في صيف العام 2009 كنت أقف بصحبة رئيس تحرير جريدة سودانية في شرفة إحدى بنايات حي الرياض الراقي بالعاصمة السودانية الخرطوم، ولفت نظري مشهد لأم تنام وسط أكوام من القمامة، وحولها نحو أربعة أطفال في أعمار وأحجام متقاربة، كانوا شبه عرايا، وجذبني مشهد الأم وهي تفتش فيما حولها من قمامة وتخرج بقايا طعام توزعه على أطفالها وهم يتراقصون فرحا بسلوكها الحاني.
كان مشهدا قاسيا على النفس، وسألت مرافقي: هل هذه أم سودانية؟ فرد باستخفاف: إنها جنوبية، ثم أردف قائلا: لا تشغل بالك، سوف ترى مثل هذه المشاهد المتكررة بجوار المطاعم والقصور، حيث تعيش عديد العائلات الجنوبية الهاربة من جحيم الحرب الأهلية المشتعلة في مدن الجنوب بحثا عن ملاذ آمن، وتعيش هنا في العاصمة على بقايا طعام الأثرياء، وما يجود به أهل الخير وأصحاب المطاعم.
في العام التالي جرى الاستفتاء على انفصال الجنوب، ولم تكن مفاجأة لي أن صوت غالبية الجنوبيين ذهب لمصلحة الاستقلال عن الشمال، ثم بدأت جنوب السودان تخطو خطواتها الأولى كدولة ناشئة بعيدا عن الجسم السوداني، وتنفس الكثير من الشعب الجنوبي الصعداء وهم يتخلصون من إرث ثقيل ومرير من الاضطهاد والعنصرية، متطلعين إلى حياة كريمة خالية من الظلم والتمييز.
- «اليونسكو» قلقة إزاء الأضرار والنهب بمتاحف السودان
- حمور زيادة: السودان ثقب أسود.. وأخشى الفناء تمامًا
تذكرت مشهد الأم الجنوبية وأطفالها البائسين وأنا أطالع رواية «حكاية إعدام جوزيف»، للكاتب والباحث الجنوب سوداني ضيو مطوك ديينق وول، الصادرة حديثا عن دار النخبة بالقاهرة، وعدت بذاكرتي لأكثر من عشرة أعوام للوراء، عندما كُلِّفت بتأسيس موقع إلكتروني لقناة الشروق السودانية، التي كانت معروفة بين السودانيين بشعارها البراق «شمس السودان التي لا تغيب». وبعد أن انتهيت من مهمتي الصحفية في «الشروق»، وانطلق الموقع على الشبكة العنكبوتية، قمت بزيارة كل من ولاية البحر الأحمر ومدينة جوبا، حاضرة جنوب السودان.
وقد تأثرت كثيرا بوصف المؤلف أسواق قرى ولاية بحر الغزال، وحاضرتها مدينة «واو»، وأعادتني أحداث الرواية لذكرياتي في تلك المدينة العريقة التي تضم خليطا من الأعراق والإثنيات، من مسلمين ومسيحيين وغيرهما من أصحاب الأديان الأفريقية القديمة، الذين يعيشون معا في سلام ووئام، فلا غرابة أن يكون صاحب فكرة بناء أقدم مساجد مدينة «واو» هو الملك فاروق، وهو المسجد الذي لا يزال عامرا بالمصلين حتى الآن، ولا يفصله عن محطة الري المصرية بالمدينة سوى أمتار قليلة.
الاستقلال بمثابة العلاج للجرح
وبما أن الراوي والمؤلف رجل سياسة من طراز فريد، وصاحب باع طويل في النشاط السياسي بحكم مناصبه التي تبوأها قبل انفصال الجنوب، فإنه أعطى لموضوع الرواية عمقا وزخما غير عادي، خاصة أن موضوع العنصرية والاضطهاد الإثني بين الشمال والجنوب ترك في نفوس الجنوبيين جرحا عميقا. صحيح أن الانفصال أو الاستقلال عن الشمال كان بمثابة العلاج لهذا الجرح العميق، لكن تأثير ذلك الظلم الإنساني الذي عاناه الجنوبيون لعقود طويلة ترك في أنفسهم نتوءات سوف تظل مصاحبة لهم حتى في ظل الاستقلال التام عن الشمال.
فالرواية التي بين أيدينا تسلط الضوء على قضية بالغة الحساسية، تتعلق بتراجيديا الظلم غير المبرر الذي عاناه غالبية الجنوبيين لعقود طويلة، خاصة من الناحية الإنسانية، وأتصور أن هذا الملف سيبقى مفتوحا على مصراعيه أمام المجتمعين إلى أن ينجح الأدب والفن في سبر أغواره، وعلاج التشوهات الاجتماعية التي ترتبت عليه منذ عقود سحيقة.
لقد حرص المؤلف على كبت مشاعر الثورة والغضب التي تكمن داخله وهو يروي تفاصيل «حكاية جوزيف». وعلى الرغم مما تحمله الرواية من مرارة الاضطهاد الديني والفصل العنصري، فإن المؤلف اختار أن يسرد تفاصيل الظلم الذي وقع على بطلها بروح التسامح والسلام والمحبة، مستندا في ذلك إلى ما يتمتع به من رصيد هائل للمحبة والصداقة التي تربطه بعديد الشخصيات السودانية في الشمال، وما يحمله لهم من مواقف شجاعة حموا فيها أشقاءهم المسيحيين المضطهدين، ووقفوا بجانبهم في المحن، مما عرَّض بعضهم لكثير من المشكلات والمتاعب والملاحقات أيضا.
الظواهر السلبية تهوي بالمجتمعات في هوة سحيقة
كان المؤلف واضحا في رسالته غير المباشرة التي سعى إلى تمريرها عبر عمله الأدبي المتميز، ومضمون هذه الرسالة أن الظلم والاضطهاد لا علاقة لهما بجوهر الأديان، وإنما بممارسات أفراد وجماعات متطرفة تسيء فهم جوهر الأديان، التي عادة ما تحرض على المحبة والسلام والعدل بين البشر جميعا بصرف النظر عن لونهم أو انتمائهم الديني.
كما أكد الدكتور ديينق وول أن الظواهر السلبية تهوي بالمجتمعات في هوة سحيقة من التدني الأخلاقي والسياسي والمجتمعي كنتيجة طبيعية للممارسات والجرائم التي ارتكبتها بعض التيارات المنحرفة التي تحتمي خلف شعارات دينية، ملمحا إلى أن حصاد تلك التجربة المريرة التي عاشها السودان نجم عنها انفصال جنوب السودان عن شماله، ثم أوردت المجتمع السوداني مورد السقوط في أتون حرب أهلية لا تُبقي ولا تذر.
حمدي الحسيني
تعليقات