الوفاق الليبي «رهين المجلسين»

عاد الجدل بين الأطراف الليبية بعد عقد المجلس الأعلى للدولة جلسته الأولى الرسمية، التي قرر فيها بالإجماع تعديل الإعلان الدستوري، وانتخاب النائب المقاطع عضو المؤتمر الوطني العام السابق عبدالرحمن السويحلي رئيسًا له، وكان المؤتمر قبل ذلك عقد آخر جلساته تمشيًا مع هذا المستجد، إلا أن مجموعة صغيرة من أعضاء المؤتمر في مقدمتهم المتحدث باسم المؤتمر عمر حميدان أعلنوا انشقاقهم وتمسكهم بالمؤتمر.

وسلط العدد العشرون من صحيفة «الوسط» الصادر اليوم الخميس، الضوء على الجدل الذي رافق انعقاد المجلس الأعلى للدولة، وتعثر مجلس النواب في الاجتماع لمنح الثقة لحكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج.

خطوة متعجلة
وفي خطوة وصفت بالاستعجال رحب المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، في بيان، بقرار المجلس الأعلى للدولة، تلاه المبعوث الأممي مارتن كوبلر ليتفجر الخلاف السياسي من جديد، مهددًا مسار الاتفاق السياسي بالعرقلة؛ حيث نص الاتفاق في المادة (3) على أن يعقد مجلس الدولة اجتماعه الأول في غضون 10 أيام من تصويت مجلس النواب على تعديل الإعلان الدستوري.

بينما تبطل المادة (12) من الأحكام الإضافية انعقاد مجلس الدولة قبل تعديل الإعلان الدستوري، مع التذكير بأن مجلس الدولة هو جسم استشاري وليس تشريعيًا، ويرى البعض أن هذا المستجد ربما يشكل ضغطًا على مجلس النواب للإسراع في عقد جلسة لمنح الثقة لحكومة الوفاق.

واعتبر النائب الأول لرئيس مجلس النواب رئيس فريق الحوار السياسي الممثل للبرلمان، إمحمد شعيب، أن جلسة المجلس الأعلى للدولة «لم تكتمل شروطها القانونية، وتفتقد للحكمة السياسية وتتجاهل روح وثيقة الاتفاق السياسي، وتستبق الزمن وتحرق المراحل»، وهو ما أكده أيضًا وزير العدل في الحكومة الموقتة المبروك قريرة، ودعا عضو لجنة الحوار الوطني عن المستقلين، فضيل الأمين، إلى «عدم القفز فوق الاتفاق السياسي والالتزام به وإنهاء حالة المماطلة والعرقلة»، في تعليقه على انعقاد مجلس الدولة.

وقال في تدوينة مطولة على صفحته بموقع (فيسبوك) إن مجلس النواب هو «الجهاز التشريعي الليبي الوحيد صاحب حق التشريع، بناءً على هذا الاتفاق، وأي محاولة للالتفاف عليه أو عرقلة عمله تعتبر مخالفة للاتفاق السياسي».

في هذه الأثناء دعا رئيس «حكومة الإنقاذ»، خليفة الغويل، المجلس الرئاسي إلى عدم المساس بالمقرات الحكومية «إلى حين الوصول إلى اتفاق سياسي شامل»، وفق بيان صدر أول من أمس الأربعاء، بعد 24 ساعة من بيان نسب إلى الحكومة نفسها وأعلنت فيه التنحي حقنًا للدماء، كما دعا البيان الجديد رؤساء الهيئات والمؤسسات التابعة لـ«الإنقاذ» الاستمرار في عملهم، محذرًا كل من يتعامل مع القرارات الصادرة عن المجلس الرئاسي بتعريض نفسه للمساءلة القانونية، التنحي.

العصا والجزرة
عقد الجلسة الأولى للمجلس الأعلى للدولة والمطالبة بإلغاء العقوبات على عقيلة صالح أشبه بالعصا والجزرة، خاصة بعد إعلان القائد العام للجيش الليبي الفريق أول ركن خليفة حفتر، في رسالة طمأنة عبر حديث أدلى به إلى مجلة الأهرام العربي المصرية، أنه لن يعلن مجلسًا عسكريًا في البلاد، وأنه ضد التقسيم وسيحافظ على وحدة البلاد، تاركًا الذين يرغبون في ذلك يلهثون وراء السراب.

وكان المجلس الرئاسي قد اتخذ قرارات سريعة وجريئة بإلغاء جميع الحسابات المصرفية للوزارات، وتشكيل لجنة مالية برئاسة نائب الرئيس فتحي المجبري، التي ستنظر قريبًا في مطالب البلديات، بعد أن اجتمع المجلس الرئاسي بعدد من البلديات، وهو اتجاه باركه مارتن كوبلر بعد أن استقبله عمداء بلديات طرابلس الكبرى؛ حيث وعدهم بالدعم المادي والمعنوي، ويبدو أن المجلس الرئاسي لن ينتظر منح الثقة لحكومته، وسيبدأ في توزيع مهام الوزراء على أعضائه والتعامل مباشرة مع البلديات، تاركًا حكومة الثني بلا موارد.

استمرار الجدل
وفي انتظار عقد جلسة لمجلس النواب لإجراء التعديل على الإعلان الدستوري ومنح الثقة لحكومة الوفاق، سيستمر الجدل حول شرعية عقد مجلس الدولة لجلسته وعودة التراشق بين مجلس النواب وأعضاء المؤتمر الوطني الذين ذابوا في المجلس الأعلى للدولة، على الرغم من أن المؤكد حتى الآن هو أن المجتمع الدولي لن يتعاون مع هذين الجسمين، وسيتعاون فقط مع المجلس الرئاسي.

المستجد الذي أنتجه انعقاد مجلس الدولة جعل خصوم الاتفاق السياسي، وتحديدًا المتخوفين مما وصفوه سابقًا بالثغرات التي تتيح لتيار الإسلام السياسي الالتفاف على الاتفاق وركوبه نحو السلطة، يسارعون إلى رفض الخطوة التي اعتبروها دليلاً على صدق تخوفاتهم، ووصفوها بالانقلاب الناعم. وإذا ما ظل مجلس النواب عاجزًا عن عقد جلسة مكتملة النصاب في طبرق للنظر في منح الثقة لحكومة الوفاق، وإجراء التعديلات على الإعلان الدستوري ليتماشى مع نصوص الاتفاق السياسي، فإن حكومة الوفاق بل الوفاق كله سيبقى رهين المجلسين، مجلس النواب الذي يستطيع أن يمنح الثقة للحكومة ومجلس الدولة الذي ولد بالمخالفة للاتفاق السياسي، مما ينبغي على لجنة الحوار أن تتدخل باعتبارها المالك للاتفاق السياسي ومرجعية تنفيذه.

المزيد من بوابة الوسط