«عار غرق المهاجرين» يلاحق السياسة الأوروبية

أثار حادث غرق قارب يقل 700 مهاجر غير شرعي في مياه المتوسط قبالة سواحل ليبيا مشاعر غضب، وصفها تقرير لوكالة «رويترز»، بأنها «قد تتأجج في النفوس وتدفع قادة أوروبا إلى تغيير سياستهم التي يندد بها منتقدوها، ويقولون إنها تقوم على السماح بغرق البعض لردع آخرين من المعدمين».

ويرى تقرير لوكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، أنه بعد حادث قارب المهاجرين الأخير ربما يصبح المانع المائي الذي يشكله البحر المتوسط بين أوروبا وجيرانها الأقل حظًا «أقل تنفيرًا بعض الشيء» حتى إذا ظل التركيز على تثبيط الهمم عن عبور البحر بوسائل أخرى غير الوسائل التي تنطوي على الموت غرقًا.

معضلة الإنقاذ
وفي رد فعل سريع على احتمالات مقتل زهاء 700 شخص كانوا على متن قارب الصيد الذي كان في طريقه من ليبيا إلى إيطاليا، يلتقي اليوم وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، ومن المحتمل أيضًا أن يجتمع قريبًا قادة الحكومات الذين طالب بعضهم بالتغيير.

ويؤكد التقرير أنه على القادة الأوروبيين التصدي لمعضلة دفعتهم إلى تقليص عملية إنقاذ في أكتوبر الماضي بسبب مخاوف بلورها وزير الداخلية الألماني في تصريح قال فيه إن هذه العملية أصبحت «معبرًا إلى أوروبا» لمئات الآلاف الهاربين من الفقر في أفريقيا والشرق الأوسط.

الاتحاد الأوروبي يمتلك الوسائل لإنقاذ اللاجئين الفارين من جحيم سورية وليبيا لكنه يتركهم يغرقون

وبعد أن كانت الأحزاب المناهضة للمهاجرين مصدر إزعاج للحكومات أصبحت هذه الحكومات تواجه الآن موجة غضب، بسبب تجاهل كارثة المهاجرين الإنسانية.

وأشار تقرير «رويترز» إلى ما كتبه الحقوقي الألماني، هيربرت برانتل، في جريدة «زودويتشه تسايتونج»، قائلاً: «قد يملك الاتحاد الأوروبي الوسائل لإنقاذ اللاجئين الفارين من جحيم سورية وليبيا لكنه يتركهم يغرقون».

ويضيف برانتل: «أوروبا تستخدم اللاجئين الموتى لحماية نفسها من الآخرين، لقد حصّنت أوروبا نفسها»، وتحدث رئيس البرلمان الأوروبي عن شعور بـ «العار».

ورحب نشطاء يدافعون عن اللاجئين بالمطالب الشعبية التي قد تؤدي إلى التغيير، رغم اقتصارها على مصالح ذاتية في قارة تموج بالقلق بسبب البطالة والتهديدات الإرهابية.

وأصبحت سهولة الحصول على وضع اللجوء على الشواطئ الجنوبية لأوروبا، وكذلك حملة لإنهاء الخلافات بين دول الاتحاد الأوروبي عن الأعداد التي تقبلها كل دولة من اللاجئين عناصر في استراتيجية تعمل عليها الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي.غير أن أعداد القتلى ربما تحول المد في الأجل القصير لصالح البعض مثل رئيس الوزراء الإيطالي، ماتيو رينزي، الذي يدعو إلى زيادة الموارد البحرية للاتحاد الأوروبي لإنقاذ الأرواح، وتقلب المائدة على الذين شبهوا عملية الإنقاذ التي كانت تنفذها إيطاليا في العام الماضي تحت اسم ماري نوستروم «بخدمة عبارات» للمهاجرين غير الشرعيين.

وقال ليونارد دويل الناطق باسم المكتب الدولي للهجرة في جنيف: «موضوع قتلى المهاجرين هذا شق طريقه في نهاية المطاف إلى شاشة الرادار الدولية، فقد بدأنا نشهد رد فعل الناس للجانب الإنساني منه».

بين العامل الإنساني وعامل الجذب
وقد انتقدت الحكومة البريطانية مهمة محدودة نفذها الاتحاد الأوروبي للبحث والإنقاذ، وقالت إنها قد تؤدي إلى استدراج أعداد أكبر من المهاجرين للخروج إلى البحر.

وقالت الوزيرة بوزارة الخارجية، جويس انلي، للبرلمان في لندن خلال أكتوبر: «هم يخلقون عامل جذب غير مقصود بتشجيع المزيد من المهاجرين على محاولة العبور المحفوف بالمخاطر للبحر، ومن ثم يؤدون إلى المزيد من الوفيات المأساوية وغير الضرورية».

وثيقة لمكافحة التهريب النفط والسلاح
كما أشارت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني، إلى عامل الجذب في وثيقة داخلية اطلعت عليها «رويترز»، ستطرح على وزراء الخارجية في لوكسمبورج، اليوم الاثنين.وتطرح الوثيقة عامل الجذب كأحد مخاطر اقتراح لتسيير دوريات بحرية للتصدي لعمليات تهريب النفط الليبي وتهريب السلاح.

لكن دويل الناطق باسم المكتب الدولي للهجرة، قال: «ما من دليل على أن من الممكن أن نرى وجود عامل جذب في تنظيم مهمة لإنقاذ الأرواح».

وقال أستاذ القانون بجامعة جنوب كاليفورنيا، نيلز فرنزن، الذي ساعد في تحدي الرد الأميركي للاجئين في هايتي خلال التسعينات، إن الأدلة الإحصائية غير واضحة.

وفي حين ارتفعت أعداد المهاجرين في السنة التي أعقبت بدء عملية الإنقاذ «ماري نوستروم» في إيطاليا ردًا على غرق عدد كبير من المهاجرين العام 2013 قبالة جزيرة لامبيدوزا، فقد قال فرنزن إن ذلك واكب أيضًا عامل طرد من جراء زيادة العنف في سورية وليبيا.

وأدى العداء للمهاجرين حتى من جانب بعض الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى «موقف سلبي» من الزعماء الأوروبيين.

وقال فرنزن إنهم سيجدون صعوبة أيضًا في إقامة مخيمات إيواء في شمال أفريقيا والشرق الأوسط مثلما فعلت السلطات الأميركية مع لاجئي هايتي في قاعدة جوانتانامو البحرية في كوبا خلال التسعينات.

وأضاف: «سيكون علينا وضع برنامج يشارك فيه مئات الآلاف، فهذه المخيمات تصبح جيوبًا مستقلة وتصبح المشاكل الأمنية كابوسًا».

مشكلة التدخل في الشرق الأوسط
ويرى تقرير «رويترز» أنه بخلاف الفوضى الضاربة في ليبيا وسورية والعراق، التي كان من أسبابها التدخلات الأوروبية في تلك الدول، سيظل فارق الثراء الهائل بين جانبي البحر المتوسط عامل جذب للمهاجرين لأسباب اقتصادية.

بالإضافة إلى الفوضى في ليبيا وسورية والعراق، سيظل فارق الثراء الهائل بين جانبي المتوسط عامل جذب للمهاجرين لأسباب اقتصادية.

لكن الناطقة في شؤون الهجرة عن الخضر في البرلمان الأوروبي، سكا كيلر، ترى أن «الضغط الشعبي سيضع نهاية للسياسة التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي بترك الناس يغرقون».

وقالت: «إن مجرد كون المعارضين للهجرة هم الأعلى صوتًا لا يعني أنهم الغالبية، وأعتقد أن تحولاً قد حدث».

وفي أعقاب حادث الغرق الأخير لم تتجدد الانتقادات الأخيرة لعمليات الإنقاذ، واعتبر وزير الداخلية الألماني، توماس دو مازيير، الحادث «مأساة»، وقال إن على الاتحاد الأوروبي تعزيز الجهود لتنسيق العمل على استراتيجية للهجرة.

وانتقد الكاتب المسرحي البريطاني، اندرز لستجارتن «الضعف الأخلاقي» و«الخبث من خلال الوكلاء» الذي يراه في قيام الاتحاد الأوروبي بخفض الموارد المتاحة لإنقاذ المهاجرين.

وتعرض للمؤلف المسرحي لستجارتن حاليًا في لندن مسرحية (لامبيدوزا) التي يتناول فيها كيف يتحدى الناس العاديون القوى الأكبر التي تحرك اللاجئين اليائسين والبؤس الاقتصادي، وقال لـ «رويترز»: «رد الفعل الشعبي هو الشيء الوحيد الذي سيوقف ذلك».

ولأن القراء تداولوا مشاركة ما كتبه عن أزمة اللاجئين في جريدة «الجارديان» أكثر من 12 ألف مرة فهو يعتقد أن ذلك الأمر قد بدأ يحدث.

المزيد من بوابة الوسط