العتق سوق طرابلس الشعبي

كل قديم وحديث، مستعمل وجديد، معروف ومجهول وربما مسروق أيضًا، تجده سلعة متاحة في سوق «الجمعة» بالعاصمة طرابلس: كلاب، وحمام، وببغاوات، وأرانب، ودجاج، وعصافير من مختلف الأنواع والأجناس؛ وكل شيء يمكنك العثور عليه في السوق المعروفة بـ«العتق».

فقط البائع الوحيد الذي لا تجد له نظيرًا في تلك السوق هو بائع الكتب فرغم بساطة معروضاته، إذ إن جميعها من العناوين القديمة، إلا أنه يمكن العثور لديه على عنوان كتاب جيد ونادر، وهو ما يدفع بعض المهتمين إلى التردد على هذا البائع الذي يعرض «مكتبته» سائر أيام الأسبوع في سوق «العتق» الأصلي.غرائب وتناقضات
غرائب ومتناقضات تحويها تلك السوق، التي تعتبر معلمًا من معالم العاصمة طرابلس، وتعد من أقدم الأسواق المجمعة في العالم العربي، فمن ميدان الشهداء في قلب العاصمة الليبية طرابلس، مرورًا بحدائق وجسر منطقة سوق الثلاثاء، وصولاً إلى أنقاض معسكر باب العزيزية (المقر معمر للقذافي) والذي تحول بعد تدميره إبان الثورة إلى مكب للنفايات ومرتع للكلاب الضالة، وبمحاذاة مجرى وادي المجينين الذي يصب في البحر المتوسط، وعلى امتداد حوالي 3 كلم، يقام كل يوم جمعة سوق «العتق» حيث تُعرض عشرات الأصناف من الطيور، والحيوانات الأليفة، والملابس الجاهزة، والأحذية، والمعدات الكهربائية والمنزلية، والخردوات، ومعدات الورش والمعدات الزراعية، ومعدات البناء، فضلا عن المواد الغذائية والخضر والفواكه والأثاث الجديد والمستعمل، ونبات الزينة، وعشرات الأصناف من المستلزمات الجديدة والمستعملة.

محاذير على شراء أسطوانات الغاز والمعدات الكهربائية رغم أسعارها الزهيدة

مئات الباعة والآلاف من رواد هذه السوق من كل الأعمار، منهم الكثير من الآباء الذين يصطحبون أطفالهم، يقصدون كل أسبوع هذه السوق الشعبية الضخمة، التي أضحت من معالم طرابلس، وقد تكون السوق الوحيدة التي تغيب عنها المرأة.

الحديقة المحاذية لجسر السوق تتحول كل أسبوع إلى معرض كبير للكلاب الأليفة، خاصة «الراعي الألماني» المعروف باسم «وولف» و«البيت بول»، و«الروت فايلر»، و«الدوبرمان».

وتضررت هذه الحديقة وفقدت غطاءها النباتي الأخضر بفعل المارة، والكلاب المعروضة للبيع، وحتى السيارات التي عمد أصحابها إلى تحطيم جزء من سياج الحديقة، ليتمكنوا من المرور إلى داخلها، وهي ظاهرة تفشت في البلاد في غياب الحرس البلدي، والشرطة الزراعية، على خلفية الفوضى الأمنية، التي تعصف بالبلاد منذ العام 2011، حيث عمد الكثير من سكان الأحياء المحاذية لما يعرف بالطريق السريع إلى فتح ممرات إلى أحيائهم التي بنيت عشوائيا، ما أدى إلى اختناقات مرورية ومخاطر جمة، تعرض لها المارة في هذا الطريق.في حين يسطو البعض على الحدائق العامة والمنتزهات والمناطق المفتوحة، باقتطاع أجزاء منها، لبناء مقاهي ومطاعم وورش للحدادة، وأخرى لإصلاح السيارات، بالإضافة إلى محال لبيع المواد الغذائية، ومواد البناء، ما ألحق بالغ الضرر بالعاصمة الليبية وضواحيها، وشوه صورتها التاريخية كعروس للبحر المتوسط، إلى جانب فقدانها الكثير من معالمها الأثرية، سواء في المدينة القديمة أو خارجها على أيدي «متعصبين» لبعض التيارات الدينية منها جامع الشعاب والغزالة.

في الحديقة المتاخمة لجسر سوق الثلاثاء، يتراوح سعر جرو الوولف البالغ من العمر شهرين ما بين 500 إلى 700 دينار، وهذا النوع من الكلاب هو الفصيل المفضل لدى المغرمين بتربية الكلاب، لما يتميز به من ذكاء، ويصل سعر الذكر البالغ من هذه الفصيلة إلى ما بين 2500 إلى 3000 دينار، في حين يقول الكثير من المربين إن هناك كلابا تجاوز ثمنها 10 آلاف دينار، وأمام موقف السيارات التابع لسوق الثلاثاء، المجمع الذي دمره حريق هائل في يناير 2015 لأسباب لا تزال مجهولة حتى اليوم، وإن كان المسؤولون ألقوا باللائمة كالعادة وقتذاك على ماس كهربائي، يتدافع المئات من رواد السوق على ما يعرضه مربو العصافير، والحمام، والدواجن، والأرانب، حيث تبرم العشرات من الصفقات.

تاريخ يرجع للثمانينات
يشار إلى أن منطقة سوق الثلاثاء التي تضم المجمع هى واحدة من بين خمسة أسواق مجمعة متعددة الطوابق في العاصمة طرابلس، تم بناؤها في ثمانينيات القرن الماضي، وبالتالي فهي من أقدم الأسواق المجمعة في العالم العربي، إذ كانت تلك الأسواق تجربة رائدة بالفعل، إلا أنه لم يكتب لها النجاح بسبب ما تردد عن عمليات نهب وسرقة واسعة، كان يديرها القائمون عليها وقتذاك، وانتهت إلى الفشل الذريع على خلفية السياسة التجارية للنظام السابق، الذي اعتبر التجارة ظاهرة استغلالية، تتحكم في مفاصل الاقتصاد الليبي.وقال رمضان الفقيه (40 عامًا - موظف بشركة لتعبئة المياه) إنه يخرج في موسم الصيد من كل عام (ما بين أبريل ومايو) لاصطياد فراخ طائر الحسون المعروف بـ «القرديل» في ليبيا، حيث يمسك بعضها لتربيتها ويعرض الأخرى للبيع، ما يدر عليه دخلا إضافيا ليغطي احتياجاته ومتطلبات أسرته المكونة من 5 أشخاص.

وأضاف: «كنا نبيع فرخ القرديل مقابل 5 و10 دينارات، لكنه قفز اليوم إلى ما بين 30 و50 دينارا، ويعود ذلك لعدة أسباب، منها تراجع عمليات الصيد، ونقص تلك النوعية الجميلة من الطيور، بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار في البلاد». ويتراوح سعر طائر الحسون المغرد ما بين 300 إلى 500 دينار.

كلاب وحمام وببغاوات وأرانب ودجاج وعصافير في مقدمة بضاعة السوق

 

وطائر الحسون الذي يعتبر من أجمل الطيور، له وجه أحمر ورأس أسود، تعلوه وجنتان بيضاء، وجناحان أسودان، يتخلل كل منهما شريط أصفر بلون الذهب، يعشقه الناس لتغريده الجميل وصوته الرخم والعذب، إلا أنه مهدد بالانقراض لعدة أسباب، منها عمليات الصيد العشوائي، واستخدام الصيادين للشباك، وزحف البناء الأسمنتي على الحقول حيث يعيش هذا الطائر ويتكاثر، وإلى جانب الحسون تعرض في هذه السوق العديد من أنواع الطيور، منها أصناف كثيرة من طائر الكناري و«الجغالي»، الذي يأتي من تزاوج الحسون وأنثى الكناري، و«البادجي»، المعروف في ليبيا بـ«البقلينو»، ومنه العربي والمالطي والإنجليزي.

كما يعرض في السوق طائر الببغاء الأفريقي الرمادي ذو الذيل الأحمر، الذي يعرفه العلماء بأنه أذكى الطيور في العالم، لقدرته على تقليد الأصوات والكلام، وهو ما جعل الناس تمتلكه كحيوان أليف، ويبلغ سعره ما بين 600 إلى 1000 دينار، وكذلك الببغاء البرازيلي، وإن كان بأعداد صغيرة، ويصل سعره إلى 3000 دينار.اهتمام ملحوظ بالطيور

الملفت في معرض الطيور الأسبوعي، الذي يجذب مئات الرواد من كل الأعمار، أنواع الحمام الكثيرة ومنها «البلدي والهزاز والنفاخ والهندي والقلاب والشقلباظ والإمبراطوري والقطاوي والكينغ الأبيض وغيرها، وهي أنواع حديثة العهد في ليبيا، ويصل ثمن زوج الحمام من بعض الفصائل النادرة إلى 700 دينار، ويحتل ركن بيع الدواجن مساحة كبيرة في منطقة مفتوحة من سوق الطيور، فإلى جانب الدجاج البلدي الذي يربيه الليبيون في المزارع وفي البيوت بكثرة، توجد أنواع كانت غريبة عن البيئة الليبية حتى وقت قريب، منها ما يعرف بدجاج «براهما»، ودجاج «البف»، و«مكشش» ودجاج «أندلسي»، ويتراوح سعر الزوج من هذه الأنواع ما بين 150 إلى 300 دينار.

كما يوجد في نفس الركن أنواع عديدة من دجاج «الحبش»، أو الديك الرومي والبط والأوز، وعلى امتداد مجرى نهر «المجينين» المحاذي لسوق الثلاثاء، ترتفع المئات من منصات العرض، التي يستعرض من خلالها التجار كل ما يمكن أن يفكر فيه الإنسان من تجهيزات ومعدات ومواد غذائية وخضر وفواكه.

المكياطة والشاي باللوز والكاكوية والفول قائمة طعام وشراب رواد السوق

وتتخذ عربات مجهزة بآلات صنع القهوة والشاي مواقع لها بين هذه المناطق المفتوحة، حيث يحتسي رواد السوق والباعة «المكياطة» والكابتشينو، وأكشاك أخرى لبيع الشاي باللوز والكاكوية، وأكشاك لبيع المأكولات الخفيفة وبخاصة «سندوتشات» اللحم المشوي، وباعة واكبوا هذه السوق منذ عدة سنوات يبيعون الفول، ويتردد كثير من الليبيين في شراء الأشياء المستعملة، خاصة أسطوانات الغاز، والمعدات الكهربائية المنزلية، خشية أن تكون هذه الأغراض مسروقة، وبالفعل تنتشر ظاهرة سرقة أسطوانات غاز الطهي بشكل ملفت للنظر في طرابلس وضواحيها، حيث تباع الأسطوانة الواحدة بـ 200 دينار بدل 45 دينارا، وهو سعرها الحقيقي من شركة البريقة لتسويق النفط، وذلك بسبب النقص الحاد في هذه الأسطوانات المستوردة من الخارج في مستودعات الشركة، وفي ركن الملابس الجاهزة وخاصة الملابس والأحذية الرياضية، يصطحب الآباء أطفالهم لشراء هذه الأغراض المستوردة من الصين، ويقبل عليها المتسوقون بشكل كبير لرخص أسعارها، مقارنة مع لهيب الأسعار الذي يضرب البلاد بشكل غير مسبوق.الملفت للانتباه في هذه السوق الشعبية الكبيرة وجود بائع واحد «يتيم» للكتب القديمة، وإن كان ما يعرضه عموما بسيطًا جدًا، فيما يتعلق بالعناوين غير أنه في بعض الأحيان يمكن العثور على عنوان كتاب جيد ونادر، وهو ما يدفع بعض المهتمين إلى التردد على هذا البائع الذي يعرض «مكتبته» سائر أيام الأسبوع في سوق «العتق» الأصلي، الذي يقام في منطقة واسعة بالقرب من الباب الجديد للمدينة القديمة غير بعيد عن فندق «كورنثيا»، أفخم فنادق العاصمة الليبية.
للاطلاع على العدد الحادي والعشرين من جريدة «الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة PDF)

المزيد من بوابة الوسط