عبر التفاعل المباشر مع الواقع وإعادة إنتاجه، يستنطق الفنان التشكيلي الليبي معتوق بوراوي الأماكن والشخوص وملامح البيئة الأندلسية كرؤية فنية تحلل وتبحث في ثلاثية التاريخ واللحظة والمستقبل. أحلامه الغرناطية في معرضه الثاني تمنحنا شغف الإطلالة على خارطة التمازج بين ما هو أوروبي ومتوسطي وأفريقي أيضاً، ترويكة تأخذ من معجم السفر والقراءة والممارسة، لذا كان هذا الحوار للاقتراب أكثر من قاموس بوراوي التشكيلي ورصد ملامح من أفكاره وفلسفته الخاصة.
• ما الدافع وراء تنظيم هذا المعرض؟
بوراوي: المعرض يأتي على غرار المعرض الذي أقمته في الأرجنتين 2015 بذات العنوان (أحلامي في غرناطة) وشاءت الصدفة أن أقدم الجزء الثاني (أحلامي في غرناطة 2) في ليبيا بدعوة من السفارة الإسبانية وجهاز إدارة المدينة القديمة.
• نلحظ أثراً واضحاً للبيئة الإسبانية؛ حدثنا عن ذلك؟
من خلال الدراسة كان احتكاكي بفنانين كبار من إسبانيا بحكم إقامتي في مدينة غرناطة وحصولي على درجة الدكتوراه من جامعتها، إضافة الى إقامتي أكثر من معرض وإصداري سبعة كتب كباحث في التشكيل وما يتعلق بالتصوير الزيتي، الكتب جزء منها باللغة الإسبانية وأخرى بالعربية، شارك فيها مؤرخون عرب وإسبان، من ضمنها الكتاب الذي أصدرته في الأرجنتين «أحلامي في غرناطة».
وفيما يتعلق بالتأثير فهو منطقي بطبيعة المكان الذي أعيش فيه، فأنت تتأثر بالعادات واللغة والتقاليد كذلك اللغة البصرية لذلك تشاهد في أعمالي مرموز الثور وأطياف بيكاسو.
• لغرناطة ارتدادات تاريخية.. كيف تنظر إلى هذا من زاوية فنية؟
منحني تواجدي بإسبانيا لمدة 24 سنة فرصة البحث عن الأماكن المريحة داخل اللاوعي والقريبة من المناخ الذي أعيش فيه كفنان، فقد وجدت في غرناطة ملجأً كبيراً لي كفنان لكون الأندلس هي بؤرة للفنون حتى على المستوى الأوروبي، فبيكاسو مثلا خرج من الأندلس وفنانون تشكيليون من إسبانيا شكلوا جزءاً كبيراً من التاريخ التشكيلي المعاصر. وهذا لا يتناقض مع الإرث العربي والإسلامي لغرناطة وحضارته الحاضرة في العديد من المعالم، كما أن الفنانين الإسبان والعرب تتجاوز رؤيتهم المنحى الأيديولوجي وتنتصر لصالح تلاقح الأفكار والمفاهيم والوقوف حول ما هو جديد.
البوراوي: الاهتمام الشعبي بمعرض «من تاسيلي إلى المكسيك» فاجأني
• كيف يمكن الإشارة الى مناطق الاختلاف والتوافق والإضافة في تجربتك؟
في لوحاتي الحالية قلّ اللون الحراري والألوان الفاقعة، ففي رسوماتي للعام 2023 اعتمدت على عدم ظهور الأشكال واتجهت إلى رسم الصحراء والفراغ وفضاءات البحر والسماء والسحب يمكن القول أنني دخلت في مرحلة اللاشيء في اللوحة، وهي رؤية فلسفية تخصني تعني أن الأشياء جرى استحداثها، فالطبيعة هي الأصل في الأشياء ومنها تشكلت. يمكن القول وكأنني بهذا الاستحداث قد بدأت من جديد من نقطة الصفر يشبه تماماً وضع ما قبل وما بعد الطوفان.
يواصل بوراوي «لا بُد للفنان من امتلاك شيء من الفلسفة والمعرفة، فالفنان المعرفي يختلف عن الفنان الموهوب، الأول دائماً ما يحمل أشياء جديدة في جعبته، وأنا أضع نفسي في هذه الخانة، التفكير في اللوحة وما وراءها».
• أنت تنتصر للفكرة على حساب الجمالية؟
لا، القصد وجود توازن بين البعدين الفكرة والمادة بحيث لا يحدث تباين في قوة الأول على حساب الثانية والعكس.
• ماذا عن الفنانين الإسبان الذين أثروا في تجربتك؟
تأثرت بميغيل بارثيليوا فنان إسباني معاصر والألماني انسيلم كيفر، إضافة إلى اشتغالي مع فنانين من أميركا وفنزويلا والأرجنتين وكوبا والمكسيك وهولندا.
هذا يشكل لك القدرة على فهم التباين في التجربة بين الشرق والغرب؟
من المفارقة أن تواجدي بإسبانيا يمثل الشمال بالنسبة لأفريقيا والجنوب بالنسبة لبعض دول شمال أوروبا، أي أنني نقطة التقاء بين الاتجاهين أو بوابة عبور للضفتين، أذكر أنني أقمت معرضاً بمدريد أسماه الكاتب الإسباني مانويل مونتالبوا (الجنوب والحلم ) فسألته أي جنوب؛ جنوب غرناطة أم المقصود الجنوب الليبي؟ فعندما تدرس الفن التشكيلي الغربي ستلحظ التراكم البصري ممتدا الى عصر النهضة، قمنا كعرب أو ليبيين بنقل هذا الفن إلا أن بصمته تظل أوروبية رغم كل شيء، أيضاً يمكنني التأكيد على أن الحالة الليبية استثنائية في المنطقة العربية باعتبار وجود فنانين استطاعوا بمجهود فردي ومن غير دعم أن يحققوا بصمة ملموسة في التشكيل، مع العلم أننا لا نزال بعيدين عن تكوين حركة تشكيلية، النمط لا يزال فردياً، فنحن لا نملك روافد ساندة للثقافة البصرية فلا وجود لمتحف للفن التشكيلي، ولا وزارة ثقافة تقتني لوحات، والجاليرهات محدودة لا يتجاوز عددها اثنين أو ثلاثة، في مقابل خمسة آلاف جاليري في مدريد وعشرة آلاف فنان يرسمون في الشارع.
في النهاية أرى أن الفنان الليبي له اطلاع على التجارب الأخرى، وله جرأة خوض التجارب الحديثة، فساحتنا الفنية تمتلك فنانين تجريديين وواقعيين على مستوى، فقط لا يزال صدى الثقافة البصرية محدوداً مجتمعياً.
ورداً على سؤال أي من لوحات المعرض يمكنك الحديث عنها، يتجه بوراوي إلى لوحتين رسمهما في غرناطة وتحديداً بمنطقة الساحة الجديدة تقع بين الجبل والمدينة، وبحكم تنقل الحيوانات من الجبل الى المنطقة مثل الحمير والكلاب والقطط في والثيران، هذا يشكل هاجساً ليتحول في النهاية إلى عمل تشكيلي.
تعليقات