يشغل فن الخدع البصرية عالما قائما بذاته، تتقاسمه السينما والمسرح والتلفزيون، كما يتقاطع مع التشكيل في إضاءات الفوتوغراف محملا بدلالاته النفسية والثقافية، وفي ليبيا لا يبدو لهذا الفن حقله الخاص أو لم تتطور صناعته بما يلزم لتكوين مدارس، فلا زال وجوده رهين التجربة الفردية تقيدها محدودية الأدوات والمصادر وهو ما يقودنا للاقتراب من أسئلتها وتبين ملامحها المتناثرة عبر أحد نماذجها الوليدة تمثله الفنانة أمل الشقروني في حوار جرى على النحو التالي:
اتجاهك لهذا الفن جاء من باب الموهبة أم بحكم التخصص؟
الأمر متعلق بالموهبة، فمجال دراستي لا علاقة له بالخدع البصرية، كوني خريجة قسم الترجمة بكلية اللغات، ولم تكن معرفتي عميقة بالمكياج بداية إلا أنني استطعت عمل الجروح والبثور والكدمات وغيرها، وارتأيت لاحقا وجوب تطويرها بالدراسة والبحث من خلال الكتب و«يوتيوب»، ووفقت إلى حد ما في رسم خط أولي على هذا الطريق، إذ أنجزت مؤخرا خمس لوحات تتناول موضوع جائحة كورونا بالتركيز على لبس الكمامة، كما شاركت مؤخرا بمعرض «إصرار» ببيت إسكندر بلوحتين تحملان عنوان «بس مات الوطن» و«الأمل» تعني الأولى بالنقد المؤسساتي في التعامل مع الفيروس فيما تبين الأخيرة جهد الكادر الصحي من أطباء وممرضات في مجابهة إعصار الوباء.
لكن يبقى الأمر متعلقا بمواقف قادتك إلى هذا العالم؟
عبر مشاهدتي أفلام الرعب خصوصا «الزامبي» أذكر أن أحدها كان فيلم بعنوان «the walking dead» جذبتني تلك الوجوه المشوهة، وتقافزت الأسئلة في ذهني حول كيف يتم ذلك، أنقذتني محركات البحث في تتبع تفاصيل صنع الأقنعة وخطوات اللصق والتركيب، تزاحمت في رأسي أفكار كثيرة وقررت محاكاة تلك المشاهد باستخدام مواد مطبخية بسيطة للغاية «دقيق، صلصة، كاتشب.. إلخ»، حتى إنني لجأت لتوظيف الحشرات كالدود بغية الحصول على إحساس واقعي للمشهد، وذات اللمسات وضعتها في مناسبات الهالوين وغيرها.
كيف تتحصلين على المواد الخام؟
لك أن تتصور وجودي في بيئة لا تتوافر بها المواد الخام الخاصة بفن الخدع البصرية قد اضطر أحيانا للذهاب إلى محل مواد بناء لشراء مثلا «جير، سيليكون إلخ»، إضافة إلى أنه لا توجد معاهد متخصصة أو دورات تدريبية في فن الخدع، وهو أحد الأسباب الذي جعلني ألجأ كثيرا للمكياج العادي لصنع الأشكال والقوالب المتخيلة، هناك الكثير من الشباب حاولوا الدخول لهذا الفضاء كل بأدواته الخاصة، البعض استطاع الاستمرار وآخرون فشلوا بحكم الظروف التي ذكرت.
أين دور الجانب المعرفي هنا، هل يتوقف الأمر على الممارسة فقط؟
فن الخدع البصرية له فروعه وتخصصاته المختلفة، لذا تظل مسألة البحث والقراءة في كل تلك الأبواب لازمة وهو ما أقوم به لتنمية مداركي المعرفية والرفع من مستوى مهاراتي قدر الإمكان، كذلك الأمر ليس بالسهولة المتصورة لارتباطه أيضا باستقراء تلك الفروع ومزجها بما يخدم فكرة ما تلوح في الأفق ودفعها في اتجاه التطبيق، وكذا الاستزادة مما توفره تكنولوجيا الإنترنت، إذ أمكنني التواصل مع مدرسة «cinema makup school» واستفدت مما تقدمه في مجال المكياج السينمائي.
هل تستطيعين ذكر أسماء ساندتك؟
الفنان حسام الهوني وهو أول شخص قام بتصويري في قصة حملت عنوان «نانا» استلهاما من طقس مكسيكي يسمى «death of day» أو «يوم الموتى» يكرم فيه الراحلون، قمت باقتباس التجربة عبر ارتداء الفراشية كاستحضار رمزي لشخصية جدتي في رسالة مضمونها أن روحها ما زالت باقية معنا.
أيضا المخرج مؤيد زابطية شجعني على خوض هذه التجربة، وسأكون ضمن فريق العمل في مسلسله «تخاريف»، شهر رمضان القادم ، كما لا أنسي عائلتي التي كانت الرافد الأساس في دخولي لهذا الفضاء.
ما الزمن اللازم لإتمام رسم لوحة على الوجه؟
في البداية كنت أستغرق حوالي ثلاث ساعات تقريبا، مع الممارسة تقلص من ساعة إلى ساعة ونصف، المسألة متعلقة كذلك بنوع ولون البشرة اللذين يلعبان دورا مهما في استقبال الألوان بدرجاتها، وكذا الأفكار والأشكال المرسومة التي تتوقف على مضمون الرسمة، والتي أجهد في تحميلها رسالة إنسانية أو مناسبة اجتماعية.
هل تكتفى الحياة العملية بفرع واحد أم تقتضي إلماما أوسع؟
لابد من الإلمام بكافة فروع فن الخدع البصرية، فالضرورة تفرض نفسها، باعتبار متطلبات العمل التلفزي أو السنيمائي متنوعة بين «الزومبي أو النحت أو التجميل العادي إلخ»، في المقابل يصبح التخصص في لون واحد غير مجد أو لا يرضي الطموح المهني للفنان الذي يسعى للتميز في مجاله.
تعليقات