Atwasat

إنقاب: كتابي ينتمي لـ«أدب الحيوانات السياسي»

القاهرة - بوابة الوسط: نهلة العربي الأحد 10 نوفمبر 2024, 12:28 مساء

صدر للصحفي والكاتب الليبي صلاح إنقاب مجموعة قصصية فى العام 2023 عن دار الفرجاني للنشر والتوزيع بعنوان «جمهورية الضباع». إنقاب ترأس تحرير أول مجلة ليبية باللغة الأمازيغية، وعمل مستشارا لوزارة الثقافة الليبية العام 2013، وفاز بالعديد من الجوائز، منها جائزة العين المفتوحة 2015 عن مؤسسة «MIcT» الألمانية في برلين، وجائزة «traumfabrik» لأفضل قصة قصيرة باللغة الألمانية لكاتب مهاجر عن وزراة الثقافة لولاية الراين العام 2019.

BCD Ad BCD Ad

وكان لـ«الوسط» لقاء مع الكاتب صلاح إنقاب، للحديث عن «جمهورية الضباع»، جاء فيه:

ما الفرق بين كتاب أورويل والنيهوم وإنقاب؟
هذه القصص كلها تنتمي لـ«أدب الحيوانات السياسي»، وهو أدب بلون خاص في الأدب العالمي، فمن كليلة ودمنة للمقفع مرورا برواية «بيت الكلاب» لجورج كوك، و«مملكة الفأر» لفيليب بولمان أو «رسالة الكلب في الممر الطويل» للكاتب الإسباني لوبي دي فيغا، نقرأ أدباً يتميز باستخدامه الحيوان رمزا لنقد الأنظمة السياسية والمجتمعات، ويتيح للكتّاب عرض الأفكار المعقدة بشكلٍ مُبسّط من خلال الحكايات الرمزية.

ففي مزرعة الحيوانات، جسد أورويل الثورة الروسية، متخذا نظام الحيوانات نموذجا مصغرا للأطماع السياسية التي تسيطر على الأنظمة بعد الثورة. يتمحور العمل حول خيبة الأمل في الثورة وفساد السلطة. بينما في «القرود»، على عكس أورويل، تناول النيهوم مشكلة السلطة من زاوية ثقافية اجتماعية، مع نقد خاص للبنى الفكرية التقليدية التي تعيق التحرر الفكري في المجتمعات العربية.

أما في «جمهورية الضباع» فحاولت المزج بين الأمرين: فساد الثورة وفساد بنية المجتمع أيضا، حيث أركز على تصوير مجتمع غارق في الفساد والنفاق، تحكمه الضباع التي تمثل الشخصيات الانتهازية. وهنا، تُمثّل «الضباع» النخب السياسية والاجتماعية التي تتحكم في مصير المجتمع، وتستغل السلطة لأهداف أنانية دون اكتراث للقيم التي تعلنها الثورة، التي تقوم بها الخراف لإسقاط الديكتاتورية في سبيل ديكتاتورية الفوضى.

أورويل جعل الحيوانات ممثلين مباشرين لشخصيات تاريخية، مستخدمًا الخنازير والحيوانات الأخرى لإيصال رسائل واضحة حول الشخصيات السياسية المعروفة، بينما النيهوم في روايته يرمز عبر القردة إلى مختلف شرائح المجتمع، لكن من زاوية فلسفية تسلط الضوء على القضايا الاجتماعية والدينية.

في «جمهورية الضباع» كانت الضباع نماذج للشخصيات الانتهازية التي تدمر المجتمع من الداخل بمساعدة الخراف نفسها. كما استخدمت حيوانات الغابة الأخرى رموزا للفساد والانحطاط والتحالفات السياسية، التي يرمز لها الدببة مثلا، والخيانة التي يرمز لها الضبع ذو الأذن الواحدة، حيث يمكن للقارئ أن يستنتج في حال كان على اضطلاع على تاريخ ليبيا الحديث أسماء أشخاص أو تيارات بعينها توجد في القصة، ربما.

وفي سياق السرد، مزرعة الحيوانات تعتمد على سرد تصاعدي بسيط يؤدي إلى نتائج واضحة تسلط الضوء على الفساد السياسي، بينما «القرود» يتميز السرد فيها بطابع تأملي أقرب إلى النقد الفلسفي، مما يجعل العمل أكثر تجريدًا وتركيزًا على الأفكار. أما السرد في «جمهورية الضباع» فهو معقّد وفلسفي، إذ يعتمد على التلاعب باللغة والنصوص الرمزية، ليُبرز التحولات المجتمعية والمشكلات الثقافية لمجتمع في حالة من الانحدار لا يمكن إصلاحها إلا بإعادة التفكير جذريًا في القيم الإنسانية الغائبة عن الوعي الجمعي.

وفي سياق القضايا الفكرية والمفاهيم المطروحة، فإن أورويل يُركّز على فساد السلطة، وكيفية تحويل الثورات إلى ديكتاتوريات جديدة، مع تحذير من أيديولوجيات قد تبدو مخلصة، ولكنها تنحرف عن أهدافها، بينما النيهوم يطرح تساؤلات حول القيود الدينية والاجتماعية، مع رؤية نقدية لأثر المؤسسات الدينية والسياسية على الأفراد.
وفي «جمهورية الضباع» حاولت تناول فساد النخب وانحلال المجتمع، واستسلامه للوهم الذي تخلقه السلطة، التي تجعله دائما يتماهي مع خطابها جاعلا له مرآته المكسورة (بلغة النيهوم) لرؤية العالم، وتسليط الضوء على كيفية استسلام المجتمع للقوة بدل القيم، مما يجعل القصة أكثر تشاؤمًا وأقل أملًا في الإصلاح.

هل طرح الكتاب بهذه الرمزية تحايل للنشر في ليبيا؟
بالتأكيد، الرمزية في «جمهورية الضباع» وبقية القصص القصيرة المصاحبة لها قد تكون بالفعل تحايلاً متقناً للتغلب على التحديات التي يفرضها النشر في بيئة رقابية مقيدة مثل ليبيا. «جمهورية الضباع» تتحدث عن وضع سياسي وانهيار دولة يمكن إسقاطه على أكثر من مكان. أما بقية القصص فرأيت فيها إسقاطات على واقع ليبيا السياسي والاجتماعي، ويمكن للبعض ربما فهم ذلك بسهولة.

في الأدب الرمزي، يُستخدم عالم خيالي من شخصيات الحيوانات أو صور غامضة في إيصال رسائل حساسة بطريقة غير مباشرة، وهذا يتيح للمؤلف معالجة قضايا معقدة أو محرجة دون تصادم مباشر مع السلطات.

هل دخل الكتاب ليبيا من الأساس؟
القصة موجودة في طرابلس وبنغازي بمكتبة الفرجاني، وكانت موجودة في أكثر من معرض كتاب في ليبيا وخارجها.

«شرق وغرب الغابة» لماذا الجنوب مهمش؟
الشرق والغرب توصيف قطبي، وهو توصيف يحتوي ضمنيا على الشمال والجنوب خلاف التوصيف السياسي المعروف في ليبيا، حيث إنه بسبب وجود البحر شمالا بقي الجنوب معزولا دون توصيف قطبي موازٍ، ما نتجت عنه مآلات سياسية جعلت المجتمع الليبي يتنافس حول مظلومية من هو ضحية الوجود في دولة فاسدة أكثر. أما سياق القصة، الذي يتوافق مع أحداث الثورة الليبية، فهو يتماشى مع حقيقة أن الجنوب كان محيّدا بشكل أو بآخر عن الأحداث الكبرى حين حدوثها.

ما هي دلالة الضبع ذي الأذن الواحدة؟
شخصيات الحيوانات مشحونة بالدلالات الرمزية التي تجسد أدواراً وأبعاداً سياسية واجتماعية معينة، ويُحتمل أن تمثل شخصيات حقيقية أو حالات نمطية تشكّل المجتمع الليبي وتفاعلاته خلال حقبة معينة.

الضبع ذو الأذن الواحدة يمكن أن يُرمز به إلى شخصية مثيرة للجدل، وربما تكون تلك الشخصية أيا من الشخصيات التي غيرت ولاءها في أثناء الأحداث التي يهتز فيها النظام السياسي. وكونه ضبعًا ناقصًا (ذو أذن واحدة)، فإنه يشير إلى نقص في الولاء أو تذبذب في المواقف السياسية.

إن تصوير الضبع كحيوان ينتمي لمجتمع مفترس يرمز إلى واقع سياسي مضطرب، تطغى عليه الاستغلال والانتهازية، بينما نقص أذن الضبع يوحي بخيانة أو نقص في الثقة، وهو وصف يمكن أن يكون إسقاطًا على بعض المواقف السياسية البارزة في التاريخ الليبي الحديث.

هذا التفسير يعتمد على قراءة مجازية، حيث إن الرمزية تحمل تعقيدًا إضافيًا يوحي بالتناقض بين الأدوار الوطنية المتوقعة والخطوات الفعلية المتخذة، مما يثير تساؤلات حول الولاء والمصلحة الوطنية في سياق الصراعات السياسية.

كم قطرة سم وضعت في عسل القصص؟
في «جمهورية الضباع»، تماماً كما في مزرعة الحيوانات لأورويل أو القرود للنيهوم، تسير قطرات السمّ متخفّية بين طيّات الحكاية. توهمنا بأنها مجرّد محاكاة ساخرة أو لعب بالرموز، لكن ما تلبث أن تكشف، بحذر مؤلم، حقائق تُسلّط الضوء على هشاشتنا الإنسانية، وميلنا للممالأة في وجه المستبد. السمّ هنا هو كشف تلك الحقيقة الخفية عن سلوكيات مجتمعاتنا حين تُسلم أعنتها لحاكم غاشم، أو حين تتدثر بالصمت تحت ذريعة «الحفاظ على السلام».

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
بعد نجاح «كان على عيني».. ليجيسي وحميد الشاعري يستعدان لطرح نسخة مطولة من الأغنية (فيديو)
بعد نجاح «كان على عيني».. ليجيسي وحميد الشاعري يستعدان لطرح نسخة ...
الفنان جمال الشريف ينجز جدارية «رواد الفكر التربوي» لمدرسة النابغة الصغير الدولية
الفنان جمال الشريف ينجز جدارية «رواد الفكر التربوي» لمدرسة ...
شون بن يعتزم إخراج فيلم عن اقتحام الكابيتول
شون بن يعتزم إخراج فيلم عن اقتحام الكابيتول
البرتغالية ليديا خورخي تتوج بجائزة الدولة النمساوية للأدب الأوروبي للعام 2026
البرتغالية ليديا خورخي تتوج بجائزة الدولة النمساوية للأدب ...
إطلاق اسم جودي دنش على مسرح «شافتسبري» في وست إند بلندن
إطلاق اسم جودي دنش على مسرح «شافتسبري» في وست إند بلندن
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم