حذّر تقرير أممي جديد أصدرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، بالتعاون مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية «إيفاد»، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الإسكوا»، من أن مستويات الجوع وانعدام الأمن الغذائي في الدول العربية قد بلغت أعلى معدلاتها منذ أكثر من عقدين.
وكشف التقرير، المؤرخ في نوفمبر 2025، والذي صدر بعنوان «نظرة إقليمية عامة حول الأمن الغذائي والتغذية - الشرق الأدنى وشمال أفريقيا 2025» عن ضغوط هائلة تواجهها المنطقة، حيث تدفع الأزمات المتداخلة، من نزاعات مدمرة وضغوط اقتصادية وصدمات مناخية، ملايين الأشخاص نحو الجوع وسوء التغذية والفقر.
77.5 مليون شخص في الدول العربية يعانون من الجوع
ووفقًا للتقرير، عانى نحو 77.5 مليون شخص في الدول العربية، أي ما يعادل 15.8 في المائة من عدد السكان، من الجوع في عام 2024، في تدهور ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة، على الرغم من التحسن الطفيف المسجل على المستوى العالمي. وتبدو الصورة أكثر قتامة عند النظر إلى ما هو أبعد من الجوع؛ إذ واجه نحو 198 مليون شخص، أي أربعة من كل عشرة أشخاص، انعدامًا متوسطًا أو حادًا في الأمن الغذائي خلال عام 2024.
ومن بين هؤلاء، عانى أكثر من 77 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ما يعني أنهم استنفدوا مصادر الغذاء، أو واجهوا الجوع بصورة منتظمة، أو اضطروا لقضاء أيام من دون أي طعام. وقد ارتفع هذا الرقم بأكثر من 60% منذ عام 2015، في مؤشر واضح على حجم وسرعة التدهور في المنطقة.
واقع مرير تعيشه ملايين الأسر في غزة واليمن والسودان
وخلال حفل إطلاق التقرير، قال المدير العام المساعد لمنظمة الأغذية والزراعة وممثلها الإقليمي للشرق الأدنى وشمال أفريقيا عبدالحكيم الواعر: «هذه ليست مجرد أرقام؛ بل واقع مرير تعيشه ملايين الأسر التي لا يزال حقها في الغذاء والكرامة والفرص حلمًا بعيد المنال. دعونا نستغل هذه اللحظة، وهذا الدليل، لتأكيد التزامنا المشترك بخطة 2030، والعمل معًا بعزيمة وإرادة متجددين لتحقيق هدف القضاء على الجوع في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا».
- «الأغذية العالمي» يحذر من تفاقم أزمة الجوع مع تراجع التمويل: «مجاعات متزامنة في غزة والسودان»
- النزوح من الفاشر: شهادات مروعة عن القتل والاغتصاب والجوع في طريق الهروب إلى تشاد
يسلط التقرير الضوء على النزاع باعتباره أحد أهم المسببات للجوع وأشدها فتكًا في المنطقة. وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح في غزة، حيث أُعلن رسميًا عن حدوث المجاعة في أغسطس 2025، في واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية التي شهدتها المنطقة في تاريخها الحديث. فقد أدت سنوات الحصار التي أعقبها تصعيد مكثف للأعمال العدائية إلى انهيار النظم الغذائية، وتدمير البنية التحتية، وتقييد وصول المساعدات الإنسانية، مما ترك الأسر عاجزة عن تأمين أبسط احتياجاتها الغذائية.
وفي السودان، أدى العنف المستمر إلى نزوح ملايين السكان، وتعطيل الدورات الزراعية، وقطع الطرق التجارية، ورفع الأسعار إلى مستويات تفوق قدرة الأسر العادية. وفي اليمن، يستمر النزاع الذي بدأ منذ أكثر من عقد في تقويض إنتاج الغذاء والأسواق وسبل العيش، ما يدفع الأسر إلى الاعتماد المتزايد على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
وأشار التقرير إلى أن النزاع ليس العامل الوحيد وراء تفاقم الأزمة؛ فالتباطؤ الاقتصادي، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع قيمة العملات، وتزايد أعباء الديون وأوجه عدم المساواة جميعها تسهم بشكل كبير في ذلك. وتجد العديد من دول المنطقة صعوبة متزايدة في الحفاظ على الدعم، أو تمويل برامج الحماية الاجتماعية، أو تعزيز الإنتاج الغذائي المحلي. وتتزامن هذه الضغوط الاقتصادية مع تسارع وتيرة تغير المناخ، حيث تتعرض المنطقة، التي تُعدّ أساسًا من أكثر مناطق العالم شحًا في المياه، لموجات جفاف متكررة، وارتفاع شديد في درجات الحرارة، وقلة هطول الأمطار، وتدهور الأراضي، وكلها عوامل أدت إلى انخفاض واضح في الإنتاجية الزراعية. وقد خلقت هذه العوامل مجتمعةً ما يشبه «عاصفةً مثالية» من مواطن الضعف، جعلت النظم الغذائية أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
إجراءات عاجلة ومنسقة لعكس الاتجاهات الحالية
وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة وشركاؤها في منظومة الأمم المتحدة، خلال التقرير الصادر، الحاجة الملحة لاتخاذ إجراءات عاجلة ومنسقة لعكس الاتجاهات الحالية. ويدعو التقرير الحكومات والمنظمات الإقليمية والشركاء الدوليين إلى العمل معًا لدعم المؤسسات الوطنية، وإدماج المساعدات الطارئة بالخطط الإنمائية طويلة الأجل، وزيادة الاستثمارات في الزراعة القادرة على الصمود أمام تغير المناخ وترشيد استخدام المياه. ويسلط التقرير الضوء على الحاجة إلى توسيع نطاق أنظمة الحماية الاجتماعية لحماية الأسر الضعيفة من الصدمات، وضمان الوصول إلى أنماط غذائية مغذية، والحد من أوجه عدم المساواة المتزايدة داخل البلدان وفيما بينها. ويبرز التقرير أيضًا أهمية تحسين أنظمة البيانات، وتوطيد التعاون الإقليمي، وتسهيل التجارة، وتشجيع الابتكار ، حيث تُعد ركائز أساسية لبناء نظم زراعية وغذائية أكثر كفاءة وقدرة على الصمود.
يُعد تقرير «نظرة إقليمية عامة حول الأمن الغذائي والتغذية - الشرق الأدنى وشمال أفريقيا 2025» جرس إنذار ومعيارًا ودليل عمل في آن واحد. فهو يقدم توصيات قائمة على الأدلة ويدعو جميع أصحاب المصلحة إلى تسريع الخطى نحو تحقيق الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة: القضاء على الجوع. ومع تزايد النزاعات، وتصاعد الضغوط المناخية، وتعمق نقاط الهشاشة الاقتصادية، يؤكد التقرير أن نافذة العمل تضيق شيئًا فشيئًا، وأن تحقيق التقدم يتطلب جهودًا جماعية ومستدامة ومنسقة لضمان حصول جميع سكان المنطقة على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ وبأسعار معقولة، اليوم وفي المستقبل.
تعليقات