Atwasat

دور المرأة الليبية في بناء السلام خلال المرحلة الانتقالية (في إطار قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 1325 (2000) بشأن المرأة والسلام والأمن)

جازية شعيتير الأحد 24 يناير 2021, 11:30 صباحا
جازية شعيتير

غالباً ما تؤدي النزاعات المسلحة إلى تدهور الخدمات الصحية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية وتعليق البرامج الإنمائية، وتهجير ونزوح أعداد كبيرة من المدنيين. ولأسباب عدة، تعاني المرأة أكثر من الرجل من آثار تلك النزاعات.

وحين تضع الحرب أوزارها تستبان استحقاقات المرحلة التي تليها وهي مرحلة بناء السلام وإعادة الإعمار، مرحلة سباق مع الزمن ومنافسة مع الذات؛ لإعادة بناء ما تهدم، ولإعمار ما خرب، وإصلاح ما قد تعطب، وبالتالي فهي تحتاج الى موارد بشرية ذات طاقة إيجابية هائلة.

هي مرحلة السلام الشامل؛ السلام الفردي "النفسي"، والسلام المجتمعي "الاجتماعي"، والسلام المؤسسي "الوطني"، السلام الآني ذي الأثر المستدام، والسلام المستدام ذي الآليات القريبة والمتوسطة والطويلة الآجال. وبناء السلام هو المراد في هذه المرحلة وليس مجرد صناعته أو حفظه، وذلك لضمان تحسين الأمن الإنساني، فهو يتضمن معالجة الأسباب الجذرية للعنف، ويضمن تحرر المدنيين من الخوف (سلم سلبي)، والتحرر من الفاقة (سلم إيجابي)، والتحرر من الإذلال قبل الصراع العنيف وخلاله وبعده، ويعنى ببناء الدولة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

ومن للوطن؟ ومن للسلام والإعمار؟ سوى المرأة التي ما زالت على قيد الأمل وتوجه الأنظار للمستقبل الأخضر الزاهر. هي الأم والأخت والزوجة والبنت للرجل صاحب القرار المباشر في الحرب والسلم. سيدة المنزل من تهز المهد بيديها، والمهنية أو الأكاديمية في القطاع العام أو القطاع الخاص سواء كان في المجال الصحي أو التعليمي أو الأمني أو العدلي، أو في المؤسسات المدنية.

بإمكان النساء الليبيات أن يستفدن من تغيير العلاقات بين الجنسيين الناجم عن النزاع المسلح؛ فالحرب جعلتهن يحصلن على مهارات جديدة، واكتسبن مراكز جديدة، وتوافرت لديهن القوة الناجمة عن تولي مسؤوليات جديدة عند غياب الرجل عن الأسرة أو عن مكان العمل، هذه الأدوار الجديدة ممكن أن تتحدى المعايير الاجتماعية القائمة.

ولقد ساهمت المرأة الليبية في الزمن اللا سلمي في حماية للمدنيين العزل من النساء والأطفال وغيرهم من العنف المسلح، وقدمت الخدمات الطبية، والإغاثية، والحمائية. أما في الزمن الانتقالي فقد ساهمت في مفاوضات السلام والاتفاقات والحوارات السياسية، وفي الإصلاح المؤسسي عقب انتهاء النزاعات المسلحة.

بيد أن دورها الإيجابي في عمليات تسوية النزاع يكاد تنعدم مستلزماته في ليبيا. فالمصالحة وتسوية النزاعات، سواء اجتماعية أو سياسية، تتأثر بما ترسخ في العقل الجمعي عند الليبيين من ثقافة موروثة. فالموروث الثقافي في هذا المجال يهيمن عليه المفهوم الذكوري والبعد القبلي؛ ومعلوم أن الطابع القبلي الغالب على الممارسات المجتمعية في سبيل المصالحات يغيب فيها الدور النسائي وإن كانت الضحية أو الجانية.

فالمصالحات التي تتخذ شكل التقاء مشايخ القبائل وأعيانها يغيب عنها حتى الشباب من الذكور، فلا يتصور بحال من الأحوال أن يكون للمرأة دور رسمي أو مباشر فيها، وإن كان لها الدور غير المباشر؛ فالمرأة التي تهز المهد بيديها هي الراسمة لأفكار أولئك المجتمعين وهي من زرعت في عقولهم ووجدانهم قيم التسامح والسلام. وعلى الرغم من التحديات التي تواجه المرأة في لجان المصالحة فقد سجلت لها بعض المبادرات، كما ورد في وثيقة المرأة الليبية لبناء السلام وتعزيز دورها في السلم الاجتماعي 2015.
ومن واقع الحال السياسي فإن شبكة المعارف والاتصالات مهمة للتمكن من متابعة أحدث المعلومات. فالكثير من حوارات السلام تختتم قبل جلوس الأطراف على طاولة التفاوض. غالباً ما تتخذ القرارات وراء الكواليس وتؤيد وتتخذ شكلا رسميا في غرف الاجتماعات. فهم قواعد اللعبة مهم جدا للنساء، وهي للأسف ترتكز على ميول ذكورية، وعليهن أن يقمن تحالفات مع الرجال المؤيدين لتمكين المرأة. ستتغير تلك القواعد مع مرور الوقت عندما تزيد النساء المنغمسات في السياسة ويتمكَّنَّ من التأثير على العمليات السياسية مما ينتج عنه قرارات تدعم تمكين النساء.

وفي الزمن السلمي ساهمت المرأة في بناء السلام من خلال الإعمار البشري والاقتصادي والعمراني والسياسي والثقافي، وذلك من خلال المشاركة الأكاديمية سواء بالأبحاث أو التعليم الأساسي والجامعي والمهنية الكثيرة في الإدارات والمؤسسات والوزارات وفي المجال الصحي والمعماري والاقتصادي. وكان للنساء مشاركة إيجابية في الحياة السياسية سواء في المجالس النيابية أو المجالس البلدية أو في السلطة التنفيذية كما أن وجودها بارز في الهيئات القضائية.
ولا بد لنا أن نستحضر الانخراط النسوي في منظمات المجتمع المدني، وتقلدهن رئاسة مفوضية المجتمع المدني، ولن نغفل المشاركة الثقافية والإعلامية والفنية سواء من خلال الشاعرات أو الفنانات أو الأديبات، كما أن هناك كثير من المنظمات النسوية المهتمة بالسلام.

ولا يسعنا إلا الإشادة بالمكسب التشريعي والقضائي والتنفيذي الذي حققته المرأة الليبية في سبيل تحقيق سلمها وأمنها الجندري من خلال تقديم مشروع قانون العنف ضد المرأة لمجلس النواب الليبي، واستحداث المجلس الأعلى للقضاء دوائر جنائية متعلقة بدعاوى العنف الأسري، وإنشاء مكاتب خاصة بشكاوى النساء في وزارة الداخلية.

وفي النهاية بإمكاننا التأكيد على وجوب الاستعداد والتهيئة بعديد السياسات والاستراتيجيات التي تؤهل المرأة الليبية للنجاح في المرحلة المقبلة وتسهل عليها المساهمة الفعالة في عملية بناء السلام والإعمار في ليبيا. ولعل أهمها:
1. تبني خطة عمل وطنية شاملة لتفعيل قرار 1325 في ليبيا من خلال تضافر جهود مؤسسات المرأة الرسمية وغير الرسمية، ودعم مؤسسات الدولة كافة.
2. تأمين الاحتياجات الخاصة للنساء والفتيات في زمن النزاع، ومراعاة هذه الاحتياجات في عمليات الإغاثة الإنسانية مع الأخذ في الاعتبار الاحتياجات الخاصة للنساء في المناطق المنكوبة، والتركيز على أسر الشهداء والجرحى والمفقودين.
3. الضغط على مجلس النواب من أجل سن قوانين فعالة لحماية النساء والسلم والأمن.
4. الضغط على الدولة لإشراك النساء في مفاوضات السلام وفض النزاع والمصالحة الوطنية وجهود إعادة البناء بعد النزاع.
5. توعية قوات الشرطة والسلطة القضائية بخصوصية المرأة في الصراع واتخاذ تدابير لضمان حمايتها والالتزام بحقوق الإنسان للنساء والفتيات.
6. دعم دور المرأة في مجالات الدفاع والأمن والعدل ومراقبي حقوق الإنسان، من خلال التوسع في توظيفها من أجل مشاركة فعالة في حفظ السلم والاستقرار.
7. العمل المؤسسي، الرسمي وغير الرسمي، على تنظيم حملات للتوعية بالقرار 1325. والتأكيد على توحيد جهود النساء الناشطات والمنظمات النسائية الضالعة في بناء السلم والأمن.
8. تركيز الإعلام على إبراز دور المرأة في عملية إرساء السلام، وتغير العقل الجمعي الليبي بشأن مكانة المرأة وقدرتها على تأدية أدوار جديدة غير نمطية في مرحلة السلام والتنمية والإعمار،.
9. تكوين وتدريب كوادر نسوية للدعم النفسي والاجتماعي وتمكينهن من العمل في مجال المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية وتنظيم دورات لرفع كفاءتهن الخاصة بالرصد والتوثيق لانتهاكات حقوق الإنسان.
10. مراجعة المقررات الدراسية والأكاديمية لتضمين مبادئ قرار 1325 / 2000 بشأن المرأة والسلام والأمن في كل المؤسسات التعليمية، مع تشجيع الدراسات الأكاديمية والبحث العلمي عن أهمية القرار للسلم العالمي.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات