التحرر من قوالب الشعر والغناء الأمازيغي التقليدية. بدلاً من التركيز على المظلومية السياسية أو اجترار الموروث القديم بلغة غير فصيحة، أردت أن أفتح أبوابًا جديدة للكلمة الأمازيغية، لتصبح أداة تعبير عن مشاعر وأفكار عابرة للزمان والمكان.

تناولت في قصائدي مواضيع تنبض بالحياة والإنسانية، مثل الحب والغدر.. تلك اللحظات التي تكشف عن أعمق ما فينا من مشاعر. كتبت عن الخيانة والأخوة، عن الجراح التي تتركها العلاقات البشرية، وعن اللحظات التي تعيد فيها الروح اكتشاف معنى التواصل والتآخي، وذلك في أغانٍ مثل لوتشا لوتشا، أيتما، أنوغي جار أيتما، كّوجيل، أف تايري، أوال نغ، وغيرها.

وتطرقت أيضًا إلى علاقة الإنسان بالحياة والموت، محاولًا استكشاف الأسئلة الكبرى التي لطالما أرقت البشرية: لماذا نحن هنا؟ ما معنى الحياة؟ وكيف ننظر إلى الموت كجزء لا يتجزأ من الوجود؟ كانت تلك المواضيع تعكس تفكيري الفلسفي، ورغبتي في أن أجعل الشعر وسيلة للتأمل والتساؤل.

حتى الأطفال كان لهم نصيب في قصائدي، حيث حاولت أن أكتب لهم كلمات بسيطة وعميقة في آنٍ واحد، تعبر عن عوالمهم البريئة، وتترك فيهم أثرًا يدفعهم للتفكير والحلم. كان طموحي أن أجعل من الكلمة الأمازيغية نافذة تعبر من خلالها كل هذه المشاعر والأسئلة، لتثبت أنها لغة حية وقادرة على ملامسة أعماق الروح البشرية.

في محاولتي للكتابة باللغة الأمازيغية الفصحى كنتُ أبحث عن لغة لا تكتفي بالتعبير، بل تحتفي بثراء الإرث اللغوي والثقافي الذي يجمع بين اللهجات الأمازيغية الليبية. كنت أستشعر بأن اللغة الأمازيغية ليست مجرد أداة للتواصل، بل بحر عميق من الكلمات المنسية والمعاني المطمورة التي تنتظر من يعيد اكتشافها وإحياؤها.

انطلقتُ من محاولة الجمع بين النظائر والمفردات التي تتناثر بين لهجات النفوسية والزوارية والغدامسية والتارقية، لتصبح قصائدي كأنها جسور تربط بين هذه التنوعات، وتعبر عنها بلغة عليا، إذا صح القول. لم تكن هذه المهمة سهلة، لكنها كانت ضرورية، لإعادة بناء هوية لغوية مشتركة تعبر عن عمق الأمازيغية وروحها. كل قصيدة كتبتها كانت بمثابة حجر في بناء قاموس يهدف إلى توسيع أفق الناطقين باللغة الأمازيغية وإثرائهم بكلمات منسية في منطقة، لكنها حية في منطقة أخرى.

بهذا الشكل، أصبحت قصائدي ليست فقط نصوصًا أدبية، بل أيضًا مشروعًا لغويًا يعيد توحيد الأمازيغية في مواجهة التحديات السياسية التي فرضت أمية لغوية على أبناء هذه الثقافة. أردت أن أُظهر أن الأمازيغية ليست لغة مقيدة بموروث قديم، بل هي فضاء إبداعي حيّ قادر على التطور والاحتواء، لتعيد للجميع الشعور بالانتماء إلى جذورهم ولغتهم الأم.

هل هناك جمهور للأغنية الأمازيغية؟
بالطبع، هناك جمهور كبير ومتنوع للأغنية الأمازيغية، سواء داخل ليبيا أو بين الأمازيغ الليبيين في الشتات. الأغنية الأمازيغية ليست مجرد فن موسيقي، بل هي رمز ثقافي يحمل بين طياته الهوية والتراث، ويعيد تشكيل الذاكرة الجماعية في مواجهة محاولات الطمس أو الإقصاء.

في ليبيا، وعلى الرغم من الظروف السياسية والثقافية التي أثرت على تنوع الإنتاج الموسيقي، برز جمهور شغوف بهذا الفن. التاريخ نفسه يشهد على ذلك، ففي تسعينات القرن الماضي، ومع أجواء الحصار الثقافي الذي فرضته القومية العربية في عهد القذافي، كان الأمازيغ الليبيون يقطعون الحدود إلى تونس، لحضور حفلات فنانين أمازيغ عالميين، مثل إيدير. هذا الحماس يعكس عمق ارتباط الجمهور الليبي بالموسيقى الأمازيغية، حتى وإن كانت محاولات التعبير عنها محاصرة في الداخل.

إحصائيًا، وعلى الرغم من غياب دراسات شاملة توثق حجم جمهور الأغنية الأمازيغية، فإن المؤشرات تدل على نمو شعبيتها. اليوم، هناك عدد من الفنانين الأمازيغ الشباب الليبيين الذين تمكنوا من الوصول إلى جمهور واسع، مثل المرحوم سامي هشكل وعبد الله غشيني وبندق بندق، الذين شكلوا بصمات فنية لاقت استحسانًا كبيرًا. هؤلاء المغنون، مع أمثالهم، يمثلون جيلًا يسعى لربط الموسيقى الأمازيغية بالهوية الليبية المعاصرة.

من جهة أخرى، يمتد جمهور الأغنية الأمازيغية إلى خارج حدود ليبيا، حيث يعيش عدد كبير من الأمازيغ الليبيين في المهجر. هذا الجمهور يشكل جزءًا مهمًا من المشهد الثقافي، ويؤكد أن الأغنية الأمازيغية لا تزال وسيلة للتواصل والانتماء، حتى في الغربة.

إلى أي مدى يتفاعل مع الأمازيغية غير الناطقين بها؟
تفاعل غير الناطقين بالأمازيغية مع الأغنية الأمازيغية يمثل دليلاً قويًا على قدرة الموسيقى على تجاوز حواجز اللغة والثقافة. فعلى الرغم من أن الكلمات الأمازيغية قد تكون غريبة على مسامع البعض، فإن الموسيقى تُلهم بمفرداتها العالمية، كالإيقاع، اللحن، والأداء العاطفي.

في السياق الليبي، جذبت الأغنية الأمازيغية جمهورًا واسعًا من غير الناطقين بها، خاصة بعد التغيير الدراماتيكي الذي شهدته البلاد. في مرحلة ما بعد الثورة، انفتح المجال أمام الليبيين لطرح أسئلة عن الهوية الوطنية والتعدد الثقافي، مما دفع الكثيرين للتعرف على ثقافة «الآخر». هذا الفضول الثقافي زاد من جاذبية الأغنية الأمازيغية باعتبارها بوابة لاستكشاف عمق الثقافة الأمازيغية التي ظلت مغيبة لعقود.

يتفاعل غير الناطقين بالأمازيغية مع الأغاني بدايةً من خلال جماليات الموسيقى، كما هو الحال مع الموسيقى العالمية، مثل الإيطالية أو الإسبانية. لكن الأغنية الأمازيغية الليبية تحمل طابعًا إضافيًا يجذب المستمعين، وهو الإحساس بالقرب والانتماء المشترك. الأغاني التي تتحدث عن الأرض، الحب، أو الحياة اليومية تثير مشاعر مشتركة يتردد صداها لدى الجميع بغض النظر عن اللغة.

بالإضافة إلى ذلك، لعب الفنانون الأمازيغ الشباب دورًا كبيرًا في تعزيز هذا التفاعل من خلال تقديم أغانٍ تمزج بين الطابع الأمازيغي التقليدي والأنماط الموسيقية الحديثة، مثل البوب والروك، وحتى الراب. هذا المزج جعل الأغنية الأمازيغية أكثر قربًا وملاءمة لأذواق متنوعة، مما زاد من تقبلها من جمهور غير ناطق بالأمازيغية.

في المحصلة، يمكن القول إن الأغنية الأمازيغية تجاوزت دورها الفني، لتصبح أداة ثقافية حيوية تُقرّب المجتمعات بعضها من بعض، وتسهم في بناء جسور التفاهم والتقدير المتبادل بين مختلف أطياف المجتمع الليبي.

هل أسهمت الترجمة في انتشار الأغاني الأمازيغية؟
نعم، الترجمة كانت وستظل عاملًا أساسيًا في تجاوز حاجز اللغة، مما يسهم في تقريب الأغاني الأمازيغية إلى جمهور أوسع. عبر الترجمة، تتحرر الكلمات من قيودها اللغوية، وتُفتح أبواب جديدة لفهم الثقافة والتواصل مع جوهرها. في حالة الأغنية الأمازيغية، لم تكن الترجمة مجرد وسيلة لفهم النصوص، بل أصبحت جسرًا يمتد بين العوالم الثقافية المختلفة.

في سياق العولمة، ساعدت التكنولوجيا على تسريع هذا التقارب. دخول اللغة الأمازيغية إلى محرك ترجمة غوغل أخيرًا يُعد خطوة تاريخية، حيث بات بإمكان النصوص الأمازيغية الانتقال بسهولة إلى لغات أخرى، مما يزيد من فهمها وتقديرها عالميًا.

أما على المستوى الشخصي، فقد كان الإصرار على ترجمة نصوصي الشعرية والغنائية إلى العربية جزءًا من رؤيتي الثقافية. هذه الترجمة لم تخاطب فقط الناطقين بالعربية، لكنها حملت هدفًا مزدوجًا. فمن جهة، ساعدت الناطقين بالأمازيغية على استرجاع الكلمات المنسية وتوسيع قواميسهم اللغوية في مجتمع لا يزال، كما وصفه علماء اللغة، في مرحلة «ما قبل المدرسة» من ناحية التطور اللغوي بسبب عقود من التهميش السياسي والثقافي. ومن جهة أخرى، ساعدت غير الناطقين على التعرف إلى الأمازيغية كأحد روافد الهوية الليبية، ولغة غنية ومستقلة تحمل طابعًا خاصًا.

بهذا المعنى، لم تكن الترجمة أداة لفهم النصوص فقط، بل كانت أداة لتعريف الآخرين بجمال الأغنية الأمازيغية، والعمق الثقافي الذي تحتويه، مما أسهم بشكل ملموس في انتشارها، وكسبها جمهورًا جديدًا يتفاعل مع روحها الإنسانية على الرغم من اختلاف اللغة.

هل هناك جمهور في دول أخري، مثل المغرب والجزائر، يتفاعل مع الأغاني الأمازيغية؟
نعم، وفقًا للإحصاءات التي أملكها من خلال قناتي على يوتيوب «أنا ليبرالي» يمكن القول إن هناك جمهورًا متفاعلًا في دول أخرى، مثل المغرب والجزائر، حيث تتركز المشاهدات بشكل كبير في مدن مثل كازابلانكا، ومراكش، والجزائر العاصمة، بالإضافة إلى طرابلس. هذا التفاعل يعكس قدرة التكنولوجيا والعولمة على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، مما يسمح للمحتوى الفني والأدبي بالوصول إلى جمهور متنوع في أماكن مختلفة.

تعد هذه الظاهرة من حسنات العولمة، التي تتيح لكل شخص فرصة التعبير عن نفسه، ونشر أفكاره وأعماله الأدبية والغنائية عبر منصات رقمية مفتوحة للجميع. ومن خلال هذه القنوات، يمكن للفنان أو الكاتب أن يصل إلى جمهور واسع، ويعرف بدقة أين ومتى يجرى سماع أو مشاهدة أعماله، مما يعزز التواصل الثقافي بين الشعوب، ويخلق روابط غير مرئية بين مختلف الحضارات.

الأغنية الأمازيغية، على وجه الخصوص، تجد تفاعلًا ملموسًا في هذه البلدان التي تشترك في الإرث الثقافي واللغوي الأمازيغي، إذ يسهم هذا التفاعل في تعزيز الهوية الثقافية المشتركة بين ليبيا ودول المغرب الكبير، وهذا من حسنات التكنولوجيا والعولمة، حيث يمكن لأي شحص أن يعبر عن ذاته، وينشر ما يجول بخاطره، ويخرج صوته الداخلي إلى الخارج، ليعرف تماما من وأين ومتى يجرى سماعه.

من يلحن الأغاني الأمازيغية؟ وهل استعملت الذكاء الصناعي في إنشاء أي أغنية؟
تجربة استخدام الذكاء الصناعي في مجال إنتاج الأغاني هي خطوة مبتكرة وجديدة، تمزج بين الإبداع البشري والتكنولوجيا الحديثة، ومن خلالها أنتجت أكثر من 40 أغنية، بما في ذلك 5 فيديو كليبات عن طريق الذكاء الصناعي بشكل ملحوظ في مختلف جوانب إنشاء الأغاني.

وفيما يخص تلحين الأغاني، يعتمد أسلوبي في الذكاء الصناعي على توليد الأفكار الموسيقية وصياغة التراكيب الموسيقية المعقدة. أكتب كلمات القصائد، وأقدم وصفا تفصيليا للموسيقى، بما في ذلك نوع الأدوات الموسيقية المستخدمة، توزيع الآلات، تنسيق الكورس، وطريقة تنفيذ الأصوات. هذه العملية لا تقتصر فقط على ابتكار اللحن، بل تمتد لتشمل كل التفاصيل المتعلقة بالصوت والإيقاع.

من جهة أخرى، يعتبر الذكاء الصناعي أداة فعالة في تنظيم وتوزيع الأدوات الموسيقية، وتأكيد تفاصيل دقيقة، مثل تكرار الكورس، ضبط نوعية الصوت المستخدم، وكيفية دمج الأصوات المختلفة في تناغم موسيقي. على سبيل المثال، يمكن للذكاء الصناعي أن يسهم في اختيار وتوزيع الأصوات البشرية والآلية في الكورس، مما يتيح لك إمكانية تقديم أغانٍ تدمج بين الأنماط الموسيقية التقليدية والحديثة بطريقة فنية مبتكرة، بل أحيانا اختار السياق الثقافي للموسيقى التي أريد أن يجرى الغناء عبرها، مثل موسيقى التوارق أو الفلامنكو، بل أني نفذت أغنية أمازيغية على إيقاع موسيقى جاز مدينة نابولي الإيطالية.

استخدام الذكاء الصناعي في هذا السياق ليس مقصورًا على الجوانب التقنية فقط، بل يشمل أيضًا الإبداع الفني في اختيار الأصوات والآلات الموسيقية التي تتناسب مع السياق الأدبي واللغوي للأغنية، من خلال هذه الطريقة، استطعت أن أخلق تجربة موسيقية فريدة من نوعها، ترتكز على تكنولوجيا الذكاء الصناعي، لكنها تحتفظ باللمسة الإبداعية والإنسانية في صياغة الكلمات والألحان، في النهاية، يمكن القول إن الذكاء الصناعي لم يقتصر على تلحين الأغاني فحسب، بل أضاف بُعدًا جديدًا للإنتاج الموسيقي الذي يعكس مزجًا بين الابتكار الفني والتقدم التكنولوجي.

كلمة أخيرة
الموسيقى، في جوهرها، هي لغة العالم التي تتجاوز حدود الكلمات، وتعبر عن أعمق مشاعر الإنسان. من خلال الألحان والإيقاعات، يمكننا أن نستشعر الحياة بكل ما تحمله من أمل، وحب وفرح. إذا نظرنا إلى الموسيقى كأداة فلسفية، نجد أنها تحمل في طياتها دعوة للمقاومة: مقاومة لعتمة ثقافة الموت التي تُغذي اليأس والفقد، ومقاومة تلك الأصوات التي تسعى إلى تحجيم الإنسان، وإلغاء روحه الحية.

إن استخدام الموسيقى في هذا السياق ليس مجرد ترفيه أو ملاذ موقت، بل هو فعل تحرري، فهي تتيح لنا الفرصة للتعبير عن أفكارنا ومشاعرنا في مواجهة عالم مليء بالتحديات. من خلال خلق ألحان تحتفل بالحياة، نحن نفتح أبوابًا جديدة للفرح والابتسامة والأمل، فالموسيقى لا تقتصر فقط على كونها إنجازًا بشريًا، بل هي جزء من سعينا المشترك إلى فهم أعمق للحياة نفسها. هي نبض الوجود، صوت الحياة المستمر الذي يعيدنا إلى فهم إنسانيتنا المشتركة، إلى جمال اللحظة، ونعمة الوجود.

عندما نغني ونعزف نحن لا نفعل ذلك فقط لأننا نحب الصوت أو الإيقاع، بل لأننا نغني للحياة، نغني للفرح الذي لا يُقاس بالظروف، بل بالقوة الداخلية التي تعطي للأشياء الصغيرة معاني ضخمة. من خلال الموسيقى، يمكننا محاربة ثقافة الموت التي تفرغ العالم من معانيه، واستبدال ثقافة الحياة بها التي تملأ الكون بالضوء والألوان.

بذلك، تصبح الموسيقى أكثر من مجرد ترفيه أو فن، بل سلاحًا قويًا لتحفيز الأفراد والمجتمعات على الوقوف ضد رياح التشاؤم، ولتذكيرنا دائمًا بأن الفرح ليس بعيدًا عنا، بل هو في تفاصيل الحياة اليومية، في اللحظات التي نعبر عنها بالموسيقى، في الألحان التي ننسجها من روحنا، والتي تظل خالدة طالما بقى فينا الأمل.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
الأسطورة كلينت إيستوود يترجل عن صهوة السينما في صمت بعد سبعة عقود من الإبداع
الأسطورة كلينت إيستوود يترجل عن صهوة السينما في صمت بعد سبعة عقود...
«شمس» معرض فني يحول المهملات إلى أعمال تحمل رسائل جديدة
«شمس» معرض فني يحول المهملات إلى أعمال تحمل رسائل جديدة
تميم القلال.. بصمة ليبية صنعت حضورها في قلب صناعة الموسيقى المصرية
تميم القلال.. بصمة ليبية صنعت حضورها في قلب صناعة الموسيقى ...
بعد تصريحاتها بجامعة كولومبيا.. نجلا سعيد في قلب جدل سياسي وإعلامي
بعد تصريحاتها بجامعة كولومبيا.. نجلا سعيد في قلب جدل سياسي ...
«سيدة من فزان».. لوحة أوروبية توثق ملامح المرأة الليبية في القرن التاسع عشر
«سيدة من فزان».. لوحة أوروبية توثق ملامح المرأة الليبية في القرن ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم