«مواقع التواصل الاجتماعي» تكشف ألغاز رحلات الموت من ليبيا

تحوُّل مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأشهر الأخيرة إلى ما يُشبه وكالات سياحية لكنها غير شرعية، تتاجر في وضح النهار وبهمزة وصل عبر الـ«فايبر وواتساب» بأرواح آلاف البشر أسبوعيًا، كشف أخيرًا عن تفاصيل غائبة ونقاط ظل في رحلات الموت انطلاقًا من السواحل الليبية.

«تهريب لدي من تركيا ليبيا طيران، مصر ليبيا بر، تونس ليبيا بر، جزائر ليبيا بر»، هذا مقتطف من مضمون إحدى صفحات التواصل الاجتماعي «فيسبوك» اطلعنا عليها، يعكس وجود شبكة معقدة تمتد من تركيا وسورية إلى الجزائر، تقف وراء عمليات الإتجار بالبشر قبل ترحيلهم إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط في أوروبا.

أسعار التذكرة إلى الآخرة
وحتى يزيح أهوال الغرق من مخيلة اللاجئين بمناطق تعيش النزاع الأمني والاقتصادي، مثلما وقع قبل أسابيع قليلة بغرق نحو 950 شخصًا في البحر المتوسط، يحاول تاجر الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت الذي لقّب نفسه بـ«عمر الزواري إيطاليا» سوري الجنسية طمأنة البشر ببث معلومات حول وصول رحلات سابقة خارج القانون كان قد نظّمها، مُصرًا على الاستمرار في نشاطه بأن «رحالات إيطاليا مستمرة هذا الصيف»، الأمر الذي يؤكد تحديات كبيرة ستوجهها الحكومات المعنية مباشرة من الضفتين، خلال الأشهر القليلة باعتبار أن فصل الصيف أكثر المواسم استقطابًا للهجرة غير الشرعية لتحسن الطقس وهدوء البحر.

وتشير تقديرات وكالة مراقبة حدود الاتحاد الأوروبي «فرونتكس»، إلى أن ما قد يصل إلى مليون مهاجر غير شرعي يمكن أن يصلوا العام 2015 إلى سواحل إيطاليا انطلاقًا من ليبيا.

المال عصب الحركية غير المعهودة للمتاجرين بالبشر، نظرًا لجنيهم ملايين الدولارات سنويًا من عمليات التهريب، فوفق الصفحة فإن «التهريب» من الجزائر لبنقردان على حدود ليبيا وتونس بـ 800 دولار تدفع بعد الوصول. وألقى حرس الحدود الجزائري خلال الأسابيع الأخيرة القبض على مئات المهاجرين الأفارقة وسوريين العام 2014، كانوا بصدد دخول الأراضي الليبية أو التونسية.

كما تبيّن أن «رحلات الموت» مُكلفة أيضًا عبر شبكات اتفقت على ليبيا كمركز عبور إلى أوروبا، حيث يبلغ سعر الرحلة انطلاقًا من السودان إلى ليبيا 1700 دولار، وتركيا - ليبيا 3500 دولار، وتونس - ليبيا 350 دولار، وبنغازي - طرابلس 500 دينار، ومصر - ليبيا 8500 جنيه، أما ليبيا - إيطاليا 1000 دولار.

صور مفبركة
ولم تتعرض مثل هذه الصفحة وغيرها العشرات إلى الإلغاء من طرف شركة «فيسبوك» لعدم التبليغ عنها، لمنع نشاطها والتخفيف من تلك الهجرة، علمًا بأن «فيسبوك» تتعاون مع هيئات أوروبية، على رأسها «فرونتكس» و«يوروبول»، لضبط هذه الصفحات أو لتكون عاملاً مساعدًا للأجهزة الأمنية للعثور على هؤلاء المهربين.

ويورد الموقع صورًا مفبركة بعيدة عن الواقع لبضعة مهاجرين بملابس نجاة يركبون قاربًا، وهو ما أشار إلى القارب الذي يصل طوله لـ26 مترًا يحمل حتى 350 شخصًا، ومركب يبلغ طوله 20 مترًا يحمل 200 شخص.

وشملت العروض اصطحاب القُصَّر ما دون 17 سنة بمقابل 500 دولار، والرضع مجانًا، حسب قولهم. أما الذين يقفون وراء الرحلات البحرية عبر المتوسط دائمًا إما تونسي أو مغربي أو ليبي. ويعتمد تجار البشر على آلية التواصل عبر «الفايبر وواتساب» أو رقم الهاتف، وهي وسائط اتصال حديثة تحوّلت إلى أدوات في إلحاق كوارث إنسانية كبيرة بالمهاجرين.

ورغم تحوُّل مواقع التواصل الاجتماعي لـ«وقود» رفع نسب الهجرة في ليبيا، فإن القضيّة لا تأخذ جانبًا من الجديَّة لدى الدول الأوروبية والمغاربية كظاهرة من ظواهر الجريمة الإلكترونية، حيث تركزت المقاربة الأوروبية على الحل العسكري عندما يتعلق الأمر بمحاربة الهجرة، فقد طرحت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني خطة للقضاء على الهجرة غير الشرعية من خلال القيام بعمل عسكري لتدمير القوارب التي يستخدمها مهربو البشر الذين يستغلون حالة الفوضى التي تشهدها ليبيا لكنها لم تلقَ تجاوبًا كبيرًا.

ويعد البحر المتوسط أخطر مسار هجرة بحريَّة في العالم، حيث ذكر تقرير لمنظمة العفو الدولية في أبريل الماضي - وفقًا للإحصاءات التي تم تجميعها للفترة من يناير وحتى مارس- فإن واحدًا من كل 23 مهاجرًا محتملاً انطلق من شمال أفريقيا فقد حياته خلال عبوره البحر.

وأدت الفوضى الأمنية والنزاع المسلح في ليبيا إلى تزايد الهجرة غير الشرعية عبر سواحلها التي تفتقد الرقابة الفاعلة في ظل الإمكانات المحدودة لقوات خفر السواحل الليبية. وأطلق مسؤولون ليبيون وأوروبيون مخاوفهم من سيطرة تنظيم «داعش» على مسارات الهجرة غير الشرعية انطلاقًا من ليبيا.

كما أطلقت «فرونتكس» ما يسمى عملية «تريتون» أواخر العام 2014 غير أن انتقادات شديدة طالتها اعتبرها مراقبون «موجهة لحماية الحدود وليس حماية الأرواح» لترد الوكالة عبر موقعها الإلكتروني بنشر نشاطها في البحر المتوسط؛ حيث «تم إنقاذ أكثر من 5500 مهاجر قرب الساحل الليبي منذ الخميس 30 أبريل إلى 4 مايو 2015 بمشاركة مباشرة من السفن والطائرات المشاركة في العملية تريتون فرونتكس» حسب قولها، وتمت عمليات الإنقاذ باستخدام 12 سفينة وثلاث طائرات.

350 مليون دولار أموال تهريب البشر
ومن جانبه دعا الخبير الأمني الجزائري هيثم رباني إلى التمييز بين مواقع إلكترونية حقيقية وأخرى وهمية، لافتًا إلى أن دور القضاة والمحامين ومصالح الأمن هو تحديد «من أين تبث هذه المواقع من ليبيا أم أوروبا من دولة عربية أخرى».

وقال رباني في تصريح إلى «بوابة الوسط» إن المهاجرين يدفعون أموالاً باهظة لتلك الشركات، مقدرًا قيمة الهجرة غير الشرعية من القرن الأفريقي إلى شمال ليبيا فقط بنحو 350 مليون دولار سنويًا، تتضاعف حال أضيفت لها شبكات الهجرة ما بين أندونيسيا وماينمار إلى بورما والمكسيك والسلفادور.

تواطؤ غربي
وحول دور الدول الغربية في محاربة الهجرة غير الشرعية «إلكترونيًا»، وصف الخبير الجزائري دورهم بـ«التواطؤ وليس التقاعس، ويظهر ذلك من خلال النفاق الغربي الذي يدعم دول أفريقية فاسدة»، ضاربًا المثل بقضية القطن في مالي، حيث حطمت لوبيات أميركية هذه التجارة قبل أن يتأزم الوضع في المالي أمام مرأى الدبلوماسية المغاربية.

ورفض رباني وصف «مهاجر غير شرعي»، ففي اعتقاده لا يوجد على مر التاريخ سوى مصطلح لاجئ في أوروبا، فهو مهاجر فقط حسب هيئة الأمم المتحدة. وأكد الخبير الأمني أن الانقسامات السياسية في البلدان العربية هي التي ضاعفت معدل الهجرة غير الشرعية.

وتضاعف عدد المهاجرين الذين دخلوا الاتحاد الأوروبي خلال العام 2014 ثلاث مرات تقريبًا، بالمقارنة بالعام السابق. ومعظم المهاجرين من سورية والعراق ودول جنوب الصحراء الأفريقية بسبب تردي الوضع الأمني.